"أنا خوفي ع ولادي من غدرِ الأيام"/ ميساء منصور

"أنا خوفي ع ولادي من غدرِ الأيام"/ ميساء منصور

الساعة 19:56 بتوقيت عكّا، أستقلّ القطار المباشر لبئر السبع، يمرّ القطار من معظم البلاد المحتلّة من عكّا إلى الجنوب، الجنود الإسرائيليون ينتشرون في القاطرات، مهما هربتُ من وجوههم أظلّ أصطدم بهم.

أجدُ شابًا ملامحهُ عربيّة، أختار المكان الأقرب إليه وأجلس، أفتح حاسوبي لأتابع الأخبار بعد انقطاعٍ ليومين.

الأخبار المتتالية لا أكاد أحصيها، لا أعرف من أين أبدأ وكيف أنتهي، وأيّ الشُهداء بين القائمة الطويلة هو الأخير حسب القائمة وأيّ البلدان الفلسطينيّة –الفلسطينيّة بمناطقها الثلاث- هي البلدُ الّتي احتضنت دمه.

***

السّاعة الثانية عشرة بتوقيت رام الله، أعبر حاجز قلنديا خارجة من رام الله داخلة إلى الأرض المحرّمة.

طفلٌ لا يتجاوز العشرة أعوام يقف مثله مثل الكثير من أبناء شعبنا على الحاجز، يحمل في يديه أغراضًا لا أعرف ما هي، الّذي أعرفهُ أنّه يبيعها ليكسبَ قوت يومه، أو ليعيل عائلةً ربما ما بقي لهم غيره.

ينظر إلى السيارات الداخلة إلى الأراضي المحرّمة نظرة ريبة، ألحظ أن كلّ السيارات تحمل الإشارة الصفراء على لوحة الأرقام – أيّ أنها اسرائيليّة- أنظر إلى التاكسي الّذي أجلس فيه بريبة وأتذكر أني أحمل هويةً اسرائيليّة مُذ وُلدت.. لمَ أُلقي اللّوم على الآخرين وهويتي الزرقاء في حوزتي أرفعها على كلّ حاجز كي يسمحوا لي بالتنقل بين أجزاء الوطن؟

يعود نظري إلى الطفل تلقائيًا، أجده يقترب من المركبة رويدًا رويدًا، يتقدم من سائق التاكسي ويقول له:

-عمو الله يخليلك ولادك اشتري مني.

يرفض السائق شراء أغراضٍ هو بطبيعة الحال لا يحتاجها، مع إلحاح الطفل بأن يشتري قال له السائق بلهجة حانية:

-خذ خمسة شيكل، بس بدّيش اشتري.

امتقع لون الطفل، وتحولت الابتسامة الودودة إلى غضبٍ جليّ، صرخ في وجه السائق:

-أنا مش شحّاد، مش عم أشحد منك.

إجابة الطفل أذهلتني.

كيفَ لم ينتبه الإسرائيليون أنّ شعبًا يملك هذه الكرامة من غير الممكن أن ينحني أو ينكسر؟ ألم يفهموا أن هذا الشيء يسري في عروقنا؟ في عروق الشباب والرجال والنساء والأطفال؟ لا يموت، لا يندثر؟

حاولت أن أتحدث مع الطفل وأن أشتري منه ما كان يعرضه على السائق، لكنه عاود الصراخ في وجهي قائلًا لي:

-روحي جوّا*، إحنا مش شحّادين.

***

الآن تمام السّاعة 20:10، أنظر إلى وجوه الجنود المرهقة بجانبي وأقارنهم بردّ طفلٍ يذوق الويل على حاجز قلنديا، من خلفه صوت الرصاص الحيّ ورائحة الغاز المسيل للدموع .. ومن أمامه حاجزٌ قد يشتعل بأيّ لحظة..

 

*جوّا: الداخل المحتلّ.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018