"عَ سْلامَة".. / أريج مواسي*

"عَ سْلامَة".. / أريج مواسي*

- أريج مواسي -

البارحة، لم تجبني السنديانة، أخيرا، أخيرا لم تجبني السنديانة، ففي كل مرة أتصل فيها لأصدقائي بتونس تجيبني: "وصلتم إلى شركة (سنديانة)".. لا أعرف من تكون، ولكن قيل لي: "إنها ليست سنديانة، إنما تونيزيانا.."، وأنا التي في كل مرة كنت أفكر تفكيرا عميقا، من أين لهم السنديان في تونس؟ أوليست تونس مشهورة بالزيتون؟  طلعت "تونيزيانا" مش سنديانة.

هاتفت صديقتي لأبارك لها ولعائلتها نجاح أخيها، فإذ بأمها تتكلم معي.. لم أفهم حرفًا واحدًا، اللهجة التونسية لا أفهم منها شيئا، الكلمات الوحيدة التي فهمتها كانت "السلام عليكم" والأخرى كانت "ع سلامة"! 

قلت: "كيف حالك خالتي؟".. ولكن لم تفهمني أيضًا!

استسلمنا في النهاية، أنا وأمها، وقالت "خذي وتكلمي مع ابنتي".. استغربت.. استغربت من كوني لم أفهم!

أنا أعرف أن لهجاتنا مختلفة، وأعرف أنه من الصعب علي أن أفهم اللهجات (الليبية، التونسية، الجزائرية، والمغربية)، ولكن لم أتوقع أن يكون ذلك إلى هذه الدرجة.. لم أفهم حرفًا واحدًا!

يقودني ذلك إلى تذكر الكثير من النظريات التي تتناول اللغة، والتي تقول إن للغات دورًا في صياغة هويات الشعوب، وهنا أؤكد تأكدي على أننا لو ارتكزنا في حديثنا على العربية الفصحى لفهمنا بعضنا بعضًا.. هويتنا العربية كعرب، تجمعها العربية الفصحى، لا العربية العامية، بالرغم من وجود الكثير من الكلمات المشتركة ما بين اللهجات المختلفة من المحيط إلى الخليج، ولكن يبقى للعربية الفصحى مركزها الأول في تحديد هويتنا كعرب.

أذكر هنا أيضًا أن سياسات الدول المسيطرة بحسب عدد من نظريات علم الاجتماع، تسعى عن طريق اللغات، إلى السيطرة على مجتمعات معينة، من خلال السيطرة على لغاتها والتحكم بها، وربما تشويهها، وبالتالي تشويه هوية هذه المجتمعات.

إن عدم تمكني من التحدث باللغة العربية الفصحى بطلاقة، كما أسمعها من أصدقائي العرب في الدول العربية الأخرى، في تونس، والأردن، ولبنان، ومصر، والخليج.. يجعلني أشعرُ بالحزن تجاه ما فعله بنا الاحتلال من تشويه ممنهج للغتنا عبر المناهج التدريسية السيئة.

نعم كنت آنذاك من المتفوقين في صفي في حصص اللغة العربية، وأنهيت ما يسمى بالـ "بجروت" بعلامة تفوق، ولكن هذا كله هراء، فأنا أعلم أن لغتي العربية، وإن كنت ألح على نفسي بالقراءة كثيرا، ركيكة، مقارنة مع قوة اللغة العربية لدى أصدقائي في دول عربية أخرى!

أن تكون تحت الاحتلال، لا يعني أن ترى دبابات حولك، ولا يعني أن تجد جنودًا يصبون بنادقهم نحوك بالضرورة، ليس هذا الاحتلال فقط.. إن الاحتلال يوجه أسلحته نحو ثقافتنا وهويتنا، وانتمائنا العربي للأمة العربية كلها.. كم مرة حاولوا أن يهزوا هذا الانتماء؟ كم مرة حاولوا أن يروجوا لنا أن "العرب جرب"، وأن "العرب قوم فاشلون"، وأننا في عسل في ظل دولتهم؟ كم مرة سعوا إلى أن يجعلونا نؤمن بأن الحل هو القبول بدولتهم والرضى بما أسموه "العيش المشترك معهم" بادعائهم أن العرب "كبونا"؟  

مراتٍ لا تعد ولا تحصى، ومحاولات مستمرة باستمرار الاحتلال.. ليس احتلال أرضنا فحسب، إنما أيضا الاحتلال الفكري لعقولنا، والنفسي لقلوبنا، والذي يحاول جعلنا ننسى أننا جزء من الأمة العربية شئنا أم أبينا، نحن جزء منها، شاركناها آلامها وأحزانها، أفراحها وأتراحها، فرحنا لثوراتها، وصرخنا من أجل حقوق شعوبها!

