رؤيا عمّار / إياد برغوثي

رؤيا عمّار / إياد برغوثي

 

(1)

توفيت أم سمير في وقت غير مناسب، كان حفيدها عمّار يخطّط لإحضارها غدًا إلى يافا الجديدة، كي تحتفل معهم بوضع حجر الأساس.

لم تكن الأجواء الاحتفالية التي عصفت في تلك البقعة العامرة في المرج تتلاءم وهذا الخبر. رنّ هاتفه النقّال بينما كان يمشي في شارع غسان كنفاني متجهًا إلى ميدان الحرية ليتأكّد أن الشباب قد أنهوا لصق الصورة على أكبر خيمة في المدينة، والتي سماها د.حسن "قصر السرايا"، وأنهم قد نصبوا عواميد أطول خيمة: برج الساعة. رأى سلمى هناك إلى جانب آخر خيمة في الشارع، تتأمل في صورة البناية البرلينية الملصقة عليها، أدارت وجهها وابتسمت، ردّ الابتسامة تلقائيًا وأسرع بمشيته، رنّ الهاتف، "أبي" كتب على شاشته.

لم يكن أبوه يبكي، بل كان صوته مخنوقًا وجديًا، "تعال بأسرع وقت ممكن".   

 

(2)

يحرق عمّار زعيتر وقت انتظار انتهائهم من الحفر، ليصبّ لهم القهوة التي أحضرها تزويدًا لطاقة صحوتهم. أعجبته المقبرة الجديدة؛ القبور مرتّبة على التلة، الأبعاد متساوية بدّقة والأشكال صندوقية متجانسة.

انتبه عمّار إلى أنه يدوس على برقوقة، فأعاد رجله إلى فجوة ترابية بنية على سجادة آذار، المنسوجة بالأخضر والأحمر والأصفر والبنفسجي، وعاد لينظر إليهم، كأنه باهتمامه بهم عن بعد، سيخرج المزيد من تراب الأرض.

بيوت الحي، الذي يراه من هذه الزاوية لأول مرة، مكعّبة  ومبعثرة، رمادية وبيضاء داكنة. تجتاح رائحة تراب التلال الصغيرة، الآخذة بالكبر، رأسه مع الريح الباردة.

"أسكب القهوة، أرجوك!"

تنساب القهوة السوداء من الإبريق الذهبي، الذي يظهر فجأة عند كل عزاء، وتملأ الفناجين البلاستيكية البيضاء الصغيرة، تسقط دمعة في أحدها فيضعها عمّار جانبًا، "سأشربه أنا". يمسح أعلى خديه بزاوية كفّ يده اليمنى ويوّزع القهوّة عليهم.

"البقية بحياتك"، قالوا، "بحياتكو الباقية"، أجابهم.

 وتأمّل بالحفرة غير العميقة.

ولد في المستشفى الفرنسي، بناية بيضاء ذات سقف قرميدي برتقالي، وتحيط طبقاتها الثلاث قناطر أقواس قوطية وراهبات رماديات وممرضات بيض سمراوات، قفز من رحم أمه ولم تبكه ضربات الطبيب على مؤخّرته، كانت عيناه المفتوحتان تنظران إلى طاقم غرفة الولادة وتحييهم واحدًا واحدة، كأنه يعرفهم، وكان يبتسم، سلّمه الطبيب للممرضة، وخرج ليبشّر أباه المتوتّر:"ولد". مشى ثلاث خطوات وعاد ليوّشوشه "دير بالك عليه، عيون الولد عم تبلع كل شي".

لم يعرف الأطبّاء سبب تدهور صحة عمّار بعد خمسة أشهر من ابتسامته الأولى للعالم، وكانت هزّات رؤوسهم الأفقية تسلّم أمره باستسلام للحظ وللباري. لم تنفعه الأدوية وأخذ يتقلص. كانوا ينظرون في عينيه ويخافون من الغرق فيها، تنقّل ملفه بين أيديهم واستقرّ عند الطبيبة الروسية، "شو بدك أعمل يعني، أنا مش الله، أنا عم بفخص كل شي.." قالت لأبيه الذي زأر في قسم الأطفال "إزا بتضل تصيّخ، بجيبلك البوليس".

حمل ابنه ومشى بخطوات طويلة.

دارت الجدّة أم سمير بقطعة الخبز الصغيرة فوق رأسه وتمتّمت آيات قرآنية وأدعية، قرأت سورة "الفاتحة" ثلاث مرات، وسورة "الناس" ثلاث مرات، وسورة "الفلق" ثلاث مرات..

"استعنت عليك بالله يا عين. أنا عين العاينة، أنا عين الصايبة، أنا باخد طفل من سريره وفدان من نيرو. يا عين ما فيك باس.. ما فيكي لباس، تا حطك يا عين في الزيبق والرصاص وارميك يا عين في بحر غطاس، حتى ما يعدلك لا منجا ولا خلاص، بألف بألف صلاة عليك يا محمد يا بهي النور. أخرجي بعزايم الله القوية.. بجاه عيشة وصفية وإمامات البرية. استعنت عليك بالله يا عين".

تثاءبت وتسلّقت دموعها تجاعيد وجهها. العائلة والجيران في ساحة البيت المعتمة يبكون تحت كرمة العنب بصمت عاجز.

في الليلة ذاتها، ظهرت مريم العذراء لجدّته تلبس الأزرق وحولها هالة نور أبيض.

 "ما تبكي يا جميلة، ما تقلقي، مش راح يموت، عمدّيه بميّة عيني، وراح يعيش، مبارك نسلك بين أهل الأرض، ما تبكي!".

أعدّ والده "الكاكاو" الساخن عند الفجر وأرضعه إياها، مصّ الطفل حلمة الزجاجة البلاستيكية الشفافة بإيقاع سريع وأخذ يركل الهواء برجليه الصغيرتين، التهم القنينة بثوانٍ، ملأ صوت المؤذّن الحيّ "الله أكبر..الله أكبر".

نظر سمير زعيتر، والده، إليه وإذ بهالة زرقاء تحيط بؤبؤي عينيه البنيتين "سبحان الله " صرخ، أشعلت أمه الضوء في غرفتها وقفزت، خطفته من يده وضمته.

"اطلعي على عينيه".

"اسمالله عليك يمّا، الله يحميك" بكت.

نزلت الحاجة أم سمير، بعدما بان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إلى كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس، القريبة من بيتها، دخلت الكنيسة بخطوات مسرعة تسأل عن أبونا رومانوس، حكت له عن ظهور السيدة العذراء وعن الهالة الزرقاء. كان أطول منها بثلاث مرات، على الأقل، وكانت كلماته القليلة، بين الصلوات، تخرج مع صدى، كأنها أتت من مغارة. حدّثته بتلهّف وبكت، وهزّ رأسه.

"وينه الطفل؟".

"يا ويلي عليه، بحضن إمه، نشّفت دموعها المسكينة".

"الرب يشفيه، يوم السبت الجاي، بعد بكرة، بعمده بميّة عين العضرا". 

ينظر عمّار إلى الحفرة غير العميقة، ويتذكّر الوقت، فيهزّ معصمه ليرى إشارات العقارب. لا يعرف عمّار التعامل مع الزمن، لا يجيد تحديد وزنه أو طوله، يقدّر فقط أن زمن السيجارة حوالي سبع دقائق وأن الزمن بين حيفا والناصرة خمس وأربعون دقيقة تقريبًا. السنة أحيانًا دهور وأحيانًا أخرى كرمش العين، ثلاثون سنة كأنها لم تكن وكانت له كل شيء.

تنزل السيارات بحزن "ها هم"، يصرخ عمّار ويرمي السيجارة في فنجان القهوة، ويمشي نحو سلّة نفايات خضراء صغيرة، تثبّتت على رصيف مبلّط بأحجار رمادية مستطيلة، ليرمي فيها الفنجان البلاستيكي الأبيض مع القهوة الملوّثة برماد شعلة سيجارة الوقت المحروق.

دخل التابوت الأخضر طائرًا فوق الرجال، من بوابة المقبرة الجديدة، يتلو الشيخ آيات قرآنية وأدعية يحفظها غيبًا، كفن أبيض يخرج من التابوت الأخضر ويختفي بسرعة، ويفتح الجميع أيديهم ويقرؤون الفاتحة بتحريك شفاه صامت، الكل يتبعثر ليعيد الشباب التراب إلى الحفرة غير العميقة.

 

(3)

حمّام بيت أهله تغيّر، أصبح أكثر عصرية، بعد الترميم المكلف، فماسورة المياه الفضية الجديدة تضخّ الماء بقوّة أكبر، والبلاط البنيّ الفاتح يضفي جوًا حياديًّا، بعد أن غطّى صور الذاكرة المخجلة، التي كان البلاط الأزرق يبثّها له متقطعة كلما اضطر لأن يستحم.

يشعره الماء الساخن بنفسه، يدغدغه ويقرصه، ويشغله في توجيه موجّه حرارة الماء الفضي إلى شكل أكثر رأفة للتوازن بين الأحمر والأزرق، يرشّ بطنه ورجليه ويديه ويغرق رأسه ليغطي شعره الأسود جبينه ويبدأ الحمام.

يرى عمّار صورًا سريعة للمعزّين والمعزيّات، يوّجه الماء إلى رأسه، ليطردهم. كم مخجل أن ترى الناس عاريًا، صور وجوه الناس تتبدّل في بخار الحمّام الكثيف، لقد رأى اليوم كلّ معارف وجيران وأصدقاء وأقارب أسرته. يشعر بالتعب في كل جسده، ويشعر بالجوع، يوم طويل. لقد التقى اليوم بكمية ناس أكبر من المعتاد، تفاجأ أكثر من المعتاد، حزن أكثر من المعتاد، حضن ووقف وسلّم وقبّل وقال "الله يسلّمك" أكثر من المعتاد بكثير. إنها أول زيارة عائلية للموت، والموت تعب شديد للأحياء.

يستحمّ. يتناول عمّار "الليفة الخشنة"، ويرى عبر غيمة البخار قطعة صابون الزيت البنية، المكعّبة والقاسية التي تختلي بنفسها في زاوية الحمّام.

