دبيب في رحم الشوارع: إلى مهند حلبي/ المتوكل طه

دبيب في رحم الشوارع: إلى مهند حلبي/ المتوكل طه

ثمة دبيب في رَحْم الشوارع، وثمة نبض يخفق في الجدران، وثمة انفجار قادم في كل مكان، بدأ من القدس، لكن صداه سيكون في المرايا القريبة والبعيدة!

***

شهيد جديد، يتبعه شهيد آخر، كأن "الهامة" لم ترتوِ! وأن دمنا المزّ يرنّق بلعوم الغولة، التي تمتلئ يداها بدم الشبان وتتلمّظ به وتحكّه بين كفّيها، بلزوجته القانية المخيفة، فلا يتخثّر... ولن يتخثّر حتى تغص القاتلة بدمنا الحرام وتموت.

لا بدّ من موت الغولة المُعربدة الهائشة الطائشة المستوطنة الغريبة الهجينة الفاشيّة العنصريّة الموهومة... التي تصلح للهزيمة والانكسار والاندحار...

***

وللشهيد البرقُ المختزن في الغيوم، وورد الشرفات، ودالية الأقواس، وعرائش الليمون، وزفّة الليل المشتعل بالحجارة والغضب... والدموع...

دمه غيمة المشوار، وجديلة النبعة، وما تكثّف في الجرّة من عسلِ مُرّ. هو عِرْق الثوب ومُقرنصات القلعة، ولهب الحاجز بلا وجل، وقفزة الرّاقص فوق اللهب لصبايا الثوب، وحنّاء ليلة السرّ، وبخار الجُرح، وهو الحجر البارد والصورة الأكمل عندما تنكسر الرؤى، وهو همس الآباء وغفـْلة الأم العميقة الحانية. ودمه الرصاصة التي نصدّ بها لحظة الانهيار التي تتجلى في اللغة النهائية الكافرة أو المؤمنة، وفي تقمص الذابح وفي النكوص، وفي صعود الفقاعة، وصمت السفينة، وفي الاستهلاك والشكلانيّة، وفي اللجوء إلى العدم أو القاتل، وفي تمزيق الذات والارتداد لإهانة الرموز، وفي طعن الصديق، وفي الخوف من الوضوح أو التذكير بالجذر، وفي الهلوسة التي أريد أن أرتُقَها بالذهب حتى تكون تجريبًا مُحتَملًا لا أُباهي به، ولكن ليحمل معي الوجع إلى الناس. وروحه جرسُ ما لم تقله أنت، وما لم تخشَ من وقوعه، وما لم تخف من حدوثه! أو كحل المتفجّر وأحزمته الشهيدة، أو كلمة القلب وجروحه المجيدة، وهو هنا وهناك، وفي كل مكان...

 

***

 وهي المعركة السرمدية بين أنبياء القدس ومصاصي الدماء، وبين الزيتون والنار، على أرض فلسطين! بين ثقافة الكرامة والأنفة والحياة والخلاص والحلم والانتفاضات العبقرية الفلسطينية، وبين ثقافة الاحتلال المتمثلة بالهدم والحرق والقتل والتخريب والجهل والضيق والموت والحصار، وتطوير كل أشكال القمع عبر التاريخ، وإعادة إنتاجها بساديّة على كلّ ما هو فلسطيني!

***

يحمل الشهيد فسيلة خضراء لها صورة السكين، فيواجهه القتلة بالرصاص والهراوات والفزع، والتّعدي على الشيوخ والنساء، وبالرصاص المجنون والغاز المسيل للعار. لكن لسان حاله يقول: يكفي أن أزقة القدس تغتسل بدمي! أنا الهنديّ الأحمر، راكب الريح، وصديق الشجر، أنا شقيق الموج وأقواس قزح، ذَهَبُ البراري أنا، ومعلّقة الإيقاع وغفوة النار، وعصا الخرافة وغزال التعويذة وجموح القطيع الطائر. أنا الرامي جدائله بعد سلخ فروة رأسه، والطاعن في السهوب حين رمَتْه السهامُ المسمومة. موتي ذريعة المحتل الأخلاقية المفضوحة، ومرافعته المُخزية، وحضارته الزائفة، وأنا الشاهد على تخاذل العالم المنافق الكذّاب، الذي يفعل عكس ما يقول، بل يمدّ القاتلَ بأسلحته... ويتفرّج على حليب الرّضّع الأحمر الشاخب على الحيطان.

