"رامبير – حفلة تنكرية": عالمٌ مِن الرّداءَة

"رامبير – حفلة تنكرية": عالمٌ مِن الرّداءَة

صدرت الطبعة الثانية من رواية "رامبير – حفلة تنكرية" للمتوكل طه، والتي صدرت الطبعة الأولى منها في آب/ أغسطس 2016، وتتناول مشهدية سوداء لحفلة تنكّرية لمجلس إدارة الشركة المهيمنة في مدينة رامبير، ويتحوّل التنكّر فيها إلى حقيقة! بفعل ما وضعه أحد موظّفي الشركة في شراب المُحتفلين، فيتمّ القبض عليه، وإخضاعه للاستجواب العنيف، لنكتشف أن المدينة تحمل كونًا مناهضًا لكل أشكال الفضيلة، ديستوبيّة بما يكفي لإزاحة النظر عن احتمال مقارنتها مع الواقع الصادم الآثم.

ترتكز الرواية في أسلوبها على مونولوج سرديّ مطول، يبدأ في نقطة زمان - مكانية وينتهي بها نفسها في دائرة مكتملة، تبدأ وتنتهي بالخديعة؛ "لقد ضحكوا علينا". غير أن هذه الدائرة أقطابها متعددة، فلو رسمناها رياضيًا لتقاطعت في مكانين؛ قصة رامبير البلد وقصة رامبير الحكاية، والفيصل بين الجغرافيتين أبو مطيع وأبو مصعب الإسخاري، ربما هما فيصلان بنيويان في الرواية، وربما هما مرآة للشيء وضده، للخطيئة المقنّعة والبراءة المقنّعة، فكل شيء في رامبير قناع، وكل الطغيان فيها وهن.

يقع القارئ لرواية رامبير في دوّامة مفتوحة تدوّمه بين عدمية العيش في المدينة "رامبير"، وانعدام المعيار الأخلاقي فيها، بعيدًا كل البعد عن رداءة المشهد الطبيعي، والاجتماعي، والسياسي، فالسؤال الحقيقي هناك هو السؤال الأخلاقي، كيف تعرّف المدينة أخلاق سكانها؟

لنعرّف رامبير المدينة إذن: رامبير عالم من الرداءة، متكامل ومترابط، ترى فيه الرداءة كلها، ليس ثمة محظور لا يُفعَل، ليس ثمة خطيئة لا ترتكب، ليس ثمة رذيلة غائبة... رامبير فقط مدينة عائبة، لا تتشح بأوسمة ليبرالية، ولا يتحصّل فيها رادع – ولا أي رادع... رامبير أيضًا خُسِفَت، بعد الحفلة التنكرية بقليل، في رمزية للخطيئة، بل لِكَمّ الخطايا اللانهائي الذي يرتكب فيها.

وفيها  سرد كافة المحظورات التي تقع في مدن الخطايا، ومنها رامبير، من عمى أبناء الدكتاتوريات، إلى إعطاء المخدرات القسري والاتّجار بالنساء وبالدين، والإهمال والاعتقال والاختطاف على خلفية الرأي والتعذيب في أقبية التحقيق وحبك المؤامرات وتزوير التاريخ والانتهاك والابتزاز والرشوة، والاحتيال والشعوذة... لم تترك محظورًا إلا وكسرته، باللغة أو بالمضمون أو بالطرح، شرحته شرحًا وافيًا مستفيضًا بليغًا، مستظهرةً الأمراض الاجتماعية والسياسية الناتجة عن الفقر والجهل والحرمان.

وتحمل نقدًا اجتماعيًا صارخًا يحارب الوصمة المجتمعية على النساء الواقعات في ظروف لئيمة، نرى هنا مشاهدتين: الأولى هي فكرة الأمومة كدواء قداسيّ عندما وضعت "المجنونة" طفلًا فشفي عقلها، وبقي وصف الزانية يلاحقها حتى البداية التي وعدها بها الكاتب إذ ينتصر لها حينما يقول مندفعا بتكوينه الشعري الجزل، والمشاهدة الثانية انتصار ضمنيّ لزوجة الشهيد التي تستدرج نحو الدعارة، بإيضاح فقدان الخيارات، والفرص، فالمرأة في رامبير شيء ليس لها صوت وليس لها قول، لها صورة واستخدام، هي شيء لا يقلّ عن المدينة إنهاكًا وانتهاكًا، لكن لرامبير حسرة، والمرأة ليس لها شيء، ليس لها شيء حتى نجد أن وراء الحكاية كلها امرأة، وأن رامبير حاكتها امرأة بكيد خالص، إلى أن خرجت من سياق العلاج النفسي إلى نصّ يصلح لأن يكون رواية حسب رأي الناقد في زمن الرواية الحقيقي.