كانت جدّته، تصنع الصابون مثل أبيها، الذي خصّص مساحة كبيرة، من مخزن متجر القماش الذي افتتحه سنة 1932 في سوق الدرهلي في يافا، لصناعة الصابون في أوقات الفراغ، ليكون وحيدًا ويتسلى، لم يكن يؤمن إلا بصابون نابلس " بحسّش حالي نظيف إلا بريحة الزيت". في إضراب سنة 1936، توحّد الجدّ في مصنعه الصغير يستمع إلى المذياع ويبنى أهرامًا من مكعبات الصابون.   

يفرك عمّار جسده بشدّة بصابون جدّته، يلبس رائحة الزيت. حين كان صغيرًا كان يعتقد أن هذا الصابون الضخم لا نهائي،  كما أنه لم يفكّر بأنّ جدّته العجوز ممكن،  أصلاً، ألا تكون أبدية، وأنّ هناك أعيادًا ستكون دون زيارتها، عند الفجر، لقبر جدّه، ولا أعراس دون ال"آويها" والأغاني الشامية التي أضحت هي وحدها تذكر ترتيب أبياتها كلّها، ولا جمعات عائلية من دون صوتها وأسئلتها ودعواتها، في الواحد والعشرين من آذار سنويًا. لم يدرك أنه لن يراها بعد، وأنها ستختفي وستبقى فقط صورة متخيلة قليلة التفاصيل، وصورًا مبعثرة في الألبومات المخبأة في الخزانة وستصبح اسمًا تلحقه "الله يرحمها". لن يراها، لن تكون.

لم يزرها في السنين العشر الأخيرة إلا نادرًا، وكانت تلومه وتعاتبه كلما رأته، كانت تشتمه، وتشتم أباه وتبتزه بالذكريات الأولى، وكان يضحك ويعدها بزيارة قريبة ويرضيها بجملتين ودعاء "الله يخليلنا اياكي". صوّرها بالكاميرا السوداء الرقمية  وعلّق صورتها بين صور الأبناء والأحفاد وأسرهم وجدّه وأبيها وآية "الكرسي" وصورة للمسجد الأقصى وساعة دعائية بلاستيكية وعين زرقاء وكلمة "الله" كبيرة على حائط البيت، الذي تفتّت رطوبة الشتاء عنه، كل سنة، طبقات الدهان الجديدة وألوانها فتظهر الحجارة البنية القديمة. الصورة على الحائط، أما جدته وكل ماضيها وقصصها وأمثالها وأسرارها وتضحياتها وصوتها ففي الحفرة غير العميقة.

 الصابون يرغي والماء الساخن يهدّئه ويستحم، ينظف.  

 

(4)

كان يريد أن يكون في يافا الجديدة، لكن جدّته أم سمير توفيت في الوقت غير المناسب.  انقلبت الأولويات فجأة، فأزاحه الخبر المفاجئ إلى خانة أخرى على محور المكان، أعاده إلى محيطه الأول وكثّف المنظر القريب بأناس كانوا قد اختفوا من أمام عينيه طويلاً. أعلن موت جدته بقاء الآخرين، كلهم تقريبًا.

أعادته محادثة أبيه القصيرة إلى الناصرة، حيث نشأ. وهجّرته من يافا الجديدة حيث أراد أن يحقّق ذاته.

عندما أخبره فادي بأن د. حسن قد اختاره من بين المتقدمين للعمل في المشروع، هبط قلبه وتبعثّر راقصًا في بطنه يزّف النشوة. كان التوقيت مخلّصًا أعاد له الثقة بالحياة والناس، ففي اليوم نفسه كاد أن يتنازل عن النصيحة العقلانية بالحفاظ على عمله ريثما يجد عملاً أفضل منه، لم يعد يستحمل العمل في مكتب الإعلانات الذي عكّرت النميمة والمنافسة الشرسة أجواءه وأطاحت بموظفين إلى إعلانات "مطلوب" في مؤخرة الصحف.

يعود فادي دائمًا، وفي اللحظة المناسبة،"مبروك، هادا مشروع حياتك، بركن عليك ما تفضحني". قال جادًا وبحرارة صادقة.

كان عمّار متشائمًا من نتيجة المقابلة، شعر أن د.حسن باردٌ في معاملته بعض الشيء، ولم يظهر إعجابه بالتصميمات التي عرضها عليه عمّار خلال المقابلة، قال فقط "يعطيك العافية..حلو كتير"، كان هذا الجواب يكفي لعدم فقدان الأمل لكنه لم يشبع رغبة عمّار بسماع مديح أو نقد لأعماله، بأن تؤخذ بجدية.

"ليش بتفكّر إنه انت اللي بطلعلك تصمّم المدينة مش حدا تاني؟" سأله د.حسن.

"بتذكر إنه مرة طلبت منا المعلمة بصف البستان، مِس ماري كان أسمها، إنه نرسم بيت، يومها أنا رسمت كتير بيوت، بيوت حد بعضها وبتشبه بعضها، قدّ بعضها بالزبط، قستها عالمسطرة، إجت المعلمة اللي كانت تساعدها، ناسي اسمها، وصارت تصيّح عليّ عشني رسمت إشي تاني غير المطلوب مني. لما شافت المس ماري الرسمة فتّحوا عينيها زي البرقوق بآذار، وضحكت بصوت عالي..صارت تقول "هادا المطلوب منه، يفكّر لبعيد، بدال ما يبني بيت لعيلة بنى مدينة لشعب" وعلّقتها على الحيط".         

