كالنجوم يسقطْنَ من السماء... / شيخة حليوى

كالنجوم يسقطْنَ من السماء... / شيخة حليوى

(والأرجوحة ما زالت ترقص رقصة الشيطان)

خيطٌ رفيعٌ من الدم اللزج ينساب على الأرض، سرعان ما جف تاركًا على التراب بقعةً حمراءَ تدلّل على جرحٍ كان، بقعة دمٍ أخرى ما زالت تفترش ثوب "جواهر"، بقعةٌ دائريةٌ كبيرةٌ أسفل بطنها. كانت أمها تناجي ربها ألا يكون المحظور قد حصل...

تغامزت النسوة بمكرٍ نسويٍّ لا يفك رموزه سواهن، واختبأت الفتيات وراء خفر العذرية، تسلّل الفتية بهدوءٍ من موقفٍ لا تعالجه إلا النسوة، أما "الحبّابة حِسِن" فقد اكتفت بهز رأسها... وهل كان لأحدٍ غيرها أن يعرف أيّ شرّ مستطير تخبّأه أرجوحة بدائيّة لعينة؟ كانت حكمتها التي اكتسبتها بحكم سنّها وبحكم مجالستها رجال القرية كافية كي ترى ما لا يراه غيرها.

كان بعض الفتية الذين يقضون جلّ نهارهم في البحث عن تسلية في مخلّفات المستوطنة اليهودية المطلّة عليهم من أعلى الجبل قد ابتكروا أرجوحة قوامها إطار شاحنة عملاق، سحبوه بمهارة وخفّة من كومة خردوات أصبحت حدودا للقرية، تفصلها عن العالم المتحضّر، ثمّ ربطوه بحبال سميكة إلى شجرة البلوط الضخمة.

يجلس خمسة أو ستّة منهم على الأرجوحة ويتولّى اثنان دفعها.

 تبدو السماء قريبة...أقرب من تراب الأرض... أقدامهم التي اعتادت التسلل من كلّ الحدود... لامست حدود السماء، حلّقت بهم الأرجوحة عاليا حتّى أصبحت المستوطنة اليهوديّة تحت أقدامهم، صيحات الفرح والنشوة أعادت إلى الأذهان خرافة الجنّ الذي يسكن شجرة البلوط العجوز.

"هذي الشجرة مسكونة.." جملة كان يردّدها الكبار كي يبعدوا الصغار عن مجالسهم تحت الشجرة.

وقفت "جواهر" ورفيقاتها يرقبن الفتية وهم يحلّقون عاليا في سماء القرية. تهامسْنَ.

-" عمرك ركبت عمرجيحة؟"

-" لا، ولا مرّة... نفسي أتمرجح زيهم هيتج!"

-" أَنِيْ اخاف...واذا وقعْنا؟"

-" نِقَعْ من السِما...مثل النجوم..."

-" أه..."

كانت عيونهنّ تقيسُ المسافة التي تقطعها الأرجوحة بين طرفي السماء، وأيديهن تلملم أطراف أثوابهنّ كلّما ارتفعت الأرجوحة عاليا...

-" وإذا طيّر الهوا فستياني؟!" تساءلت أحداهنّ بفزعٍ.

صيحات الفرحِ كانت تملؤ القرية وتفتنُ شقاوة مكبوتة، كلّ رحلة للأرجوحة بين طرفي السماء كانت تقرّبهن من شجرة الخطيئة.

وقفتها كانت عنيدة كطبعها، لن تبرح المكان حتّى تجرّب الأرجوحة. فطرتها تؤكّد لها أنّ الأرجوحة على حافة العيب ...وهيهات لهذا أنْ يمنعها...ألم تتجرأ على الرقص في عرس خالتها بين الأغراب؟ كان نصيبها من ذاك المساء تجمّعا طارئا لذكور الأسرة، تلاه قرار حاسم بلملمة الأمر وإعادتها فورا إلى مرابض الحمولة.

عند الظهيرة، تفرّق الفتية بين المراعي القريبة والبعيدة يحملون زوّادة الرعاة. والأرجوحة ترقص أمامهنّ رقصة الشيطان. تزاحمن فوقها، لا الغد مضمون ولا الشيطان باقٍ. رحلت الأرجوحة بخفّة بين طرفي السماء، انسابَ نسيم ظهيرة نيسان رطبًا بين أطراف الأثواب المتطايرة، ودغدغَ زغبَ أفخاذهنّ. لم تكنِ السماءُ بهذا الصفاء قطّ، هل هو نيسان؟ أهي سماء القرية، أم ترى تجاوزتها الأرجوحة إلى سماء أخرى؟

همست جواهر في أذن صديقتها:" شفت؟ قلتلك إنو الشجرة مسكونة!.."

سرت رعشة في الجسدين، وهل يكون الجنُّ بهذا اللطف؟

قبل أنْ تنهي الأرجوحة رحلتها بين سماءين،  انقطع الحبل، وتناثرت الفتيات في محيط الشجرة، حطَّ الإطار العملاق في الوادي، وبقي الحبل يرقص رقصة الجنّ...

هرعت النساء، كلٌّ تطمئن على ابنتها، بصفعة هنا وشتيمة هناك، و جواهر وحدها كانت ما تزالُ على الأرض، وقد وقعت بعيدا عن الشجرة، حيث تربّصت بها صخور شرسة. وقفت بصعوبة بالغة، هالها أن ترى الحجارة مصبوغة بدمها.

تفحّصت يديها وقدميها، لا خدش في أيّ منها، ودون أن تدري راحت يدها تتحسّسُ أسفل بطنها وتعود ملطّخة بدمها. لم تشعر بألم، ولكنّ شهقة النسوة حولها كانت سكينا يذبحُ طفولتها!  لم تكن هناك...كان دمها حاضرًا حيث هي تدفنُ نفسها.

الويل لأمّها.

"نشّفتي دمّي الله ينشّف دمّتج!" قالتها أمّها وهي تعنيها أكثر من أيّ مرّة قالتها.

ليت دمها يجفّ. ليته جفَّ وتحجّر على أنْ يسيلَ هكذا.

في الكوخ كشفت عنها أمّها بحضور" الحبّابة حِسِن"، تنفّسْنَ الصعداء، كان الجرح في فخذها، جرحا عميقا، غمرته الحبّابة بالبُن وضغطت عليه فجفَّ دمها. شكرت الله...

" الله سترها معانا" قالت أمّها.

أعلنت الحبّابة ،وهي تتعمّد أن تُسمع النسوة "الحمد لله البنت ما انصابَتْ، جَتْ سليمة".

بعد أيام عادت الأرجوحة تلامس السماء، عند الظهيرة يتفرّق الفتية بين المراعي القريبة يحملون الزوّادة، فتتزاحم النسوة على الأرجوحة، يضحكن ويداعبن جنيّ الشجرة...وجواهر وصديقاتها يقفنَ بعيدا، عيونهنّ تقيس المسافة بين طرفي السماء...وأيديهنّ تزداد التصاقا بأطراف أثوابهنّ..

و"الحبّابة حِسِن" ترقبهن من بعيد، تهزّ رأسها وتُتَمتم لمسبحتها " الله هو الستّار".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018