في ذكرى أنيس../ د.عزمي بشارة

في ذكرى أنيس../ د.عزمي بشارة

هل مررت يوما بصلابة واستقامة تخطو ولا تتوقف عن الاعتذار عن احتمال التسبب بأي إزعاج، أرأيتَ يوما مواقف وطنية وقومية وإنسانية منحنية في قامة صغيرة، يزيدها صاحبها انحناءً كأنه يتعمد احتلال أصغر فضاء ممكن، ومن خلال صلابته كأنه يبلغك أنه عالم بالنوائب، وأنه ليس غير آبه بها، بل غير آبه أنه بات ينوء بها؟
سراجٌ خافت. ليس نجماً ساطعاً على يافطة المشهد، ولا شهاباً عابراً بعبور المتسوقين. خافت ولا يخبو.

وأفجع من فقدنا من وجدنا قبيل الفقد مفقود المثالِ

كان أنيس باحثاً ومؤرخاً أولاً وقبل كل شي... فالرجل الذي كان له الدور الرئيسي في «الموسوعة الفلسطينية» و«مركز الأبحاث» ومجلة «شوؤن فلسطينية» و«مجلة شؤون عربية» و«المستقبل العربي» كان قد أسهم في وضع موسوعتين مشهورتين هما (قاموس الكتاب المقدس وموسوعة فرانكلين). وأنيس هو مؤلف أحد أهم المصادر في موضوع حساس وموضع خلافٍ، هو كتاب «الفكرة العربية في مصر»، كما ألف كتاب «تطور المفهوم القومي عند العرب»، وكتاب «في مفهوم الزعامة السياسية عن العرب»، وطبعاً كتاب «الهاشميون والثورة العربية الكبرى». ألْفتُ النظرَ إليها عامدا بعدما قرأت بعضَ ما كُتِب عنه منذ غيابه. لقد خسرنا باحثاً من الطراز الرفيع.

ولكننا خسرنا أيضا مناضلاً. ودول العالم الثالث وحركاته التحررية لا تقوم ولا يستقيم لها حال من دون أن يتخلى بعض المثقفين ذوي النزعة النضالية، أو سمِّها العضوية إذا شئت، عن راحة البالِ لغرض القيام بدور في بناء مؤسسات الدولة والمجتمع على حساب عملهم البحثي. فيكتسب بعضهم زعامة سياسية بجدارة أو بغير جدارة. ويحمل بعضهم آفات المجتمع كلها مع إضافة «دال نقطة»، أي دكتور، قبل كل آفة. وبعضهم الآخر يأخذ دوره في بناء المؤسسات الوطنية كأنه يؤدي رسالة الخدمة المدنية العامة، أو خدمة الخير العام. يتمسك بها بمنهجية وحزم المتمسك بالحقيقة العلمية، لا يتنازل عن الصالح العام أمام السياسيين والنجوم، ولا أمام ذوي السطوة أو ذوي الحظوة لدى ذوي السطوة. ويتجلى التفاني في حقيقة أنه لا يرى في المصلحة العامة شأناً خاصاً من حقه التصرف به. ويعتبر التنازل عنها لنفع خاص أو بسبب من المزاج أو القرابة فساداً.

هذا هو أنيس الصايغ. وهكذا كان فايز الباحث والقيادي الهام في الحزب السوري القومي الاجتماعي وفي منظمة التحرير لاحقاً، وكذلك يوسف الباحث الاقتصادي، وهكذا كان أبناء القسيس عبد الله عموماً.

وهم نتاج قاعة المكتبة المنزلية الهائلة، ونتاج صرامة التربية القيمية القائمة على الأمر الأخلاقي «أحب لغيرك ما تحب لنفسك»، ونتاج أمشاج بلاد الشام كلها: سوريا ولبنان وفلسطين: الأب من حوران والأم البترونية مولودة في قرية البصة التي صارت فلسطينية، وكان يمكن أن تكون شيئا آخر لو ارتج قلم أحد السيدين سايكس وبيكو قليلاً.