لقد فقد السيطرة على ساعات العمل في الأشهر الأخيرة، توّزعت ساعات النوم القليلة بين الليل والنهار، وانتهكت حرمة نهاية الأسبوع وأصبح السبت يوم عمل عاديًا. عصر نفسه، واستنفد قدرات حاسوبه، لتكون يافا الجديدة أجمل مدينة بالعالم.

فعلاً، من يمشي في الشوارع الترابية لمدينة الخيام، التي نصبوها في قلب مرج ابن عامر،  يرى أجمل صور البنايات المدينية، أكثرها حداثة وجنونًا. خطّط د.حسن المدينة، ليكون شكلها بيضاويًا كالعين ومركزها مدوّرًا كالبؤبؤ، خارج العين امتدادات محاور مستقيمة ومساحات حرةّ ومتوازية، وداخلها مقسّمٌ إلى أربع أحياء كبيرة تلتقي في "ميدان الحرية".

بعد أن حضر الاجتماعات وتابع النقاش وبحث وفكّر وقلّب صفحات، استطاع أن يلخّص التوجه التصميمي بأنه يدمج بين التشابه والتعددية، الحي يشبه نفسه ويذكّر بمدينة أخرى، ولا يشبه حيًا آخر من المدينة نفسها.

أراد أن يكون في حفل وضع حجر الأساس للمدينة العربية الجديدة، أو لفكرتها على الأقل كما يقول د.حسن دائمًا. يريد أن يكون هناك حتى لو لم يظهر في الصور التي ستنشرها الصحف ومواقع الإنترنت، فهو لا يحب الظهور العلني، يصرّ على أن يبقى من وراء الكواليس، يصمّم شكل الأشياء وأذواق الناس. أراد أن يضيع بين سكان المدينة وزوارها، يسترق إعجابهم فيها وحديثهم عنها بعينين صاغيتين.

يرنّ الهاتف الخليوي مرتين معلنًا عن وصول رسالة قصيرة، يخرجه من جيب بنطاله بحركة بطيئة،:"البقية بحياتك"، سلمى.

تدبّ فيه الرعشة كلما ناداها، كلما قرأ اسمها أو سمع أحدًا يحكي عنها أمامه. لم يتحادثا بعد، رغم لقاءاتهما المتكررة، لكن حرارة السلام والابتسام والنشاط الاستخباري المفضوح من نفس المصادر، بالأحرى من نفس المصدر (فادي، طبعًا)، أكّدت الاهتمام وصعّبت المهمة.

مع كل لقاء تحمل أعينهما رسائل أكثر ومعاني أوضح، يتفقان على تأجيل "تلك المحادثة"، كانا غارقين في العمل واتفقت أعينهما على أن يلتقيا على شاطئ الفترة عند ظل برج صدفة منقذة مجهولة الميعاد. خطّط أن يتحدّث معها غدًا، بعد تنهّد تعب النجاح والإنجاز، لكن..

"بحياتك الباقية" يكتب ويرسل.

 

(5)

يستلقي عمّار باسترخاء على سرير والديه، أكثر أسرّة العالم راحة وأوسعها، ويقلّب محطات صحن الفضائيات ليصل إلى الفضائية الإخبارية، والطريق إليها مليئة بالإغراءات والوقفات الفضولية والأخبار العاجلة ، خمسمائة محطة عربية تبثّ الأغاني المصوّرة والأفلام والمسلسلات وبرامج الثرثرة وال"رياليتي" و"التووك شوز"، من دبي والقاهرة ودمشق وبيروت والدوحة والرياض. أراد ألا يخسر المقابلة التي سيجريها د.حسن في بثّ حي ومباشر.

يستمتّع عمّار كل مرة يسمع فيها د.حسن يتحدّث، يحبّ كيف يركّب جمله ويثق بصوته وذكائه. حين تسأل د.حسن عن حدثٍ معين يجيبك باستنتاج وتأويل مختلف عما يحكيه الإعلام، يعطيك إمكانيات جديدة، وعنده ترقيمٌ للمسببات والإمكانيات وترتيب لها وتحليل للتفاعل بينها، يعترف بجديّة المشاكل لكنه يعطي حلولاً ممكنة ويبحث بين التراكمات عن بعض الأمل ويربطه بالإرادة والتخطيط والمثابرة، يصرّ على أن يجد فرصة ليضحكك خلال حديثه ويستهزأ بالأفكار السائدة وغير البريئة.

لكنه عصبي جدًا وعنيد، والعمل معه مهمة شبه مستحيلة، وقد أراد عمّار عدة مرات، خلال التحضير لمشروع يافا الجديدة، أن يستقيل من مهمة التصميم ليتحرّر من الكابوس الذي أسمه د.حسن، فهو يريد كل شيء بسرعة ويتصل كلّ خمس دقائق، حتى صرخ عمّار مرة غاضبًا "خلص تنقّ، لمستني، ضغطتني، مش اتفقنا على جدول زمني، خليني أشتغل على راحتي، فش حاجة تحسسني إني مقصّر، بدك أعمل حيالله شغل بعمل، بهمني شكل   المدينة وجمالها زي ما بهمّك، ومش راح أتأخر!".    

يظهر د. حسن في مربّع الشاشة، ينصت إلى الأسئلة، يفكّر لثوانٍ قليلة ثم يجيب، يعطي للموضوع حقه ويضعه في سياقه، يحكي عن الفكرة وعن الغاية وعن المعنى وعن الخطوة القادمة.

