في ذكرى رحيل أمير القدس ... فيصل الحسيني/ يونس العموري

في ذكرى رحيل أمير القدس ... فيصل الحسيني/ يونس العموري

مرة أخرى نحاول أن نمارس فعل الاعتذار لمن رحلوا... إذ أن هذا الاعتذار نمارسه كجزء من ثقافة العويل والبكاء على أطلال من غادروا دون استئذان... فعذراً للفيصل على استعمال فعل الماضي بحضرة ذكرى رحيله وعذراً لأن فعل (كان) سيكون سيد الموقف، حينما يكون الحديث والكلام عن ذاك الزمن الذي شكل فيها الفيصل سيداً للقدس... حينما فرضت القدس ذاتها فرضا على الكل الوطني والإقليمي والدولي.

حاولنا أن نجتهد وأن نعوض القدس عن خسارتها، وكنا أن قلنا كل الكلام وسطرنا أروع المرثيات برحيله، ووقفنا أمام ضريحه معاهدين إياه أن نستمر على دربه، لا شك أننا اختلفنا معه، وقد نقول إنه كانت لنا رؤية أخرى، وتناطحنا بمواقف هنا وهناك وقلنا ما قلنا بحق الرجل آنذاك حينما رحل بصمت وهدوء، وتعاهدنا بأن نحمي البيت وحفظ وصاياه، وحاولنا أن نخترق جدران الصمت الذي ساد، ومارسنا ضجيجنا وصراخنا، فكان الصراخ بصحاري تيهنا، صراخا مكتومًا مرتداً نحو حناجرنا، وما هي إلا لحظات حتى اكتشفنا أننا أمام التيه ذاته، وأننا ندور في الحلقات المفرغة، حيث بدأ فعل الانهيار لكل البنى التي كانت، لا لأن الفيصل كان خارقًا ولا لكوننا عجزة، ولا لأننا نمارس فعل الفشل والاعتذار فقط، وليس ذلك ما يدلل علينا ونحن من صنعنا وإياه فعل الإنجاز تلو الإنجاز، بل أن القدس قد صنعت إنجازاتها وكانت العصية على فعل الغزاة، بل لأنه علم وعرف ما تريد القدس وما هو السبيل للعبور نحو القدس، وما هي متطلبات القدس بكل الظروف، فكك معادلة القدس وأرجعها إلى أرقامها البسيطة، وكانت بالفعل بسيطة بقليل من الحب، وبشيء من الصمود، وبممارسة فعل الصراخ هنا وهناك، وعدم الإستكانة لما يقولون، وببلسمة الجراح ومحاولة بناء ما تهدم، والحفاظ على ما هو قائم ورسم معادلة التحالفات على الأرض، وكيف من الممكن ممارسة أقسى درجات الضبط بلحظات معينة، وممارسة اقسى درجات الإنفلات من عقال العقلنة وممارسة الجنون بظروف أخرى، ومتى تكون القدس بحالة الزهو وتنتظر رجالها القادمين بفرح اللحظة، ومتى تكون حزينة منتظرة لبواكيها.

كان يعلم نبضها ويعرف إحساسها الأتي من تفاعلات بشرها وحجرها، ويعلم لغة عشاقها ومجانينها، ويفهم زقزقة عصافيرها ويتمتم صلواتها بخشوع الحمام، كان الفيصل يعي متى يعبر أزقة وشوارع القدس ويعلم متى ترغب القدس أن تتوارى عنه غضبا فكان طائعا لرغبتها، يتحدث عنها وكأنه يتحدث عن عروسه الآتية من شرق الشرق لتسافر وإياه نحو غرب الجنون، كان يحلم بقدس خالية من حقدهم ومن خفافيش ليلهم، ولم يكتف بحلمه بل مارس شيئًا من وقائع الواقع، محاولا أن يصنع ممالك وجزر مقدسية لا تنطق إلا لغة رصينة كنعانية، ويمارس سكانها غناء وتواشيحًا مهللة لعبور مواكب الزائرين، كان يقول دوما نحن أبناؤها وسادتها وفقراؤها ونساؤها وأطفالها، إن أغضبتنا نسكنها أكثر ونعيش بثناياها أكثر، وإن أفرحتنا نزهو بأزقتها ونمارس شطحاتنا على أعتاب ساحاتها، كان يعلمنا كيف من الممكن أن يصير حبها ممكن وسط تعقيدات الحب ذاته، وكيف نصبر على متطلباتنا في ظل العيش في كنفها، وكيف نعبر كل الأنفاق المظلمة التي تزداد حلكة وسواداً في ظل مسيرة الألف ميل، كنا نتعلم كل يوم دروسًا منه بكيفية الإستزادة بعوامل صمود عشقها فينا رغم الكرب.