لم يكن أنيس مثقفاً عضوياً فحسب، بل كان أيضاً عادلاً وحازماً في معايير الأحكام. فهو يميز بين الموقف والكفاءة. وهذا لا يرضي صديقاً اذا كان غير كفُؤٍ، ولا عدواً اذا كان حاقداً.

رأيتك في الذين أرى ملوكاً كأنك مستقيمٌ في مُحالِ

كان أنيس يحفظ موعد انقطاع الكهرباء في العمارة، فإذا صادف الموعد تلك الساعات، يأتي هو لزيارتي في الفندق، خشية أن أعلق في المصعد، أو أتسلق سلمها بلا مصعد. يحدّثني هذا الصديق الكبير الحبيب، ويروي. وأتخيل الرجل الذي ترك كل شيء لأنه مؤمن بفلسطين وبوحدة بلاد الشام، وبوحدة العرب لاحقاً، يناقش بالحجة العلمية في أجواء شعبوية تغطي على الاندفاع نحو التسوية بالمزايدة الفلسطينية ضد العروبة، أو تسرِّب كلاماً ان أنيس ليس فلسطينياً، وكأن لفلسطين تاريخ خاص منفصل عن حوران او عن لبنان، وكأنه لا يكفي أن تولد في فلسطين وتشردك النكبة عام 1948 لكي تكون فلسطينياً. وأتساءل: كيف ينقلب جمر الهوية الفلسطينية امتيازاً، أليس ذلك هو الوجه الآخر لاعتبار الهوية نفسها سبباً كافياً لإقصاء حاملها، أو لإعادته من حيث أتى على الطائرة ذاتها؟ إنها العنصرية والعنصرية المعكوسة.

من يجرؤ على الإجابة على سؤال أداتية تسييس الهوية هذا، سوف يدرك فوراً كيف تتحول الهوية الى كيان ودولة وامتيازات تحت الاحتلال. كيف تتحول الهوية في الأيدي الخطأ إلى نقيض للتحرير.

كان أيسر لأنيس ان يكون أستاذاً جامعياً لبنانياً أو سورياً، إذا شاء، أو حتى أميركياً ومتضامناً مع الفلسطينيين. بيد أن هذه الخاطرة لا تمر له ببال. فأنيس لا يتنازل، ليس فقط عن فلسطينيته، ألا وهي عروبته، بل لا يتنازل عن طبريا التي مات دونها.

يقول أنيس في رحلة عودة من زيارة أصدقاء في الناصرة ما يلي: «تقوم وسط الطريق المعبدة جيداً بين طبريا والناصرة لوحة تشير الى سطح البحر عند تلك النقطة. ذلك أن طبريا تنخفض الى مستوى مئتين واثني عشر متراً تحت سطح البحر. ويعطيها هذا الوضع ميزة خاصة، طقساً وجمالاً. إنه بالفعل منظر نادر، إذ تكون آتياً من الناصرة من جبالها وفجأة تجد أمامك منخفضاً عميقاً اشبة بحفرة مملوءة ماء. إنها طبريا وبحيرتها. وقد سبق لأحد الكتاب اللبنانيين أوائل القرن الماضي أن قال عن هذا المنظر: من لم يره لم ير جمال الطبيعة وروعتها في حياته». منذ طفولتي داهمني هذا المنظر نفسه الذي وصفه أنيس مرات ومرات. وبقي كأنه يباغتني حد الرهبة، ففي كل مرة ظهرت لي فيها بحيرة الجليل على هذا الطريق كانت تفاجئني، وكأنها تظهر لي لأولِّ مرّة.

أنيس الصايغ، رجل مؤسسات، باني جيل من الباحثين الذين لا يشعرون بالإهانة من إحصاء كلمات المقال والتقيد بالوقت. صاحب موقف بشأن عروبة فلسطين، وصاحب موقف بشأن رفض الاعتراف، ولا جدوى المفاوضات، وغياب أفقٍ للتسوية العادلة مع الكيانات الاستعمارية، وفي تأييد المقاومة.

وطبيعي أن يكون رافضاً للتطبيع، مؤيداً للمقاطعة. أنيس الذي يصر بصرامة ان توضع كلمة إسرائيل بين قوسين، ويتمسك بالشكلية بهذا الشكل، حتى بتنا نقدِّر الحكمة في هذا التمسك بالشكلية والصياغة، عندما كادت تنهار كافة الحواجز أمام الاختراق الثقافي والإعلامي الإسرائيلي.