يركّز عمّار في الشاشة، يرفع الصوت ليسمع كل كلمة ويبتسم ويهزّ رأسه كالأبله، يوافق على كل كلمة، يسامح د.حسن على بروده وغروره الأكاديمي، فبعد هذه الجمل المترابطة والذكية والتي لخص فيها ببراعة مشروع المدينة العربية الجديدة، لا يستحق هذا المخطّط إلا التأييد.

 يسامحه عمّار على جوابه قبل بضع ساعات، "ماتت؟ اليوم؟ الله يرحمها. يعني بدك تروح عالجنازة، فهمت عليك. مجبور طبعًا. على كلٍ مندبّر حالنا، إنت أنهيت المهام اللي أخدتها على عاتقك، يعطيك العافية، بتقدر تروح!"، وشدّ يده وضمّ شفتيه بتضامن غير صادق، وذهب بمرافقة الصحفي الشاب، الذي التقط الصور بكاميرا رقمية فضية وسجّل على دفتره الأصفر الصغير تصريحات د.حسن، ليريه خيمة مبنى كلية الفنون على اسم إسماعيل شموط في الحرم الجامعي في الضاحية الغربية ليافا الجديدة، ذهبا إلى هناك مشيًا طبعًا.

 يدخل أبو عمّار، الذي ضاعت ملامح وجهه بين الحزن والجدية، الغرفة "ليش مش قاعد مع الناس برا؟ بعدين وطّي صوت التلفزيون، بتعرف إنه ممنوع نضويه وقت العزا!"، قال، "يلا إسا باجي، دقيقتين بس يخلّص د.حسن حكي"، أجابه عمّار.

يخرج والده أوراقًا نقدية من معطفه، يفتح الباب ويختفي ثم يعود، يغلق طرف عينه اليسرى مفكرًا لثوانٍ قليلة، "شو رايك تروح تنام بدار سيدك الليلة؟ بلاش الدار تبقى فاضية، تخاف يسرقوها"، سأل طالبًا، أو بالأحرى آمرًا،"طيّب، ماشي، بدي بس المفتاح"، أجابه عمّار دون أن يفكّر، "المفتاح معي، اطلع اقعد ساعة زمان مع العالم، بعدين الله يسهّل عليك" يخرج مجددًا ثم يعود "بلاش تتأخر بكرا، لازم تكون عالبكير هون، في ناس جاي تعزينا" .

يلقي الشيخ ذو العمامة البيضاء والثوب الكحلي، خطابه في ساحة بيت العائلة، التي تحوّلت إلى قاعة تتسع للمئات في غضون ساعات، يحكي عن محبة الله وغفرانه بيدين مفتوحتين، وعن مصير المؤمنين في الجنات النعيم، يذكّر الحاضرين بالقدر المحتوم، "والله يهدي من يشاء"، يحكي عن الحاجة أم سمير ويدعو لها بالرحمة، يفتح كل الرجال أيديهم بموازاة صدرهم وباتجاه السماء، ويردّون بعد كل دعاء "آمين"، يغسلون وجوههم بهواء الأدعية بعد القراءة الصامتة لسورة الفاتحة، في اللحظة نفسها تقريبًا.

 

(6)

كانت جدته تحكي كل مرة يذكر أحد فيها الخيل كيف بكت فرس أبيها البيضاء عندما توفي، كيف تسمّرت رافضة أن يقترب منها أحدٌ آخر. يشعر اليوم بأن بيت جده وجدته حصان حزين.

أقلقه الهدوء الذي تستفزه أي حركة فيصدر الصدى مطالبًا عمّار بالتوقف، موّلدًا ذلك الإحساس الغريب بأن هنالك شخصًا ما موجود في البيت من دون علمه، فيتسمّر في مكانه.

يمشي على مهل وينير الباحة الصغيرة، ويخرج المفتاح الأسود الطويل ذا الرأس المدوّر والسن الكبيرة، يحاول فتحه لكنه يأبى أن يلتّف حول نفسه  محرًرا الباب من قفله، يصطدم المفتاح في عوائق، يخرجه عمّار ويعود فيدخله على مهلٍ وبتأنٍ باحثًا عن النقطة فيدوّره مرة واحدة ويفتح الباب برشاقة فيبتسم برضا المنتصر بمعركة حاسمة.   

يرمي عمّار بنفسه على الكنبة الكبيرة الثلاثية المقاعد، يتهاوى من التعب بعد هذا اليوم الطويل والغريب.

يرنّ هاتفه، "فادي" كتب على الشاشة، "إحنا على الطريق، صديقي، آه بعرف وين البيت"، قال فادي مختصرًا الحديث.

لم يكن عمّار يعلم أن سلمى تدخل ضمن كلمة "نحن"، ولم يكن مستعدًا أبدًا للقائها في مثل هذا الظرف، لكنه تسلّح بابتسامته وسكوته وحزن قليل ريثما يقرّر أي وجه عليه أن يكشف أمامها هذه المرة.

تجلس زوجة فادي محتلة مركز الكنبة تحضن بطنها المنتفخ بيدها اليسرى، ووجها أكبر مما كان عليه قبل أشهر قليلة، وفادي إلى جنبها على طرف الكنبة يمدّ جسده نحو عمّار يعزيه بكلمات هادئة عن حتمية الموت "كلنا لها أول على آخر".

