إلى غربيّ القرية، حيث مارس السّهل.. / أريج مواسي

إلى غربيّ القرية، حيث مارس السّهل.. / أريج مواسي

 
"إلى جدّي، الذي أكتبُ له بالدمع.. إلى جدّي الذي زرعتُ معه عشرات أشجار الزيتون، قبل أن تصادر.. إلى جدّي الذي علمني حبّ هذه الأرض، لما عليها ولما فيها.."

.................

بدأت العطلة الصيفية، لا مدارس الآن.. لا وظائف بيتية.. لا دراسة.. لا تعب في الطريق مشيًا إلى المدرسة.. إنّه الصّيف، ليالٍ نجلسها في السّهر والسّمر، في حضن أبي وغناء أمّي..

إنّه الصّيف، يذهب أبي صباحًا إلى عمله كموظّفٍ في المدينة المجاورة.. في البيت أنا، أمي، وأخي الكبير، وأخواتي فاطمة، علياء، سلمى، وسلام.

إنه الصيف.. لا مدارس.. لا وظائف بيتية.. لا دراسة.. لكن لا نوم في عطلة الصيف.. لا نوم في عطلة الصيف.. سهرٌ وسمر، بلا نوم. تعبٌ من نوع آخر..

نذهب أنا وأخواتي إلى حقلنا، أمي تبقى في البيت، ترتب و"تعزّل"، وتهتم بحاكورتنا.. أخي الكبير يعمل، وخالي يشرف على "نشاطنا" في حقل أبي.. أبي عهد لخالي أن يهتمّ بشؤون الحقل، على أن يتقاسما المحصول.. خالي وعده أن يهتم بكل صغيرةٍ وكبيرة، وأن يعتني بالأرض والمحصول وكأنّها "ملكه". أبي يثق بخالي.

إنّه الفجر، صياح الدّيك. نذهب أنا وأخواتي إلى الحقل لـ "نساعد" خالي في جني محصولنا، لأننا ندرك أنه لن يستطيع أن ينهي العمل بسرعة، تحديدًا كان الحقل يقع في الجهة الغربية من القرية، واسمهُ "مارس السهل". نذهبُ إلى هناك أحيانًا على ظهر حمار، وأحيانًا على ظهر "تراكتور" خالي إذا حلّت به رأفةٌ تحمله على حملنا إلى هناك.

نصل الحقل يوميًّا قبل خالي.. خالي الذي يثق أبي به.. خالي الذي تعهد أن يهتم بشؤون "الحقل"، وأن يجني كل ثمار البندورة، أن يجمعها في صناديق "بوكسات"، وأن ينقلها بتراكتوره إلى البلد، لنبيعها.

الحر يقتلنا، أنا وأخواتي في الحقل، نجني الثمار طوال العطلة، تلك التي زرعناها بأيدينا أنا، أخواتي، أبي، أمي، وأخي قبل بضعة شهور. أنظر إلى الحبة لونها أحمر كالدم، أشعر بالفرح، شعور أقرب إلى الفخر. كنتُ أصغر أخواتي، لكني كنت أحاول أن أساعدهن دائمًا، أنقل لهن الأدوات المختلفة (البُكسة، المعول، المنجل، الطورية، الخ..).

الشمس ملتهبةٌ في وسط السماء، والحقل في ضواحي القرية، بعيدٌ عن الطعام والماء والشراب.

نجلس بعد ساعتين من العمل المتواصل لنستريح. عشرُ دقائق. نشربُ الماء، نأكل من أقراص الزعتر التي حضرتها أمي، ونتاقسم حبات البندورة. يأتي خالي ليفسد رومانسية هذا المشهد: "اذهبن إلى العمل، كفاكنّ كسلًا، بنات آخر زمن".

أختي سلمى تنهض من مكانها وتقول له: "منذ الصباح ونحن نعمل، وأن تجلس تحت الشجرة مستريحًا، دون أن تساعدنا".. قاطعها بصراخ: "اخرسي، أما تربية صحيح .. عيب عليكي ولي، أنا خالك". فاطمة تقول لسلمى: "اختصري، عيب هاظا خالنا". علياء يدب فيها الغضب وتصرخ: "كمّلن أكل يا بنات". أما سلام فتنفجر ضحكًا.

يترك خالي الجميع، ويصبّ غضبه على سلام، يكسر "رفّاعًا" صغيرًا من شجرة الزيتون التي كان يجلس تحتها، وينهال على سلام ضربًا: "الله يلعنك، بتجاوبيني، بتتخوثن عليي؟ والأنكى والأوقح، فاتحات مضافة أكل، وبتقولنليش تفضّل خالي.. خذي..". سلام.. صرخت.. نحن جلسنا بصمت.. ولم نخبِر أبي.. لأنّ أبي دائمًا كان على صواب وهو "يثق بخالي".

سلمى تقول أثناء عودتنا للعمل: "خالي انصعر من الجوع، سم اللي يهريه، ليل نهار يحلم ويفكّر بالأكل..". نضحك جميعًا. يعود خالي ويسأل: "شو بتسوين انتي واياها، على شو بتضحكن". نستمر بالعمل.

نعود إلى المنزل عند الغروب. وأبي ما زال يثق بخالي.

شيئًا فشيئًا، ويومًا بعد يوم، استمررنا بالعمل بنشاطٍ دون أن نكترث لوجود خالي، معتمدات على لسان سلمى السليط، وعلى ثورية علياء.. واصلنا عملنا على هذا النحو، شجاراتٌ لا تنتهي، سلمى تصرخ، خالي يصرخ، فاطمة تختصر، علياء تتمرد، وسلام.. هي اللي بتوكلها..

