المثقف اليوم

المثقف اليوم

لم تَعُدِ الأفعى من وردتِها السَّوداء، لتلقيَ علينا السلامَ، فقد هيّأتْ لأبنائِها النّاعمينَ، أقفاصَ الفراخِ والدمِ الطفلِ الفائض، وبقينا، على شيخوختِنا نستعيدُ النَّايَ الذي هربَ من ضلوعِنا. فلا بأسَ من أن نقتسمَ التحيةَ على ما تبقّى من مشهدِ النهرِ الظامئِ، الذي كشفَ عُمْقَ العطشِ، أو الفيضانِ سالفِ الذكرِ.

وقيل؛ لم تُكْمِلِ العَرُوسُ زينَتها، كما ينبغي، فماتَ القُرنفلُ والماء.

ولا جدوى من هذا الهروبِ الأنيقِ، أو التلهّي بهذه التسليةِ المضبوطةِ الراقية، لأنَّ الحوذيَّ أتقنَ ضربَ السياطِ، وأصبحنا مدجّنين كما يروقُ لأمسياتهِ العارية، ولا بأسَ من أن نقضيَ ما تبقّى من أيامٍ، فقد ردَّد النقّادُ إطراءَهم وتبريراتِهم بإتقانٍ شديدٍ، ولن يُغطّي نُحَاسُ الصنّاجةِ أسماءَنا العاليات، أو ما يقوله الرواةُ في الخانِ، أو على جسرِ القمرِ الوحيد. فليمُت مَنْ يمُت، ولينتحرْ مَنْ ينتحر، وليقدّمِ الأميرُ قبّتَنا الخضراءَ المعتّقة إلى سادنِ الجحيمِ الوحيدِ.. فماذا عسانا نفعلُ في هذا السقوطِ المخيفِ الواسعِ المجنونِ؟!

بضعُ كلماتٍ ونردُم في العيونِ البسيطةِ كل هذا الرعب. وببضعِ كلماتٍ نُبشّرُ بالنشيدِ والصغارِ... ونعرفُ أننا نمارسُ آلياتِ التعويض.

لم يجلدْني أبي الشيخُ بكلماتهِ، ما يكفي، لأعودَ إلى كفّيه الخشنتين.. ربما كان أكثرَ بداهةً من تَلْمِ الأرضِ بعد أن افترَعها المحراثُ الخشبيُّ القديمُ، ولم يُدركِ الضّوءَ المنعكسَ مِنْ على بساطيرِ البحّارةِ أو زيِّ المجنّداتِ الغريبات، فكيفَ يَزجّني، هكذا، وفي هذا الغبشِ اللزجِ، مع الأفعى ذات الرؤوسِ الجرسيةِ الألف؟؟!

لا، إنني أهرب، فأبي كانَ الشيخَ المحاصرَ بالعمومةِ الناكرةِ والجهلِ والبساطةِ الخاذلة. أما أنا فلستُ أتقنُ، من لعبةِ الديناصورِ إلاّ الخوفَ أو الهروبَ أو الارتماءَ في حِضنه، لأنّ جملتي المعرفيةَ غائبةٌ، أو حاضرةٌ مشوَّهةٌ، وأنا مَنْ شارك في قصِّ جَفنيها، وخدشَ صدرَها الصغيرَ، أو مَنْ تطاولَ على شرفِها، وأنا الحكّاءُ العربيدُ المشروخُ من الفخذين إلى الكتفين. فانظرْ في المرآةِ يا أنا؟ أو ضَعْ رأسَكَ بين يديك، وتأمّل كثيرًا، قبل أن تعيدَ فتحَ ناظريكَ أو تنبسَ بحرفٍ واحد!!

ويا لوعةِ الأُمِّةِ منّا، فَبَدَلَ أن نُهشِّمَ التَابواتِ والمتعالياتِ، كرّسنا الكرسيّ تحتَ أفخاذِ الضَّابطِ، الذي يبشّ عندما يخرجُ النصُّ من عنادهِ، ويستسهلُ الانسحابَ الآليَّ المنكسرَ أمامَ البُرعمِ البعيد. فتوقّفْ عن ملهاتِكَ المأساة.. ويكفيك من العار أنّ العقداءَ أدركوا سكوتَكَ الجبانَ، أمامَ ما يُمارسهُ السيّدُ من صلفٍ واغتصابٍ، أو ما يفعلهُ الإمامُ المنحرفُ من نفاقٍ أو مذابحَ، أو ما يدبجّهُ ذو النّجومِ التّرابيةِ من مخازٍ فاسدةٍ جهارًا نهارًا.

ويا أيّها المثقفُ! لستَ كالرّماحِ التي كانت أيامَ الفتحِ الرّسوليّ... فلن أنعفَ هذا الكلامَ بين أياديكَ الملطّخةِ بالتّعاسةِ والعارِ والسّكوت.

ولهذا سأسكتُ احتجاجًا عليك... ولو إلى حين.

ولعلي لم أسكتْ. بلِ انفرطَ سكوتي هذه المرّة، كالسُّبحة الطَّويلةِ على مرمرٍ مُعتم. وأدّعي أنني لم أسكتْ منذ ولدتُ، لكني أحسّ، هذه المرّةَ، أنني لن أصرخَ، مثلما كنتُ أفعل في وجهِ الغاصبين، حيث وجهي مكشوفًا، وصوتي واضحًا، وخطابي محددًا. أما الآن، فأنا أجوح بصوتٍ عالٍ كالمذبوح الذي يتفلّت من الموتِ الواقعِ لا محالة. وللأسف، أجوحُ، هذه المرّة، في وجوه أعرفُها بعيدةً وقريبةً، تنطلقُ شفاهها بالضادِ، لكنّها ضدّ اللغةِ كلّها، والمخلوقاتِ المتبقيّةِ المؤمنةِ بالوحدةِ والمصيرِ المشتركِ والأمةِ الواحدة.. رغم كلّ السياساتِ الاستراتيجيةِ الحاسمةِ والهادفةِ للتّجهيلِ والاستلابِ والتغريبِ، والأمم المتغايرةِ، والحدودِ الصارمةِ، ورغمَ كلّ المكرّسينَ المنتشرينَ لخدمةِ الآخرين، أسيادِهم الشُّقرِ الغرباء.

اقرأ/ي أيضًا | التخوين والتكفير والتحقير والاستهتار ليس حوارا

فالكلمة ما نملكهُ، ولم يتبقَّ أمامَنا غير الكلام!! وليس أيّ كلام. الكلامُ الذي لا يكونُ أضعفَ الإيمانِ، أو ثورةَ المغلوبِ على أمرهِ، بل شهادةٌ فاعلةٌ مقرونةٌ بمواقفَ تعضدُها، وتجعلُها ابنةً شرعيةً لفعلٍ يَسعى إلى التَّعريةِ والشّحذِ والتنوير، وخصوصًا أنَّ البلايا وصلتْ إلى أن صارَ الترياقُ كوليرا.. والمارينزُ بين الرّصافةِ والجسرِ.. وطفحَ كيلُ اللَّوعةِ والفجيعةِ ولم يتبقَّ إلاّ القولُ الفصلُ الواضح، دونَ مواربةٍ، وتحديدِ موقفٍ ممّا يجري، دونَ مداهنةٍ أو تصنّعٍ ولتكنْ ما تكنِ النَتيجة.

***