ينتشر الهدوء الحرج بينهم ويتوقف انسياب جمل الأحاديث، التي تبدو بداياتها كلها خارج السياق وغير ملائمة.  

تقف سلمى وتمشي نحو الحائط متجهة نحو هدفٍ محدّد، تسأله عن الصورة الصغيرة المتكئة على رفٍ معلق تظهر فيها طفلة في السابعة تلوّح بجدائلها الحرّة وتضحك بذكاء لم يعرف بعد قسوة الحياة، "هاي ستّك؟"، فيهزّ برأسه.

يحكي لهم القصص القليلة التي كانت جدته تحكيها دائمًا، والتي استخرج منها محطات حياتها وأهم أحداثها، هذه الصورة في بيت أبيها الذي بناه في حي "العجمي" بعد أن استقرّ في يافا تاجرًا للقماش الآتي من الشام، تاركًا عائلته الصغيرة في نابلس، ويحكي لهم كيف تزوجت من جدّه عمر زعيتر، ابن صديق والدها منذ أيام الطفولة، والذي استقرّ في حيفا ليعمل في محطة القطار، الذي سافرت عبره إلى شاطئ جديد سرعان ما تركته لتحتمي بين جبال الناصرة من الحوادث العنيفة التي توّقع زوجها الشاب وقوعها قبل الجميع.

يحكي لهم كيف أنها لم تر إخوتها طوال خمسين عامًا، كانوا خمسة، ثلاثة صبيان وبنتين، وكانت أصغرهم، أختها ماتت في بيروت أوائل الثمانينات، واثنان ماتا، واحد في الكويت والآخر في تونس. لم تر أيًا من أولادهم أو بناتهم الموزعين على مدن العالم، في برلين وكوبنهاجن وميشيغن وسانتياغو.

 زارت أخاها محمود في مخيم اليرموك بعدما فتحت بوابة الشام للقاءات الشوق بين الأخوة المفصولين عن بعضهم البعض، كان مريضًا جدًا وعرفها منذ أن سمع صوتها تسأل الجيران في المخيم عن بيته. بعد أسبوع من عودتها إلى الناصرة وصلها خبر وفاته، فبكت لوحدها في هذا الصالون الحزين.

جدّه مات في الستينات، قبل أسبوعين من احتلال باقي فلسطين. قالت إنه هرم، بعد النكبة، بسرعة هائلة لم تستوعبها، لوّن الأبيض شعره بين ليلة وضحاها وسقطت عيناه إلى بئر سحيقة ولم يعد يتحدث إلا عند الحاجة.

يحكي كيف حدّثوه أنها قبل أن تترك روحها جسدها، وبعدما فقدت الصلة المنطقية مع من حولها، كانت تحكي عن أسماء لا يعرفونها وبلهجة مختلفة، كانت تقول لهم إنها تريد برتقالة، كانت تصرخ بهم بعصبية وتشتمهم، مستغربة عجز كل هؤلاء الرجال عن قطف برتقالة واحدة من بيارتهم في "الشيخ موّنس". لم تكن تعطي أي قيمة للتاريخ، فماتت من الحسرة والأعصاب أيضًا.

يبكي عمّار، فيحجز النحيب الهادئ الكلمات في الصدر. تغرورق عيون الجميع.

"آه، هاي ستي" يقول بعد صمت، وينظر في عيني سلمى البنيتين الجميلتين اللتين تختزنان بركان كلام فيعلق فيهما وينسي الوقت، وهي كذلك.

عندما رأى فادي الهالة الزرقاء التي تحيط عينه البنية وتتوّسع فيها، خاف عليه ومنه، شعر بأن التوازن في ذات عمّار اختل هذه اللحظة بالذات، وبأنه قد يفقده. أما سلمى، فقد سبحت في الهالة الزرقاء التي لم ترها من قبل، وغاصت عبرها إلى محيطه الداخلي المتدفق عبر الكلام غير المحكي، إلى عالمٍ يثيرها وتظنّ، في عمقها، وهي تصدق غالبًا، أنها ستظلّ تكتشف فيه الأماكن بقية حياتها.    

يصعد مع سلمى وفادي إلى سطح البيت، "شوفوا هالمنظر!"، ويلوّح بيده إعجابًا بالمشهد كأنه رسمة قد رسمها بنفسه. كان نسيم الهواء، البارد تقريبًا، مناسبًا لتغيير جو النكد الذي أضفاه عمّار.

"منظر عظيم" قال فادي، "بذكرني بالمنظر من فندق سانت جابرييل، كنت أشتغل غاد جرسون، بعد ما خلّصت ثانوية، وكان في زبون أمركاني شعره رمادي ناعم يضل قاعد بالجنينة برا على كرسي خشب أرابسك سوري مصدّف. كان يطّلع عالمنظر ويكتب ويقرا من كتاب بنّي جلدته خميلة، رحت أوديله قنينة ميّ، وقلت أحكي معه أفهم شو قصته وأمرّن انجليزياتي. عمّار بقولك الزلمي كان مسروق، بوش العادي، لخمني لخم وقتها، ما كنش عاجبو إني روم أرثوذكس وبلّش يحكيلي إني بقدّر أتجدد وأتغيّر".