 أنا الأوّل، هنا، والخالد في المثَلَ الباكي وفي بذور المكان. وأنا بصمة الجَمْر، وأغنيتي الصعبة مكابرة وإصرار. أنا الهندي الأحمر الجديد الذي سيبدّل نهاية الحكاية، ويبقى في عناد الحياة وقوّتها الباقية.

***

لقد أدرك الشهيد أن البلاد لا تعود بالكلام واللقاءات والمساومات، وأن الأقصى سيضيع إذا لم تخرج الأرواح لتحصينه من الدّاهمين النجس، وأن غُنّة الحجل تكاد أن تنقرض، فالأسلاك تشوّش شبوب الميجنا وغرغرة النرجس وانخطاف الحَبّة المأنوسة، بل صار الطير خائفًا في ملكوته، وسُلطانة قوس قزح دون عشّ في سماء تتقادح بالأباتشي والجنود. والوارف الخرنوبي في صهد القتاد، يريدونه خائرًا دون معازفه، لكن خوابيه المعتّقة فوحان أبيض، والموسم على الأبواب، رغم السفوّد والكيّ والصيحات.

 ومضى الشهيد إلى الأرض لأن روحه تردد معها: إذا شككتَ في النبوءة، فاخرج إلى السّحر العميق، إلى قدس الله وفضاء الله المفتوح على الذَرى والجبال والوديان، سترى الشجر على شكل طواويس وحيوانات أليفة وأطفال لهم وجوه الجلّنار، وعيون النرجس، وشفاه النوّار، ورمش الزفير الغامق، وأنف البلح، وشَعر أعشاش الملائكة الصغار، وسترى الفراشات نجوم تنبض بوهجها كالأزرار الثلجية، وستلاقي على الطاولات الحجرية الجراء والشنّار تُصَلّي مفتوحةَ الأجفان دون توقفٍ أو ملل! وستجد الوفيّ على أبواب السفح يستعدّ لمعركته الفاصلة ليمنع الضواري من الانقضاض ببراثنها العفنة على العبورة الغضّة، عندها ستجد الفرس بكامل زينتها وسرجها الوضّاء، تحملك إلى هناك، حيث يُطلّ النبيّ بكلمات النخل والماء. هذا الذي استعصى على مربعات الاحتواء، وعلى الحذف والإلغاء والإضافة، انفجرت لعبته بين يديه. لقد ضاق به القاتل ذرعاً، وكان يريده بحجم جُرْمه القصير الضئيل، لكنه طائر من أرض العماليق يئزّ على المنارات، فيشعلها بوعوده الأكيدة، إنه الآن حُرّ مثل مُلصقه الذي يحرس المدينةَ والناسُ نيام. وأصبح دمه الذي أسس لمرحلة جديدة وردة جوريّة بيضاء انفتقت عن البرق، وحضرت بكامل تيجانها الذهبية، وتقف ذابلةً، بعد أن قطفوها عن أُمها الشجرة، وتكاد دموعها العطرية تنساب، لكنها ستجفّ، على رغم الماء الطافح في المزهريّة... إذا لم يصلنا درسه البليغ. لكنه كان مطهمًا بالعذاب، وممتلئًا بالحسرات والفجائع، وظنّي أنه العاقل الذي فاض بالجنون، وبما لا يُعقل، ولا قِبَلَ له بهذه الهلوسات السلميّة، فاطرحها جانبًا، ومضى إلى عين الشمس.

 ***

أُحبُ وجَهك، والشررُ يرتعشُ عليه كالفراشات المتوهجة! وأُحبُ عينيك، وثوبك المُدبّغ بالكرز! لكني في عالم فَقَدَ رشدَه، ولا يمنحني جنّةً أحياها معك... لأن الجنّة ليست مأدبةً عظيمةً فوق الغيوم، أو مشوارًا في الليل المائي، إنها الحياة بلا احتلالٍ وجنازات وجنود.

***

 أحلم أنْ ينشقّ المشهُد فأرى "مهند" قد عاد مع كتبه إلى الجامعة، وأهتف من قحف رأسي: انتصرنا! وأحلم، وتكون القدس بألف خير.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018