جاك بيرك .. الغربي ناقل تراث العرب

جاك بيرك .. الغربي ناقل تراث العرب

في هذه الظروف التي يواجهها العالم العربي والإسلامي، حيث يطاله الإرهاب، ويتحمّل المسؤولية المسلم العربي البريء من سفك الدماء والدمار، توجد عيون في أوروبا والغرب تنظر بحذر وتعيد ترتيب أوراقها مع كل المسلمين، ولذلك كان ضرورياً متابعة إنجازات واحد من المستعربين، وهو المفكر جاك بيرك، فكيف تناول تراثنا العربي والإسلامي؟

ويعد جاك بريك (1910-1995) واحدا من أعلام الفكر الاستشراقي البارزين على الصعيد العالمي.. تخصص في الدراسات العربية والإسلامية، رمت به الأقدار إلى المغرب الأقصى، وهناك شغف الشاب جاك بهذا المغرب، فقرّر بعد انتهاء الخدمة العسكرية على البقاء فيه، ولم يكن من الصعب عليه أن يجد وظيفة مناسبة في تلك الظروف التي كان الفرنسيون فيها يبسطون يدهم على سائر مرافق البلاد.

وهكذا قضى جاك بيرك بضع عشرة سنة في الوظيفة متنقلاً من ناحية إلى أخرى، وهنا وجدنا أن جاك بيرك لم يضيع وقته، فكتب تقريراً اهتم فيه بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي بمنطقة الغرب، وبالأعراف المتعامل بها هناك، وبالتعاون في حقل الإنتاج في المجال القروي، وقد نشر هذا التقرير في حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي.

حوار الثقافات

لقد فهم بيرك الاستعراب على أنه حوار بين ثقافتين الأوروبية المسيحية والعربية الإسلامية، ويؤكد أن منطقة المتوسط ستتحوّل إلى “بحيرة للمعنى” من خلال إعادة بناء الشراكة المتوسطية الأوروبية – العربية، والحوار الديني المسيحي الإسلامي، وهو لا يخفي إيمانه المسيحي، إلا أنه يؤكد أن السنين الطويلة رغم حياته في البلاد العربية وتشبعه بالثقافة الإسلامية قد بلورت رؤيته المسيحية للحياة والإيمان، وينظر بيرك للحياة نظرة متفائلة ويرى أن الله يحب الحياة لأنه خلقها، ورغم عذاباتها وآلامها فإنها مصدر فرح وعزاء.

وبرأيه أن الإسلام يحترم الطبيعة الإنسانية والمسيحية تحترم الشخص وتؤنسن الطبيعة، فيتكامل المجتمع ليصل إلى جمال “أسطورة الأندلس″، ولذلك كتب بيرك أربعين كتاباً عن العروبة والإسلام ماعدا كتابين، وكان آخر كتبه “ويبقى هناك مستقبل”، وهو حوار طويل بعد إصداره الترجمة الجديدة للقرآن، ويُعدّ وصيته الأخيرة.

إن جاك بيرك قد ضاق بكلمة مستشرق، وعلّل ذلك بقوله: “كنت أتمنى أن أعرف الفارسية والتركية إلى جانب العربية”، مرة فكرت في تعلم الفارسية، ثم قلت لنفسي: “لن أكون في يوم من الأيام متمكناً من هذه اللغة، والأفضل أن أكون متمكناً من لغة على أن ألم بلغتين. أنا إذا مستعرب والاستشراق يشمل المعرفة بلغات شرقية أخرى غير العربية”.

طه حسين

زار جاك بيرك معظم البلاد العربية محاضراً، ومشاركاً في الاحتفالات الثقافية مع طه حسين، ومن المعروف أن جاك بيرك هو المستعرب الوحيد الذي قبلت عضويته في مجمع اللغة العربية بالقاهرة بترشيح من عميد الأدب العربي د. طه حسين.. يقول جاك: “هذه ذكرى شخصية عن طه حسين، وشرف كبير أن أعترف بفضله في ذلك”، لقد كان بيرك صديقاً لطه حسين، فبوصفه بيرك بأنه الرجل الذي بحث في إنقاذ التراث العربي أراد الحفاظ على التراث التقليدي العربي بين أمثاله في العالم، خصوصاً تراث البحر المتوسط، وهذا ما فعله كل من ابن سينا وابن رشد.

طه حسين أراد تحقيق ذلك باسم العقلانية، لكن ربما لم يفسر ما قام به بشكل كافٍ، وربما منعته طبيعته القتالية من أن يكون مقنعاً إلى درجة كبيرة، إلا أن هذا ما أراد عمله.

ويضيف بيرك: إنني الموازي المقابل لطه حسين لكن في اتجاه عكسي، فهو مد جسراً من الجنوب باتجاه الشمال من حوض المتوسط، وأنا مددت هذا الجسر من الشمال إلى الجنوب، ولا زلت أحاول تقويته في حدود إمكاناتي فيما يخص حوض المتوسط. أنا أدعو إلى التركيز على مكونات الثقافات المتوسطية، وآمل أن أقوم بالخطوة ذاتها التي قام بها طه حسين، حتى أخرج من وطأة الثقافة الشمالية والغربية. أنا بالأحرى مناضل في سبيل التقريب بين الضفتين بين فرنسا والعالم العربي، وفي سبيل إفهام قرائي الفرنسيين منهم خاصة، ما هي حقيقة الإسلام؟ وبعيداً عن الكليشيهات والتعصّب والأفكار الجاهزة.

ترجمة السنة

قام بيرك بعمل كبير وهو “ترجمة السنة النبوية”، وهو يطمح إلى تعريف القارئ الفرنسي، والغربي عموماً بجانب غني وأساسي من التراث الإسلامي.

ويرى بيرك أنه لم تعد هناك حاجة ملحة إلى ذلك النوع من الباحثين الذين يكتفون بالجلوس داخل مكاتبهم، ومختبراتهم لدراسة الشعوب “المتخلفة” بالميكروسكوب والمنظار المكبر، وطرح استنتاجاتهم وآرائهم بحيادية تغيظ، فإما أن يكون الاهتمام والدراسة نابعين من شغف أو لا يكونان.

يرى بيرك أن الحضارة الإسلامية غاية في التعقيد، ففي الزمان الذي كان فيه الفرنسيون هم الأوائل، وسادتهم يعيشون في كهوف حجرية مسقوفة بالقش كان المسلمون الأوائل يبتكرون حضارة منفتحة تمتد من سكنيانج من ناحية إلى منطقة الأكتبان الفرنسية من ناحية أخرى، فالبعد الكوني الحضاري كان في ذلك الحين بعداً إسلامياً.

ويضيف بيرك: هذه الحضارة العربية الإسلامية المتكاملة دامت ثلاثة قرون من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر، وانتهت إلى كارثة تمثّلت في الغزو المغولي. ثم غزو الغرب للطرق البحرية، فانقطعت الإمبراطورية الإسلامية عن مصادر ثرائها، وخسرت طرق العبور بين الداخل الآسيوي والغرب الأوروبي، ومن هنا نجد كيف أن السقوط والانحطاط الاقتصاديين أديا كما يقول ماديو التاريخ إلى انهيار الحضارة.

الروح الإنسانية

ويؤكد بيرك أن الروح الإنسانية واحدة، ونظرة الغير وإن كانت لها عيوبها ومكامن ضعفها، فإن لها أيضاً محاسنها، وفي كل الأحوال لا يلزم تشجيع الشباب الشرقي على الأخذ بحلول الكسل والاكتفاء الذاتي.

إن اللغة العربية قد التهمتني، ومعايشتي لها كواحد من أبنائها تتيح لي تقديم ترجمة أكثر دقة من الترجمات السابقة، ولا يجد بيرك غضاضة من الاعتراف بخطأه، والعمل على تصحيحه فور اكتشافه، لذلك أعلن بيرك قبل رحيله أنه بصدد إعادة ترجمة المعلقات الجاهلية التي أنجزها منذ عشر سنوات بعد أن اكتشف بعض الأخطاء.

لقد أنفق جاك بيرك عشرين عاماً من عمره في ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى الفرنسية، وفي مفارقة مع عمله المضني هذا.. جوبه جاك بيرك بحملة هجومية بدعوى أنه يعمل على هدم الإسلام، مما أصابه بالمرارة والغضب، وفي حينه قال بيرك: كنت أنتظر أن يستدعيني الأزهر ليناقشني في ترجمتي التي أرسلتها، وانتظرت طويلاً دون أن أتلقى أي جواب، ربما كانت كلمات جاك بيرك عن الدين الإسلامي كافية، لأن نعرف احترامه الشديد للإسلام والمسلمين، لقد قال بيرك: “إن هذا الدين أعطى للعالم طوال عصور عديدة واحدة من أجمل وأغنى الحضارات”.