 "صرت أروح أحكي معه، كان بدي أعرف عن شو عم بكتب، سألني: شايف هادا المرج؟ مرج يزعيل؟ عند جبل مجيدو،  هناك بدو ينتهي العالم، راح تتجمّع كل جيوش العالم هناك، ملايين الجنود، وتكون المعركة الأخيرة والضربات المؤلمة، إللي راح يعود فيها المسيح لأرضه وينتصر الخير نهائيًا على الشرّ، هيك مكتوب بهادا الكتاب المقدّس وهادا اللي راح يصير، وهاي مسألة إيمان، إنت بتآمن بإشي؟ سألني، وجوابته إني بآمن بكتير أشياء، وبآمن بالله واحد بحب الناس، وإني بديش هاي الحرب تبعته.. صرت أحس إنه سخيف وأهبل، بس لما كبرت فهمت إنه الموضوع كان أخطر بكتير، أخطر من إيش توقعت..نبوءة عم بتحقق حالها".

"السؤال إذا عنا إحنا مشروع نحققه، مش إذا هنّ عندهن نبوءة بآمنوا فيها. تعبت يا صديقي من الحكي ومن التحليل، زهقت من الفشل، بدي أتجدّد..". 

صمت فادي مزوّدًا صدره بالهواء ومستجمعًا منعطفًا بالحديث.

"إنت جاي بكرا على يافا الجديدة؟" سأله فادي.

"شكله لأ"

"شو لأ عمار؟ انجنيت؟ تعال ساعتين كون موجود هناك، بعدين بترجع عالعزا"

"بقدرش ما أكونش، هاي ستي، في ناس جاي تعزينا"

"مش معقول بعد كل هادا الشغل تنسحب، بحق نفسك قبل كل شي، هاي المدينة انت صممتها، احنا بدنا اياك معنا عمّار. بعدين إنت كنت مصرّ تجيبها معك بكرا، وإذا بتكون هناك هي راح تكون كمان، بشكل أو بآخر ".

"فادي انت أكتر واحد بتعرف قديش أنا بدي أكون، بس بعدني مش مقرّر شو اللي صح أعمله..بعدني مش شايف حل وسط، يا هون يا غاد، أنا بكرا يا معكو يا معهن..الليلة بحسم، إركن عليّ".

"انت شكلك تعبان صديقي، بتخيل مدامتي كمان تعبانة وصارت زهقانة لحالها تحت وبدها نروّح".

"أنا كمان هلكانة.."  قالت سمر.

"يلا" قال فادي "مشينا".

عندما همّ ليغلق البوابة وراءهم قالت له سمر بإصرار "تعال بكرا على يافا الجديدة"، ومشت من دون أن تلتفت إلى الوراء. 

يدخل إلى البيت، ويبحث كالظمآن في الصحراء عن السرير، وينام من دون هزّ.

 

(7)

على صخرة حفر الماء فيها مكانًا يتسع له فقط، على جبلٍ صوّب قمته مائلة نحو السماء، يجلس وحيدًا، تحت شجرة البلوط، بعباءة بيضاء، قلقًا يتأملّ في ما كان وما هو كائن وما هو عتيد أن يكون.

 تمرّ حياته من أمامه كسحابة بطيئة، يراها صورًا صورًا، يقلبّها بانتقائية لا يسيّطر عليها، ويتأمّل المرج الواسع، تتمدّد روحه عليه وتستلقي غير آبهة بمشاعر الذنب، وعيناه تستقلّ عن جسده وترتفع.

يأتي الخروف ذو القرون السبعة مذعورًا ينادي باسمه منذرًا إياه، "لقد أعلنوا الحرب عليك الآن، علموا أنك هنا وجاءوا ليقبضوا عليك، أهرب، فهذا الجبل مخترق، أهرب، احمل جسدك وامش، هيا".

يجرّب أن يقف لكن الصخرة كانت، بعد كل هذا الوقت الطويل، قد أحكمت السيطرة عليه، يضع يديه على طرفي الكرسي الصخري ويشدّ حتى يكاد يمزع جلده عن نفسه، يسقط رأسه إلى الخلف وينظر إلى السماء، التي بدأت الغيوم السوداء تملأ كل فراغاتها الزرقاء.

يسمعهم آتين من أسفل الجبل، ويرى طائراتهم الصقرية تأتي من الشمال والغرب، ودبابتهم تصعد من دون صعوبة على الجبل محطمة كل شجرة تقاومها وتعرقل صعودها، ووحدات خاصة تمشي أسرابًا منظمة لا تعرف إلا إنجاز المهمة.

يجلس هادئًا، يراقبهم كأنه يشاهد فيلمًا. يمدّد يديه على الصخرة ويجلس كالخليفة. أما الخروف ذو السبعة قرون فيهرب من دون أن يلتفت إلى الوراء.

"سلّم سلاحك!" قال الجنرال الأعور والأقرع.

"لست بمسلّح"

"قم من مكانك وارحل!"

