ياسينو / رأفت آمنة جمال

ياسينو / رأفت آمنة جمال

- الفنّان السّوريّ الرّاحل، ياسن بقّوش -

اليوم أغلق فندق صحّ النّوم بابه. لم يعدْ هناك أحد.. تبدّلت الأدوار إلّا أنّ الحالة واحدة: كلّهم يطمعون بـ فطّوم حيص بيص، كلّ واحد "يفركش" الحبّ على طريقته، ويحتكر القتل بعد أن كانوا يحتكرون الحلم. لم يعد "قبقاب غوّار" إيقاعًا للمشاهد كلّها، القبقاب الّذي كلّما سمعناه في الحارة استعددنا للمصائب الّتي كانت تضحكنا جميعًا. صار صوت القذائف إيقاع المشهد في حارة "كلّ مين إيده إلو". أمّا "شبريّة أبو عنتر" فثمّة من استبدلها بصاروخٍ، لم يتعرّف إليه أنف بدري بيك نفسه، في ظلّ الموت القادم من كلّ الجهات تحت رايةٍ واحدةٍ: الوطن.

مات ياسينو..!                                                                                            

كذبة.

قُتِلَ ياسينو.. هي الحقيقة! في بلدٍ لم يعد ثمّة ما هو حقيقيٌّ فيه سوى الموت. ليس مقلبًا جديدًا من مقالب غوّار.. إنّها الحقيقة. قُتِلَ ياسينو السّوريّين، ليس بـ "شبريّة أبو عنتر" ولا بصفعةٍ من بدري بيك، بل بقذيفة آر بي جي حقيقيّة. قذيفة اغتال مطلقوها رمز الضّحك والحزن السّوريّ والعربيّ، الّذي كانه ياسين بقّوش، من خلال شخصيّة صنعها نهاد قلعي الّذي لامس الحالة باكرًا حين كان منشغلًا بمعادلته: "إذا أردت أن تعرف ماذا في إيطاليا، فعليك أن تعرف ماذا في البرازيل"، بينما يحاول الآخرون إقناعنا بأنّ "سوريّة ليست مصر، ومصر ليست تونس...".

لا تهمّني الجهة الّتي اغتالتْ ياسينو. ولأوّل مرّة لا أفتّش عن هويّة قاتلٍ "مجهول" نعرفه جميعنا، ذلك لأنّ القتلة كلّهم متشابهون في سوريّة. مهما اختلفت هتافاتهم و"تكبيراتهم"، بعضهم باسم الوطن، وبعضهم الآخر باسم الوطن أيضًا.. إلّا أنّ الشّهداء وحدهم يحفظون خارطة الوطن عن ظهر قلب، لذا تجدهم يمضون سريعًا في زقاق الشّام وزواريبها.. قوافل تنثر ياسمين الشّام والنّارنج حبًّا.                                                        

في ساحة الجريمة، يغدو الاستنكار جريمةً إضافيّةً والشّجب بذاءة قاتلٍ وقح، والبحث عن وجوه القتلة مضيعةً للحقيقة، فالّذين سرقوا الحلم والثّورة والوطن، جميعهم القتلة. الّذين لا يفرّقون بين سيّارة مدنيّة يركبها بقّوش أو سيّارة عسكريّة يركبها جنود ينفصمون بين سوريّتهم وسوريّتهم! أو سيّارة صغيرة يركبها طفلٌ سوريٌّ ويصيح بعنفوان الرّجولة المشتهاة: "بيــب .. بيــب"، قبل أن تسقط بالقرب منه قذيفةٌ ابتسم لها قبل ثوانٍ من التّشظّي، حين ظنّها طائرة ورقيّة، هم القتلة.

استشهدَ ياسينو.

أكاد أنفجر ضاحكًا وأنا أتخيّله يواجه الموت بضحكته السّاذجة تلك، معدّلًا من طاقيّته الجميلة قبل أن يباغته الصّاروخ، كما كانت تباغته "سحسوحة أبو عنتر" على رقبته ليغيب الضّحك خلف ضبابيّة الحزن والشّعور بالمهانة، فنضحك جميعنا بدلًا منه، دون أن نفكّر برمزيّة تلك الضّحكة والصّفعة، والّتي أدركنا أبعادها متأخّرين، قبل أن نترحّم على عبقريّةٍ بتنا كلّنا اليوم ندرك منبعها.

إلّا أنّنا نبكي جميعنا الآن، فيما يواصل هو ضحكه بالسّذاجة عينها، ليس سخريةً من الموت الّذي لا يليق ببراءته أصلًا، أو بحلمه البسيط، بل فرحًا لمرافقته أطفال سوريّة الّذين كبروا بطلقةٍ واحدةٍ كانت كفيلةً بتحويلهم إلى شهداء، دون أن يستوعبوا شيئًا من رمزيّة القصّة.

يبتسم في وجه الموت فداءً لحريّةٍ منشودةٍ وهو يطالع وجه فطّوم الصّامدة رغم الجراح، ويتمتم بذلك الصّوت الاستثنائيّ: "أمرك معلّمتي".. ثم يدفع ضريبة الحبّ استشهادًا. لذا أجدني مصرًّا على مناداته بـ ياسينو، أكبر أطفال سوريّا الّذين اختطفوا باكرًا.. وأبكي، بعد أن أستحضر مشاهد كثيرةً من ذاكرة الأسود والأبيض، مشاهد أحفظها عن ظهر قلب، سبق وأن استعدتها حين كان "الرّفاق" يغيبون واحدًا تلو الآخر، بعضهم إلى حتفهم في "دنيا الحقّ"، وبعضهم الآخر إلى حتفه في هاوية المواقف السّاقطة.

غاب ياسينو، فيما كان الجميع ينقلون الصّورة إلينا، منقسمين على عنوان المشهد فيما بينهم، وعلى تعريفات الموت الكثيرة، محاولةً منهم جميعًا نقلَ الحقيقة إلينا، كلٌّ من وجهة نظره المثقوبة.                                                                     

نعم، إنّهم يحاولون – دومًا - نقل الحقيقة، كاملةً أو مبتورة الصّورة . لكنّي أتساءل: كيف لمصوّرٍ أنْ يضبط عدسة الكاميرا جيّدًا على شفاهٍ مفتوحة للصّراخ؟ ترى هل كان صوت "الفلاش" أعلى حين استقرّت الصّورة بين انفراج الشّفتيْنِ قبل أن يُجَمِّلَ الـ "فوتوشوب" شكل الموت وألوان الوجع؟

كم أشعر بالكراهية تجاه من تقاسموا جسد ياسينو لنرضى بفضلات الحقيقة، وسط تكبيراتٍ كانت الثّورة أوّل الكافرين بها.. تمامًا كَكُرهي لمراسلين نقلوا إلينا الخبر عن طفل.. لم ينقلوه بعد إلى ثلّاجة الموتى.. في بلدٍ لم تَعُدْ تستوعب معنى الموت..  

عن صهوة الحلم بـ "صحّ النّوم" السّوريّ، ترجّل ياسينو، يلحق بقوافل الشّهداء السّوريّين العصيّين على الانقسام في موتهم كما انقسم مشيّعوهم، وبرفاق دربه الّذين ترجّلوا عن صهوة الأمل.. قبل أن تفجعهم الخيبة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018