شيئًا فشيئًا، ويومًا بعد يوم، زادت "بوكسات" البندورة. أبي سعيد. أبي ما زال يثق بخالي. خالي يخبره بأننا كسولات وبحاجة لتربية تعزز فينا النشاط. أبي يقول: "يعطيكن العافية يا أجدع بنات، وشدين حالكن كمان وكمان، علشان نروح رحلة على يافا، بالباص، بعد ما نخلّص بيع البندورة".

أبي ما زال يثق بخالي.

"التّمرد هو الاستجابة لصوت داخلي"، تقول علياء لأخواتي بعد أن قرأت هذه الجملة في مجلة يأتي بها أبي إلى منزلنا مرة كل شهرين.

لم يبق من جنينا للمحصول إلّا القليل، خالي "يتسكع" في أرجاء الحقل "إجر ع إجر"، ونحن "نلطم من العمل". الساعة الواحدة ظهرًا. نحترق من لهيب الشمس. سلمى وفاطمة تحملان إحدى البُكسات، الحر شديد، الشمس تلتهب. في الطريق فاطمة تنزلق، ذنبها الوحيد أنها متعبة، وتسقط أرضًا، حبّات البندورة يتساقطن ويطرن في الهواء.. خالي يركض نحونا، ويصرخ: "الله يلعن الكسل، دلعات، بدكنش تشتغلن". سلمى تحمل "البُكسة"، تلملم ما تبقى من حبات بندورة التي لم تتضرر، فاطمة تنزف، سلمى تقول لها: "اذهبي واجلسي، أنا سأكمل".. هذه المرة، لأوّل مرة، سلمى تصمت، وتختصر، علياء لم تتكلم أيضًا ولم تتمرد، ركضت نحو فاطمة، وسقتها ماءً. خالي يصرخ: "عمى اللي يعميكي دشريها بتقوم من حالها، إلها إجرين وإيدين". لم تتكلم سلمى، لم تتمرد علياء، وسلام لم تضحك.

لم يبق من جنينا للمحصول إلّا القليل، خالي ما زال "إجر عَ إجر" تحت الشجرة. الغروب، إلى المنزل.

لم يرق لسلمى وعلياء ما فعله خالي بفاطمة – كان بالنسبة لهما العمل مع خالي هو إرضاء لأبي حتى لا تخيبا ظنّه فيهما، لحبهما الشديد له. لكن فاطمة؟! لماذا فاطمة؟! ألأنها "الهبلة" التي تختصر دائمًا؟

صوت الديك، الفجر، إلى الحقل، أبي ما زال يثق بخالي.

ساعتان من العمل، نجلس ونرتاح. أنظر إلى سلمى تكلّم خالي بلطف، تقول له: "يا سيد الرجال، تفضل وكل معنا، أحضرت لك خصيصًا زيت زيتون بفليفلة حراقة، مع زعتر".. تستغرب سلام وتندهش، فاطمة مرتاحة لهذا التغيير، أما علياء فتبتسم بخبث.

خالي لم يعد تحت الشجرة "إجر ع إجر".. اختفى هو وتراكتوره فجأة بين الأشجار في الحقل المجاور.. تسأل سلام: "أين خالي؟".. تقول سلمى بخبث: "الله أعلم، درب يسد ما يرد".. يعود خالي. يطفئ تراكتوره. ثم يختفي. وراء "تراكتوره" هذه المرة.

تقول سلمى: "ابتعرفن شو عملنا أنا وعليا؟ احزرن شو؟ حطينالو بالفطور كلشي بخليه يصير عندو إسهال، وهذكوه ملتهي وارتحنا منو أخيرًا، خرجو مستاهل، عجّب فينا امبيرح، موّتنا تعب".. ننفجر جميعًا ضاحكات.

من وراء التراكتور، ينادي خالي: "والله غير أورجيكن". فجأةً أصبح يصرخ كالمجنون، صرخاتٍ لم ندرك معناها. ارتطمت مؤخرته "بأقزوز" التراكتور الذي ما زال "حارًّا". انتقم القدرُ لنا، وها هو يصرخ كالمجنون، كصرخة فاطمة عندما سقطت أرضًا البارحة.

ننفجر جميعًا من الضحك، حتى فاطمة التي اعتادت أن تختصر ضحكت معنا.

ينسى خالي ألمه، يتقدم نحونا، يصرّ على الانتقام.. انطلقت منّا حركة التمرد بقيادة علياء.. لحقنا ليضربنا، مسكنا بـ "بوكسات" البندورة البلاستيكية الفارغة وأخذنا نضربه بها، حتى صرخ: "خلص وحياة أبوكن خلص، بتوب، والله بتوب، بتووووب، خلص".

نتركُ له الحقل بما فيه، ونركض نحو البلد.. نخبر أمي وأبي بأن خالي لم يساعدنا بشيء. أبي ما زال يثق بخالي. يأتي خالي إلى بيتنا ليشكونا لأبي، فتقفز سلمى تقول له: "إذا بتكذّب بحرف وبتخرفش أبوي بالزبط شو عملت من أول الموسم، والله إلّا نخرفو شو صار معك اليوم ومع أقزوز التراكتور". أبي يسأل: "ما قصة الأقزوز؟".. خالي يجيب بامتعاض: "ولا إشي ولا إشي، والله انهن بناتك أجدع بنات، وأنا قصرت بحقهن".

انتصرنا. وذهبنا إلى يافا.

 

* شخصيات وأحداث القصة ليست من المواقع، إنما مجرد محاكاةٍ مجازية له.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018