لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟/ ميساء منصور

 لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟/ ميساء منصور

منذ أيام يعود لي تساؤل غسّان كنفاني في ختام روايته رجال في الشمس، لماذا لم يطرق اللاجئون الثلاثة آنذاك جدران الخزان فينقذوا أنفسهم وينجوا بأجسادهم، فينتقلوا بذلك إلى أرض النفط، إلى الكويت.

في ذلك الزمن، زمن غسّان الجميل حقًا مقارنةً مع زماننا هذا، كان انتقال الفلسطينيين للعيش في الدول العربيّة أمرًا ممكنًا بعض الشيء، الكثير منّا ترك البلاد وغادر، الكويت، السعودية، لبنان، الأردن، الإمارات وسوريا... كلّ هذه البلدان فتحت حدودها لتستقبل الفلسطينيين الهاربين من الحرب في بلادهم، من الاحتلال الّذي سيزول بعد أن يتفق الفلسطينيون في الخارج على خطّة بديلة محكمة يعدون على إثرها إلى بلادهم، هكذا كان يقال في ذلك الوقت، مرّ زمنٌ طويلٌ على هذه المقولة... ولم يعودوا.

***

اليوم في زمن الموت، الموت الّذي لا ينتهي، لا يرحم، أيضًا، لم يطرق اللاجئون جدران الخزان، أقصد الشاحنة.

اقرأ أيضًا | يوميّات: خرجتُ من هنا! / ميساء منصور

صدمني العنوان حين كنت أطالع أخبار الصباح "العثور على 50 جثة مختنقة داخل شاحنة على الحدود النمساويّة"، الشعب الوحيد المستعد للموت بهذه الطريقة بعد أن مات بكل الطرق وكلّ الأساليب هو الشعب السوري.

الغريب في الأمر، أن خمسين لاجئًا كانوا في الشاحنة: شباب، شيوخ، نساء، البعض     منهم مرهق، وآخر مريض، رجلٌ غزا الشيب شعره ولم يبلغ الثلاثين، طفلٌ بملامح رجل من فرط ما مرّ عليه من عذابٍ وذلّ، امرأة تجلسُ في ركنٍ قصيّ تطعم ابنتها ذات الأشهر، كلّهم هاربون من الموت في بلادهم، من الموت غرقًا أو قنصًا أو شنقًا أو حتى من الموت برصاصةٍ طائشة.

السؤال الّذي راودني مذ ذاك، لماذا لم يطرقوا الجدران؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018