تقول صديقتي التونسية: "لا باس عليكِ، فهذه مشكلة كل العرب واختلاف لهجاتهم، هذا كما يبدو اغتراب نحن نعيشه.. أمي كانت مصدومة من أنها لم تستطع فهمك أيضًا"!

أقول في نفسي، شكرا لتلك الفرصة، التي أتاحت لي أن ألتقي بشباب عرب من العالم العربي كله، فلولا ذلك، لما كنت سأفهم فعلا ما معنى أن تكون عربيُّا.. لن تفهم معنى ذلك ما دامت "إسرائيل" تحتجزنا كفلسطينيين في الداخل.. لن نفهم المعنى الحقيقي لهويتنا إلا عندما نفهم وندرك جيدا أن إسرائيل حاولت وما زالت تحاول إحباط اعتزازنا بهويتنا العربية.

الاحتلال على ما يبدو  سبّب لنا كفلسطينيين في الداخل "عزلة"، الاحتلال عزلة، عزلة نفسية، تجعل كثيرين يقولون لي عند الحديث عن "أصدقائي العرب": "كفاك هراءً وأحلامًا.. لن يفعلوا لكِ شيئًا!"

هو الاحتلال نفسه الذي ولّد في أنفسنا الهزيمة، وجعل كثيرين منّا يصدقون كذبة "أن العرب متخلفون"، هو الاحتلال نفسه الذي يربي أجيال اليوم، وربّى أجيال كثيرة في الأمس على أن حياتنا في كنف إسرائيل نعمة، وأن حياتنا في ظلها فضل منها وعلينا أن نشكرها عليه.. وهنا يقع كثيرون منا بالخطأ، ويهبون إليها شاكرين إياها نعمها وفضلها عليهم، شاكرين إياها عزلها لنا عن العالم، شاكرين إياها على التخلف الفكري الذي نعيشه، سواء كان على الصعيد اللغوي، أو الاجتماعي، أو المهني، أو العلمي!

نعم، أعرف أن فينا مبدعين كثرًا، وأن كثرًا منا متفوقون، ولكن تخيلوا فقط، تخيلوا لو أننا في مكان آخر، وفي ظروف أخرى، ظروف تمكننا من العمل بحرية أينما نريد، والدراسة بأي لغة نريد، وزيارة أي مكان نريد.. تخيلوا فقط، تخيلوا عندها إلى أي مكان سنصل بإبداعنا وسيصل إبداعنا بنا.

وما زالَ بعضكم يقول لي: "احمدي ربك إنه إسرائيل بتعطيكي تأمين"، نعم؟! .. جوابي الوحيد دون الخوض في نقاش تفاصيل موضوع "التأمين": اللي استحوا ماتوا.

 لن أن أنسى مشهد المدينة، عند سقوط مبارك، لم يخلُ أي بيت من مشاهد "الشعب يريد إسقاط النظام"، وأطلقت في السماء المفرقعات فرحًا.. ورقصنا في البيت فرحًا، وأدمعت أعيننا فرحًا.. كان ذلك يكفيني لأن أؤمن بأننا جميعًا، وبالرغم من كل عمليات التشويه التي تمارس ضد هويتنا العربية في الداخل الفلسطيني، لا يمكن لأحد فينا أن يفرط بهويته العربية.

لن نفرط في هويتنا لنسجد لخيام "روتشليد" في ذلك الميدان اللعين، فأن تطلب الحرية والعدالة ممن سلب منك حريتك هو طموح الساذجين.. عذرًا فسقف طموحي أعلى من سقف خيمة في "روتشيلد".


* الجامعة العبريّة - القدس المحتلّة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018