حين تقرأ رواية حفلة تنكرية، تشعر بأنك بدأت تفقد الفرق بين الواقع والهلوسة، تفقد حقيقةً الحاجز الهلامي الكامن بين الزمن الحقيقي والزمن المتخيّل، فما أن تبدأ رحلتك في رامبير حتى تشعر بقرب انتهائها وانتهائك معها، كلّ ما هو عكس الفضيلة هناك في رامبير، وكلّ ما هو عكس المتوقّع هناك في الرواية، فلا يوجد بطلٌ في رامبير، ولا في الرواية، ليس سوى أبو مطيع الذي يتسبب بالمصيبة التي تفتح جميع المصائب، فتبدأ إسقاطات القارئ على واقعيْه الخاص والعام.

نجد في الرواية أن اسم "أبو مصعب الإسخاري" يتكرر بشكل يختلف عن بقية الأسماء، فهو المشعوذ الذي أوقع نساء رامبير في حبائله، حتى وقع في حبّ امرأة واحدة، دهنها بماء العسل، هي امرأة الرجل الأول في المدينة. الإسخاري هذا هو أحد ألغاز الرواية التي يصعب حلها حتى المفاجأة الأخيرة، وكذلك أبو مطيع.

 السرد هنا لا يحمل زخم اكتشاف الأحجية، لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في الكشف الأخير عن أن مريم الشواهدي - الكاتبة والضحيّة، هي ذاتها المشعوذ الإسخاري، وذاتها أيضًا أبو مطيع الذي وضع العشبة الضارة في مشروبات مجلس الإدارة في الحفلة التنكرية. هنا ينشأ سؤال آخر، بعد تكشّف الرواية عن رواية أخرى بداخلها، هل تشييء البشر صنيعة المنظومة، أم صنيعة البشر ذاتهم، فكما تعرّي الكتابة كتابها، يعرّي البشر منظوماتهم الأخلاقية التي يعرّيها السلوك البشري الغرائزي الصرف، وسؤال ثانٍ بعد، هل تحوّل الكاتبة المرأة إلى رجل باسمها المستعار وبشخصيتها المنفصمة دلالة على نقصان الطاقة الأنثى في المكان، وفي المرحلة، هل يقول لنا الكاتب إن الهوية لم تعد تصنع فرقًا، فالقهر المتحصّل هو صناعة الجميع وواقع على الجميع بالوقت ذاته.

توحّد شخصيات الرواية في واحدة، وانصباب أحداث الرواية في هلوسة واحدة، تغيّر فهم القارئ للكتاب، فيعيد التفكير فيه من البداية. النهاية الصادمة كانت أن رامبير واقعًا خياليًا يحمل عدة انفصامات لشخصية واحدة، كل ما تصدّقه كذب، وكل ما تعتقده وَهْم، حتى الحفلة التنكرية، والخسف، ورائحة المدينة البشعة وغنج الآنسة مايسة، وكل ذلك، كله ضلالة! رامبير لم تكن يومًا سوى حفلة تنكرية وكل ما دون ذلك من تفاصيل هو مجرد هلوسات وجدنا أنفسنا بها، بعد أن ضحكوا علينا.

رامبير - حفلة تنكرية رواية تفوق الواقع وتفوق المتخيّل، طرحها يضع تساؤلًا ومساءلات على المستويين البشري والإنساني وصناعتهما والفرق بينهما، يشوب منظومة السواد بعض الدفء الذي يترك مساحة للتساؤل الأخلاقي عن حالة ساخرة، معتمة، ومضحكة من شدة الشرّ الذي فيها.

تقع رواية رامبير- حفلة تنكرية في 160 صفحة من القطع المتوسط، عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان وبيروت، وصمم غلافها الشاعر زهير أبو شايب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018