"لا أقدر على هذا، لا خيار لدي سوى أن أبقى هنا"

"هذا ليس طلبًا، هذا أمر، ارحل أو ستموت"

"يبدو أني سأموت إذاً، لا أستطيع أن أقوم عن هذه الصخرة حتى تقنيًا"

"يبدو أننا سنعلن عن اغتيالك الذي حصل بسبب أخطاء تقنية"

"لماذا تريدون اغتيالي؟"

"لأنك تريد أن تبني مدينة جديدة على أرضنا. نحن لا نريد هذا، وأنت واع لذلك، ورغم ذلك تتحدى. أنت ذكي بما يكفي لأن تعرف مصير مشاريعك الوطنية.."

"أنت ذكي أيضًا وتعرف التاريخ جيدًا أيها الجنرال، لكنك لم تفهم بعد حركته كما يجب، نحن أول من بنا المدن على هذه الأرض، وجيشكم آخر من دمّرها وخنقها..عليك أن تفهم أنني باقٍ هنا، وما عليك إلا أن تتعلم كيف تتقبل وجودي يا جنرال، أو كيف تقضي عليّ إذا أردت أن تبقى جنرالاً إلى أبد الآبدين!"

"كفاك وقاحة، أطلقوا النار!"

يقفز، يطير أسرع من الرصاص، إلى سماء أعلى. يرتدّ الرصاص المصطدم بكرسي الصخرة الفارغ إلى مطلقيه وتدبّ الغرائز في أجساد المحاربين وتبدأ الضربة الأخيرة.

من عليٍ، رأى الناس تمشي في شوارع يافا الجديدة، تدخل بناياتها وتجلس في مطاعمها ومقاهيها، رأى رؤوسهم تتوّجه إلى السماء التي أسوّدت فيها الشمس واحمرّ فيها القمر، وإلى الأرض التي اختفت خضرتها فجأة وتحوّل لون كل ما بني عليها إلى أبيضٍ مخيف.

يدبّ الرعب بين الناس ويركضون باحثين عن الأعزاء ومكان للاختباء، حانت تلك الساعة، يا لحظّ الأحياء كم هو سيء!

تتقدّم الدبابات وتهجم أسراب الطائرات ومئات آلاف الجنود، تمطر السماء قذائف وتطلّ النار هاربة من شبابيك البيوت المدّمرة. تركض النساء حاملة أطفالهن والحقائب وتبحثن عن أزواجهن العالقين في مكانٍ آخر، فوق الأرض أو تحتها.

يعرج على المدينة، ينزل في جادة "جمال باشا" التي خسرت كل أشجارها.

"كيف أصل بيتها؟ أين الطريق وأنا المصمّم؟!"، يمشي مسرعًا والناس لا ترى شيئًا أمامها سوى الهرب من الواقع الجديد المفاجئ، يمشي من شارع "النزهة" إلى تلة "العرقتنجي" من هناك إلى زقاق ينساب إلى حي "العجمي"..نعم هناك، هكذا حكت له..كانت تسكن قرب البحر الذي يحتل صراخه الآن الشوارع الصغيرة.

البيوت من حوله تستوي بالأرض، ويمشي مرعوبًا إلى عنوان ربما لم يعد موجودًا أصلاً.

عند بوابة حديدية لبيت قرميدي بني ضخم، تؤطّر الأقواس القوطية كل أبوابه وشبابيكه التي رسمت على زجاجها زخرفات تتدفق كنافورة مياه ملوّنة، وجد جدته جميلة كما كانت في الصورة العتيقة، طفلة في السابعة تلوّح بجدائلها الحرّة وتضحك بذكاء لم يعرف بعد قسوة الحياة.

يركض نحو جدته وإذ بسلمى تغلق الباب الخشبي الكبير وتركض خائفة ومنادية عليها "جميلة..انتظريني"، تحملها وتحضنها وتغلق البوابة الحديدية وتهمّ مسرعة.

تلتقي أعينهما ويركضان نحو بعضهما البعض، يعلو بكاء جدته كلما سمعت صوت قصف للمدينة، يتحول ثلاثتهم إلى جسد واحد. صوت أحذية الجنود تحيطهم بالبنادق المتقاربة.

"أخل سبيلهم، لا تحتم بهم" صرخ الجنرال الأعور والأقرع.

"أنتم تغلقون السبيل على ثلاثتنا، وعلى كل المدينة"، تنظر إليه جدته بعيون ترجوه بالحياة..

صوت عشرات البنادق التي هيأت الرصاص باللحظة نفسها، يحضنهم.. يشدّ عليهم، ينظر إلى السماء وإلى عيونها.

"عمّار..عمّار" كان صوت أمه ينادي من وراء الرؤيا.

أمسك بمعصم امه وابتسم لها من مشارف اليقظة، جلس على السرير لينشر الوعي في جسده، مشى في ساحة بيت جدّه وجدته يجرّ رجليه بتقاعس المرتاحين، غمر وجهه ببحيرة الماء الصغيرة في باطن كفيه المتلاصقين وحرّر عينيه من بقايا النعاس. قطف من الحاكورة خصلتي نعناع وشمهما فبعثتا الروح في ميادين ذاته.

قبل أن يترك البيت القديم، الذي اكتظّ بالجيران المعزّين، ارتشف قطرة من القهوة السادة وأبقى الفنجان معه، خرج من البوابة دون أن يودع أحدًا.

ذهب إلى يافا الجديدة، حيث يريد أن يكون، نادى عليه أباه مرتين، فتجاهله وأكمل.



* من المجموعة القصصية "قصص بين البيوت."

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018