ابنتي كاتبة / ياردينا حجاجرة

ابنتي كاتبة / ياردينا حجاجرة
"العشاء الأخير" لـ"ليوناردو دا فينشي" رُسمت عام 1498

على الشرفة الضيّقة تجلس "بيروت"، ابنتي الكبرى، طفلتي الّتي لطالما حلمت بها والّتي تكبّدت لأجلها عناء الحمل والمخاض، والمجتمع أيضًا. كنت أراقبها وهي تحاول كتابة شيء ما، تجلس على كرسيّ أبيض يتّسع لاثنين وأمامها طاولة صغيرة مغطّاة بالأوراق البيضاء المتناثرة، تمسك بيدها قلمًا كان قد أهداها إيّاه والدها في سنتها الجامعيّة الأولى. تارةً تنحني لتكتب وتارةً أخرى أراها تفكّر.

تلك اللحظة أخذتني إلى زماني الأجمل، ذاك الزمان الّذي صنعت فيه مجدي وكلماتي، الزمان ذاته الّذي وبّختني فيه أمّي لأنّي كتبت نصًّا بضمير المتكلّم، أذكر بأنّها نهرتني قائلة: "وماذا سيقول الناس عنكِ وعنّا إذا قرؤوا ما تكتبين؟". كانت كلماتها كفيلة في إحباطي وخلق الوجع في داخلي، كان توبيخها لي قاسيًا على قلبي الحالم، لكنّي لم أعرها اهتمامًا، كانت تلك المرّة الأولى الّتي أجابه فيها أمّي، فالكتابة ليست خطيئة. 

شعرت بشيء حادّ ينغرس في أحشائي، خُيّل لي بأنّ مخالب الغرباء تنهش لحمَ بيروت، خيّل لي بأنّها تبكي طالبةً النجدة، وبأنّي لست قادرة على تقديم يد العون لها. شعرت بالدموع تجتمع في حلقي لكنّها تأبى الخروج، ابنتي كاتبة! ويا لها من جريمة نكراء.

كدتُ أختنق، أحسست بسهم ملتهب يخترق قلبي، طفلتي الأغلى تهوى الكتابة، طفلتي اختارت المهنة الأقسى في مجتمع يحكمه الرجال، ويصدرون أحكامًا بالإعدام بحقّ كلّ من تجرؤ على البوح بمشاعرها. ابنتي كاتبة!، ستكتب للرجل، ستقول له بأنّها تحبّه، وتكرهه، وتمقته، ستقول له بأنّها ترغب به، بجسده، وبقبلةٍ منه. ابنتي كاتبة!، ستتوسّل للرجل بأن يأتي لمضاجعتها في ليلة شتاء باردة، ستشتهي ممارسة الحبّ معه أمام المدفأة، ستبوح له بأسرار شعرها وجسدها. ابنتي كاتبة!، ستقتل الرجل في نصوصها ألف مرّة، وتحبّه ألف مرّة، وتمارس الشغف معه ألف مرّة. ابنتي كاتبة!، سيصير ثغرها حديقة ورد، ويغدو شعرها ليلًا عاشقًا، ويتحوّل جسدها من طفل ناعم إلى متمرّد لا يخاف.

طفلتي ستكتب، ستكتب عن الحبّ والفقد والوجع، ستكتب عن الجنس والهيام والنشوة، ستكتب عن العشق البعيد، والعشق القريب، ستكتب عن أحلامها، واشتعال الرغبة في أعضائها. بيروت ستكتب، عن الحرب والوطن، عن الاحتلال والظلم، عن مجتمع يركل أحلام الفتيات بطرف إصبعه، ويدفن أجسادهنّ احتفاءً بالشرف. بيروت ستكتب، عنّي وعن والدها، عن حبيبها الّذي أهداها وردة حمراء والّتي خبّئتها في كتابٍ كي تخفيها عنّا، بيروت لا تعرف بأنّي وجدت الوردة، وبأنّي قبّلت غلاف الكتاب ألف مرّة.

ابنتي كاتبة، ستتحدّث البلدة عنها، سيعلّقون مشنقتها على منصّة واسعة، سيطعنونها في ظهرها ألف مرّة، سيبحثون عن صورها، وأخبارها، ويفترسون أحلامها العذبة. 

فجأة، أشعر بالهواء يضخّ مجدّدًا في رئتيّ، أشهقُ بصوت منخفض، لكنّه لم يشفع لي أمامها، شعرت بيروت بوجودي، التفتتْ فإذ بها تراني، وجهي محتقن وكأنّي رأيت شبحًا مخيفًا، ركضت نحوي تاركةً أوراقها المقدّسة وراءها، أمسكت يدي الباردة، شعرتُ بدفئها يتغلغل في أصابعي، سألتني بصوت حنون: ما بكِ يا أمّي؟! كان صوتها كفيلًا في إحياء ابتسامتي، قلت: أنتِ تكتبين كثيرًا في المدّة الأخيرة وهذا ما يسعدني. نظرت إليّ كمّن يبحث عن شيء مفقود، قالت: سأكون مثلكِ، سأكتب مثل نصوصكِ، سأنافسك أيضًا يا أمّي. ضحكتُ أنا فضحكت هي، شعرتُ برغبة جارفة في الكتابة مجدّدًا. قلت بحزم: لا تتخلّي عن أحلامكِ، قاتلي من أجلها، واعلمي بأنّي سأحميكِ، سأحميكِ دائمًا!

كلّ الأشياء غدت فاتنة في تلك اللحظة، حتّى تلك الأوراق البائسة الملقاة على الشرفة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018