ردّني إلى بلادي

 ردّني إلى بلادي
بريشة يوسف عراقي

جلس مع جعته مساءً على شرفة بيته المطلّ على خليج حيفا وبحرها في ليلة مقمرة، يستمع لفيروز وأغنية "ردّني إلى بلادي"، وأبحر مع النجوم سارحًا بذهنه بعيدًا ففاجأته زوجته قائلة: ما لك شاردًا على غير عادتك؟

غبّ جرعةً طويلة من جعته وقال: سمعت اليوم حكاية تشابه الكذب، من حكايات ألف ليلة وليلة، لها أوّل وما لها آخر! وبدأتُ أُعيد النظر بزيارة كمال ومشاركته سهرة العشاء.

- يا ساتر؟

التقيت اليوم بيونس العسقلاني وما زلت حائرًا في "حكايته" التي خربطت لي كل الأوراق.

- وما علاقة زيارة كمال لحيفا بيونِسِك؟

ولد يونس في عسقلان لعائلة صيادين، كان بملكية والده قوارب صيد وشغّل العشرات من بدو المنطقة وكان من كبار التجار البحريّين في منطقة عسقلان، ملّاكًا كبيرًا، اشتهر بحفلاته كلّ مساء جمعة، في ضيعته الظليلة وبيارته الجميلة، حضرها وجهاء المنطقة، عربًا ويهودًا، وموظفو الانجليز، وكان يذبح ستة خرفان كلّ نهاية أسبوع، والمشروبات قايمة قاعدة، مشاوي وأكل وشرب وغناء ورقص... وجاءت النكبة، وشُرّد مع عائلته إلى الخليل وعمره ستة أعوام، حالمًا بعودة قريبة مع العائلة. مرّت الأيام وساءت أحوال والده المادية والصحيّة وعزّة نفسه لم تسمح له بالوقوف في طابور مؤن وكالة الغوث. ضاقت به الحياة ومات بحسرته. حاول يونس أن يتعلم صنعة بعد أن ترك مقاعد الدراسة في الصف السادس بمدرسة الوكالة، ولكن دون جدوى، فصار عطّالًا بطّالًا وبلطجيّا...حالمًا بتوته وضيعته... وجاءت النكسة.

لم تتحسن أحوال يونس، والأولاد يتكاثرون، ظريفة أنجبت اثنين وعشرين ولدًا، وجيش الاحتلال وجنوده يتحكّمون بكلّ صغيرة وكبيرة. قامت روابط القرى بزعامة سيئ الذكر مصطفى دودين وأعوانه فرآها يونس فرصة سانحة للانضمام كي يضمن لقمة العيش، وقطعة سلاح مرخصّة، علّه يستردّ بعضًا من ذاته، وبدأ بحفلاته كلّ مساء جمعة، في حوشه الكبير، في ظلال توتة غرسها ، وكان يذبح ستة خرفان كلّ نهاية أسبوع والمشروبات قايمة قاعدة، مشاوي وأكل وشرب وغناء ورقص، حضرها "وجهاء" المنطقة من العرب وأسياده من جنود الاحتلال وسماسرته ورجالاته من موظفي الإدارة المدنيّة...وجاءت الانتفاضة.

وانتفض أبناء شعبه ضد المحتل الغاشم، وشارك ثلاثة من أبنائه، مشاركة فعّالة في الانتفاضة وهو على ما هو عليه... عميل متعاون مع سلطة الاحتلال، ورغم احتياطاته وحماية أسياده له أُصيب بعيار ناريّ في ظهره، ويُقال بأن أحد أبنائه شارك في الهجوم وإطلاق النار عليه، وذاك الابن استشهد لاحقًا برصاصة محتلّ خلال الانتفاضة، وكانت إصابة لئيمة نُقِل على إثرها بمروحيّة عسكريّة إسرائيلية لتلقّي العلاج في مستشفى حكومي تكفّلت وزارة "الدفاع" الإسرائيلية مصاريفه، ونُقل من مستشفى إلى آخر لشهور عدّة، فالإصابة أقعدته.

في زيارة لشارون، وحيث أشغل في حينه وزيرًا "للدفاع" الإسرائيلي، سأله كيف له أن يساعده؟ مقابل خدماته الجليلة للمحتل فأجاب دون تردّد :"اشتقت لطعم التوتة. أعدني إلى بيتي. أعدني إلى عسقلان!". بعد تردّد ومفاوضات استمرت عدّة شهور، ورغم معارضة الأجهزة الأمنية، أعاده شارون إلى هناك...إلى توتته وبيته... في عسقلان.

غمرت الفرحة قلب يونس حين وصل إلى ضيعته وبيته المهدوم، وجد التوتة بانتظاره، ودمعت عيناه. أقام بيت شعر في ساحة الردم، تحت التوتة، وأخذ يرمّم البيت رغم إصابته، ولزومه لكرسيّ عجلات متحرك، وبعد مرور سبعة شهور أقام احتفالًا بمناسبة تدشين البيت في باحة الحوش الكبير، ذبح ستة خرفان والمشروبات "قايمة قاعدة"، مشاوي وأكل وشرب وغناء ورقص، حضرها "وجهاء" المنطقة من أسياده اليهود، ومن تبقى من أبناء العشيرة. تظاهر العشرات من جيرانه، غالبيّتهم قادمون جدد من روسيا، وهتفوا : "العرب برا" و"الموت للعرب"!، ورفع نخب شارون وعساكره: "بصحتك"!... وما زال في "بيته"، يستظلّ تحت التوتة كل عصريّة، على كرسيه المتحرّك، يستمع لأغاني فيروز، وأغنية بيسان، يغفو وينام في أفياء توتته الخجولة، مع الحساسين ... وحيدًا.

وها هو كمال في طريقه إلى حيفا، التي شرّد وهجّر أهله منها في النكبة، كان عمر والده ستة أعوام، يحمل جواز سفر أمريكي، وفي نيّته المشاركة بتصوير فيلم عن النكبة، وحيفا، والعودة.

ونفِدَ الفستق... ونفدت الجُعة... وغاب القمر في بحر حيفا...

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018