الفيصل لم يكن خارقًا بل إنسانًا عاديًا، ولم يكن فوقيًا يمارس فعل الأمر والأوامر، كان يعلم متى يتمظهر بفعل الإختراق ويمارس معانيه، بمعنى كان يعي ممارسة فعل اختراق الجدران العالية لفعل القدس، وكيف يُسمع صوت القدس وأهات القدس لمن لا يريد أن يسمع أو لمن كان يتجاهل السماع، فرض حقيقة القدس وفرض صوت القدس وحضور القدس على طاولة ما يسمى بالمفاوضات وبعقر بيت الغزاة مارس عشق القدس، وعند الأصدقاء عاتب نيابة عن القدس .. وابتدع كل الأساليب والأعاجيب بعشقها ومنحهم فرصة ليمارسوا قليلا من حبها، فقال ها هي أمامكم تنتظر فعلكم لا صلواتكم فقط، وتنتظر حرثكم وزرعكم، وحينها فالقدس ستمطر رذاذاً من السماء وستنبت زرعًا وقمحًا ذهبيًا وزيت الزيتون سيعرف غارس شجيراته حينما تشترون أزمانا في القدس.

كان الفيصل يحدد منطلقاته جيدا، ويحضر واجباته وكمن يذهب إلى مدرسته ليتعلم كان يأتي إلى بيت الشرق يمارس العلم والتعلم في شأن القدس، يعرف متى يكون التلميذ النجيب ومتى يتحول إلى المعلم البارع الذي يلتقط اللحظة أمام طلابه، كان يمارس فعل الفعل حينما يكون من الضروري تعليم الآخرين درسًا بحب القدس، ويمارس كلامًا صريحًا واضحًا حينما يكون للكلام منصة وعرشًا لابد من تتويجه على رؤوس الأشهاد.

عرف الفيصل معنى أن يكون مقدسيًا بامتياز فسكنها وسكنته، والسكن هنا له علاقه بفعل الدلالة والتعرف على شجونها وهمومها، وبواطن جمالها ومكامن أعدائها، وكيف يخططون لسلبها قدسيتها ورمزيتها، فراح يجوب كل أصقاع المعمورة محذراً من نهب القدس مناشداً كل مدائن العالم ويحكي لهم حكايا زواياهم في القدس، فلكل الشعوب حصة بالقدس ولكل المدائن زوايا ومكائن بالقدس، محذراً من تشويهها ومن تغيير معالم وجهها. عرف كيف يخاطب العجم بلغة يفهموها وعلم كيف يخاطب العرب بلغة كانوا قد نسوها، حكى كل الحكايات لهم وزمجر أيضًا بوجه أعدائها فعلا بليغًا على أرضها، فكان الشاهد والشهيد في الآن معًا.

اليوم ونحن في ظل ذكراه لا نملك من حقيقة أشيائنا إلا قول القول ذاته، ولا نملك من قدسنا إلا محاولة الإبقاء على قدسيتها إن كان ذلك ممكنا، وهنا أجدني استرجع كلامه بهذا الشأن وأقول كما قال يومًا: نعدكم صموداً ونعدكم نضالا ونعدكم... ولكن إذا ما بقيتم هكذا لا نعدكم نصراً!".