أولاد الغيتو

أولاد الغيتو
مفرق 48

يقول الروائي إلياس خوري في أحد مقالاته الأخيرة في "القدس العربي" إن أحد أخطائنا هو الأمل وبث الأمل، حيث يشير إلى أحد روايات سمر يزبك السورية التي تواجه الحقيقة. فعلا يزبك لا تُكحل ما هو أعمى، في رواية غير المشار إليها في مقال الأستاذ خوري، "الصلصال"، تذهب بنا الكاتبة إلى مرارة الكائن العربي على مر العصور حتى قبل السحق المروع الذي يشهده بلد الكاتبة المحروق لا رجعة ولا أمل.

ولكن الإبداع لا يُصغي لهذه المسارات أو التأملات، مع أمل أو من دونه ودائمًا من أجله تولد الحياة ومن ثم الأمل من جراء العمل الإبداعي، وهنا نحن أمام اثنين جرت الصدفة أن أتأملهما في أسبوع واحد. الأول هي رواية إلياس خوري الأخيرة بعنوان "أولاد الغيتو، اسمي آدم"، والثاني قصة الرفيق تامر نفار التي صاغها بفلم عُنون بـ"مفرق 48" الذي اكتسح قاعات العرض في الوطن المترنح، ويا للمفارقة، فالأول يعيش الطاحنة المشؤومة التي وقعت بسنة المفرق الذي يأخذنا بدوره إلى ما آل بنا تحت ثقل الرحى. كلاهما يدور في فضاء المدينة التي دار بها الرحى معتصرا الزيتون ومن ثم البشر وحتى عصر تقطيع الأفيون.

على بقعة أرض سميت بالعديد من الأسماء حتى انتهت إلى اللد عاش أو بالأحرى هُجر أبطال رواية الأستاذ خوري ومع القلة القليلة التي بقت، قرّر الراوي أن يعيش في مثلث محاط بالأسلاك وتحت إمرة جيش آمر ناهي غير عابئ بروح الرضيع أو جثت الكهل المهترئة.

مدينة ذهبت مع أدراج الرياح كغيرها من أخواتها مما "كانت تسمى فلسطين"، يعيد الراوي بناءَها أو جزءًا منها لا لكي نراها "بأوج زينتها" كما وصف الشاعر محبوبته، إنما لكي نشهد المجزرة كما قال الشاعر نفسه، حينما تكلم عن نجاته. فشارع صلاح الدين الذي سُطر من جديد من شماله بالقرب من جسر جنداس وإلى جنوبه حيث تقاطعه مع شارع الملك فيصل، استفاق ونفض ما عليه من مآسٍ لا لكي يعرض لنا ما في خبايا حوانيته، إنما لكي نتنفس الهواء العكر ونذوق لسعة الذباب الأزرق الذي اختاره كخيرة المساكن. رائحة، ملمس واختناق هو ما أغدق به هذا الشارع علينا عند المرور على ضفتيه. ولكن ما لبثنا واعتدنا الرائحة حتى تعصف بنا أهوال أعظم. كل ذلك على إسفلت اعتدنا المشي عليه وفي ساحات قضينا بها بضع سنوات من الطفولة. ولكن أشلاء المدينة التي احتضنتنا كانت صامتة لا تنبت بحرف مما شهدته وحده جامع دهمش باح ببعض الكلام، حينما فتح من جديد بعد طول إقفال. كنا أطفالًا حينما سمعنا ما روى الجامع ولم نُقدّر حجم الفاجعة. ربما كان هذا وهم الأمل عينه الذي ضللنا وبعدنا عن الحقيقة.

من هذا العدم وفي فضاءاته ما زالت الحياة تنبض، فبضع مئات الأشخاص التي تدور بينها أحداث الغيتو أنجبت وكبرت وضمت إلى أحضانه، وما غُصب على حمل المزيد من الأبناء حتى عادت المدينة وانتصب عمرانها على أشلاء المدينة الأم. وكأي جسد طفيلي ينبت بلا أساس ولا حصانة، باتت هذه المدينة أو ما تتشبه بمدينة، جسدًا غير متناسق يتكون من أحياء حديثة يقطنها من هم أغراب عن أصلها وبينهم يسكن البعض من أهلها ومن أخذوها مسكنا لهم وصارت هي مدينتهم الوحيدة.

في هذا الكيان الغريب ترعرع الرفيق تامر نفار وخلق لنا معجزة الراب العربي الذي ضرب آذان كل من أراد أن ينسى ما كان وما يحدث داخل العالم المهمش والمسحوق والشفاف. بدايةً، كانت الكلمات التي اخترقت الحيز الضيق الذي رُسم لنا فما لبثت حتى ركبت بساط الريح وراحت محلقة عبر القارات حتى شاع اسم المدينة الأشلاء في قاعات العرض بمختلف أرجاء المعمورة. كلمات جريئة تركت الأطلال وانبعثت لترمم ما تبقى وتبعث الأمل في نفوس من لا أمل له. الأمل الوهم اللعين، لا خيار لنا غير الاستنجاد به.

قلنا في البدء كانت الكلمة ولكن أشباه تامر النفار وصحبه من فرقة "دام" عجين لا تهدأ خميرته، فها نحن نشاهد الأسبوع بالصوت والصورة الكلمات تتحول لأحداث وما أقوى الصورة حينما تتحرك. 70 خطا من السكة الحديدية وما يعبر عليها لا يمكن تجسيدها بأكثر قوة بلا الحركة والطلق الذي يحول الشباب إلى جثث هامدة لا يمكن حشرها في إطار الصورة الجليدي، ليتنا كنا من هذا قريبين، فما نفقده كل إثنين وأربعاء، فالشباب في هذه المدينة المقطّعة مثل الفجل بخس سعره في أيام السوق الأسبوعية.

حاكم جلاد هو ذا تامر النفار ومن يعمل معه، فلا يكاد أحد ينجو من سطوة لسانه وحدة ذكائه مع صحبه الذين عملوا على إخراج النص وتحويله إلى صورة متحركة. مشاهد لا تدع أحدًا ينجو من وقع الكرباج تأتيك كالصواعق ليس فقط في أوسط الظهر وإنما على الخد وما عليك إلا أن تدير الخد الثاني. فكارثتنا لا تنبع فقط مما وصفه الأستاذ خوري، وإنما مما نحن مجبولين به كما ورد في الـ"صلصال". فوأد البنات ما زال يمارس في مجتمعنا مع أنه غير حليه ولبس حججا أقوى وأشرس.

نعود للأمل أو لعدمه. على الأرض ما يبعث الاثنين أو الشيء ونقيضه وما عليك إلا أن تختار أو بالأحرى يختار معدنك. المسألة تعود إلى المغناطيس ولأي قطب تريد أن تنجذب في هذه الدوامة التي يقع أولاد الغيتو فيها وتدور أحداث مفرق 48 من حولها. فمفرق 48 تم برسم المخرج أودي ألوني الذي جاء ليخطَّ دورًا مغايرًا لصورة الغاصب. ألوني يتبع للنوع الذي يعيد آدم إلى صورته فتراه يتجرد من كل الصفات ويدعوك أن تفعل مثله فلا يعود بينكم أي فارق وهنا ينبعث أمل ولكن سرعان ما يتلاشى لأن مثل هذه الأشخاص أوشكت على الانقراض.  يا له من مفرق بلا مطب. 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية