قراءات مهرّبة حول التجربة السجنية للإسلاميين في تونس

قراءات مهرّبة حول التجربة السجنية للإسلاميين في تونس

قسم للعزل وآخر مختلط، في ركن ضيّق، وبين جدران السجن المظلمة، كان عبد الحميد الجلاصي، يسترق لحظة الهروب إلى الكتابة، ليدوّن رسائلة التي تؤرخ معاناة الآلاف في سجون رئيس النظام التونسي السابق، زين العابدين بن علي.

حاول الجلاصي لاحقا تهريب رسائله إلى خارج زنزانته عن طريق أصدقائه من سجناء الحق العام، الذين يقومون بدورهم بإيصالها إلى أقربائه وأصدقائه خارج السجن.

قدّم الرجل مؤخرا مؤلّفه الجديد بعنوان "السرقة اللذيذة: قراءات مهرّبة حول التجربة السجنية للإسلاميين، تونس 1991- 2002"، خلال لقاء فكري نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (مستقل)، بالعاصمة تونس.

وأراد من خلال "السرقة اللذيذة" تغيير الصورة النمطية للسجن، والقول إنه إضافة لما فيه من مآسٍ ومظالم فإن السجن يترجم ملحمة مقاومة وحلما بالمستقبل.

والجلاصي (57 عاما) قيادي بارز في حركة "النهضة"، تقلّد عديد المهام والمسؤوليات داخل الحركة منذ عام 1979 وكان مسؤولا عن إدارتها عام 1987 في أوضاع السرّية والملاحقة.

تعرّض للاعتقال أكثر من مرّة آخرها بين أبريل/نيسان 1991 ونوفمبر/تشرين ثان 2007، كما شغل منصب نائب رئيس الحركة في الفترة الممتدّة من 2012 إلى 2016.

كتاب "السرقة اللذيذة"، ولد من رحم المعاناة، جمع فيه كاتبه سبع رسائل مهرّبة تصنّف جزءا صغيرا من ذاكرة وطن، فهي رسائل من السجن وعنه مرّت في غفلة من السجّان، تروي ملحمة الصراع بين الجلّاد والضحية.

"الرسائل السبع" ليست إلاّ جزءا من 500 رسالة مهرّبة من السجن لا زال يحتفظ بها الجلاصي سرّبت من سجون عديدة، وهي عصارة تجربة 17 عاما وراء القضبان، يعتزم كاتبها تدوينها وتوثيقها واحدة تلو الأخرى حفظا للذاكرة.

ويسرق الكتاب عقول قرّائه ليأخذهم في فسحة فكرية إلى عمق الذاكرة في الفترة ما بين الأعوام 1991 و2002، ويسرد ما شاهده بأمّ عينه وما سمعه عن رفاقه من معاناة لآلاف السجناء الإسلاميين ونماذج من التجاوزات والانتهاكات والفظاعات في سجون "بن علي" (1987-2010)، والتي يصفها "زوّارها" من سجناء الفكر والرأي بأنها الأقسى بين السجون في تاريخ تونس المعاصر.

الأحداث التي تسردها الرسائل جرت في سجون كثيرة على غرار سجن تونس (العاصمة) وسجن "برج الرّومي" بمدينة بنزرت (شمال)، وسجن "الهوارب" بالقيروان (وسط)، وسجن "الناظور" بمدينة زغوان (شمال) وسجن "المهدية" (شرق)، وغيرها من السجون التي قبع فيها معارضو النظام عقودا من الزمن.

الجلاصي نقل في كتابه مشاهد لأصناف من التعذيب والقمع ضدّ السجناء من تجويع وتشويه أخلاقي وتعنيف مادي ومعنوي وعقوبات في زنزانات السجن المضيّق، وكانت العزلة الخيار الأمثل للسلطة في التعامل مع المساجين الإسلاميين فرادى أو في مجموعات ضيقة.

وقال صاحب الكتاب "أشتغل على سلسلة كاملة للتأريخ للمرحلة السجنية لا من زاوية التباكي وإدانة الجلاد بل من زاوية ملحمة المقاومة".

ويضيف الجلاصي "أردت أن أقول إنّ الثورة التونسية لها آباء وأجيال من المناضلين في منافيهم وسجونهم حلموا بالمستقبل وناضلوا من أجله وصارعوا الجلاد في عقر داره وانتصروا عليه".

ومضى قائلا "في كتاباتي هذه حث للنفس من أجل الكتابة باعتبار أنه يوجد الآلاف من المساجين وعائلاتهم وأطفالهم هؤلاء دون صوت ولم يسجل أحد منهم إلى حد الآن لا ملحمة المنفى ولا ملحمة السجن فأردت أن أكتب من هذه الزاوية".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018