قصاصة وطن.. / أيمن حسونة*

قصاصة وطن.. / أيمن حسونة*

 

- أيمن حسّونة -

هي كما أي شيء له طعمٌ مختلف، وردٌ مشبعٌ برائحة الربيع، تدثر جيدًا قبل هذا الوقت، ليشرق كأنه حبٌّ طويلٌ لم يشأ أن يكشف عن وجوده.. إلاّ الآن!

في الشوارع ثمة أنوارٌ لا تعرف المارة، وعلى الرصيف صيفٌ يدك صلابة الحجر، تتزعزع خاصرته فينتفض على دوره الرتيب كل يوم، تنقص من يومنا ضحكةٌ ما، فنعوضها بحضن نرمي عليه كلّ ما أخرنا عن هذا اليوم!

من قال إن الطيور لا تعيش قصص حبٍّ أثناء هجراتها؟

و كيف لمدينةٍ في العراق أن تحضن مدينةً تقع جنوبَ لبنان؟

تخضُّ دمي هذه المسافة التي تقطع الطريق بين عاشقين!

ماذا يقول طيرٌ ترك موطنه غرب الأطلسي، و التقى بأخرى خرجت من شرق المتوسط فوق شجرة سروٍ في فلسطين؟

كيف سيتعارفان لولا أنَّ نظراتهما ستشعّان تعبًا وحبًّا؟

لو أني ذاك الطير لأهديتها خلخالًا من بلادي، و أخذت منها وعدًا أن نعود لهذا الغصن بعد عام، سأرى الخلخال يكبر على ساقها، أنا بريشاتي البيض، وهي بريشاتها الملونة!

 سنعد طعامًا محليًّا لي ولها.. ربما من خضرةٍ تستلقي تحتنا، مع بعض هواءٍ مختلف، كأنه بهاراتٌ محلية، سنذكر هذا الطعام في طريقنا الطويل.. إلى الحرية!

....

العالم يضيق بك، حتى صوت العود ألفتَهُ منذ كنت صغيرًا، أنظر إلى الشاشة فيأتي صوت "سيّد مكّاوي" ليغني.."قبّة سيدنا الوالي دول نوّروها..." لم تعد تهتز لرؤية المطر، هو ذاته يعود كل عامٍ بروتينيةٍ مملة، ولو أن السجائر يختلف طعمها من واحدةٍ لأخرى لأقلعتَ عن التدخين..!

سيُمسكُ بك تمساحٌ في نهاية العمر، يخلع نصف جسدك و يتركك عاريًا حتى من عظامك، اللعنة على هكذا نهاية، تتقيأ الأفكار كأنها مشروبٌ رديء، تتقيأه و في فمك مرارةٌ مستمرة، تبصق على الهواء لعلّك تكتشف سرًّا آخر للجاذبية..

أنت لا تكتب شيئًا، و لست شيئًا يذكر، تتلعثم حين تقول لك فتاة.. أحبك! و تلعن الدنيا بما فيها حين تعرف أن الفتاة التي تحبها لا تريدك.. و تحبك فتاة لا تريدها!

خذ موعدًا عاجلًا مع الموت، ستلتقيه عند مزارعٍ فكك سنبلةً واحدةً ليصنع منها رغيفًا، أو عند حدادٍ يصنع قلوبًا معدنيةً لأجل أن يتسلى، و لن تلتقيه عند طبيب أعصابٍ أو محامٍ..

ماذا لو سقطت في بئر؟

لن تكون يوسف العصر الحديث، فكل يومٍ يسقط المئات ويموتون.. تلك أسطورة.. فلا تصدقها، لن يمر بك أحدٌ و يبيعك للملك.. ستموت من كثرة الماء و قلة الناس هناك!

الطيران يبقى أجمل، تطير كغزالٍ بجناحين، لك رنةٌ خفيفةٌ كريشةٍ تنزلق من سماء لأخرى.. و تتدلى على جبين فتاةٍ تشرب قهوتها الصباحية و تفكر بك،

أنت حبّات القهوة المطحونة على مسافة عالمَين ونارٍ هادئة.. وكتابٌ اشتريته.. لم تقرأ منه صفحةً وأهديته بعد يومين لصديقك الذي جاءك آخر الليل ليضع في رأسك ما يشغل رأسه.. يتركك مشغولًا تفكر به.. وهو ينامُ مرتاحًا!

حصانٌ راوغ فارسه، أفلت السرج وركض مختالًا يجد الدرب نحو فرسٍ تنتظر عند انعكاس الماء في عينيها، تركت بيتها واهتدت بنجمةٍ أفلتت من عقاب الغيم لها،

ها أنت، كأنك أستاذ جغرافيا عتيق، تحاول إقناع طلابك بأن الحدود فقط على الخريطة.. يفاجئك طالبٌ منتبهٌ بأن الطريق إلى الله أقصر من الطريق إلى فلسطين!

يرمي شوكةً في حلقك ويبكي، فتبكي أنت كأنك دلو ماءٍ مثقوب!

تدقّ اسمك على طاولةٍ في المقهى، تحك سطحها ليلمع.. تظن أن النادل سينتبه فتخفيها بفنجان القهوة بسرعة، تضع ثمن ما شربت بعشوائيةٍ وتغادر.. محرزًا نصرًا على أعين النادل الشاب وكاميرات المراقبة.. فتمشي فخورًا بذلك!

 

* الأردن - فلسطين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018