أنيس هذا نفسه يرفض التسرع في التخوين لأنه قد يخفي نيات، ويخلِّف ضحايا، كما يكتشف بسرعة تبرقع عدم الجدارة بقناع المواقف الحادة المتطرفة. رفض أنيس اعتبار الخيانة الوطنية وجهة نظر في إطار تعددي، وهو الديموقراطي المتنور تربية ومسلكاً. ولكنه رفض أيضاً سهولة التكفير والتخوين، وهو المبدئي الصلب. فعلى كل حكم يجب أن يُقَدَّم البرهان والحجة المقنعة الصحيحة والدقيقة والمفيدة.

إن كنتَ رجلاً فكن وطنياً صاحب مواقف شعبية واصمد في الوقت ذاته امام الشعبوية! كن مثقفاً متورطاً في السياسة رافضاً للترفع عليها، وارفض إملاءات السياسيين المتنافية مع قناعتك. كن أنيساً إن كنت رجلاً.

لماذا صادقتُ أبناء جيل أودِّعُهم واحداً تلو الآخر؟

لا أريد أن أكتب تأبيناً آخر.
كنت أعتقد اني أعرف أين أرى ابن القسيس في أنيس، أني ألمس أثر التأديب والتهذيب والتربية الصارمة الدقيقة، واحترام المواعيد، وثقافة العمل والتقشف التي كنَّاها ماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية، وشخَّصها كأحد أسباب صعود الثورة الرأسمالية. وقد كانت حاضرة حتى في أناقة أنيس، وحرصه المتبل بالسخرية الذاتية. وزارني مؤخراً في عمان حاملاً معه ديوان توفيق الصايغ. فقد كان مهتماً جداً أن يقنعني في حديث سابق بأن أخاه قد ظُلِمَ، مع أنه لم يكن مغرماً بأسلوب أخيه الشعري، مكرراً أنه لا يفهمه. وكانت بيننا عدا عن الصداقة والمحبة حوارات ثقافية مستمرة، فانكببت عليه لأكتشف في ليلة واحدة التربية المسيحية مقلوبة، تتمرد أدباً. هنا تجد التمرد في المرارة والسوداوية في كل سطر. وتجدها عند الأخوة الثلاثة في الوازع الأخلاقي وتلبية نداء الواجب. بقي توفيق العاشق طريح الصراع الداخلي والتناقضات التي تحولت عند ثلاثتهم إلى قوة دافعة.

وكان أهداني كتاب سيرته الذاتية. وتحدثنا بتوسع عنه، وتعهدت له ان اكتب عنه مع كتاب سيرة الصديق شفيق الحوت لأني وجدت مشتركاً قيمياً وإنسانياً واسعاً بين أكثر شخصين اختلافاً في الطباع الشخصية. وقد وفيت. وقلت له حينها جملة فرح بها، لكني قصدت فعلاً أن أطرح موضوعاً ما زال يشغلني وما زلت أفكر به، كمعضلة فكرية للنقد الأدبي: لماذا كلما كتب الكبار عن طفولتهم يخرج من بين أيديهم أدباً من دون أن يدروا. (وأنيس كبير، ولكني أقصد هنا كبر السن تحديداً). يصح هذا طبعاً عندما تكون الكتابة حقيقية وبسيطة ووصفية، وبشرط ألا تندس فيها محاولة او اثنتان لإثبات نظريات متأخرة يدافعون عنها إبان البلوغ باستخدام الطفولة.

أنا أقرأ الآن أدباً جميلاً. كان هذا انطباعي عند قراءة الفصول الأولى من مذكرات أمثال كمال الصليبي، وشفيق الحوت، وأنيس الصايغ وأحمد الخطيب وغيرهم. انصحكم بمراجعة تلك الفصول الأولى عن طفولتهم. فهي ليست كسائر أجزاء الكتاب، إنها أدب جميل، بكل تعريف للجمال في الأدب.

كنت ألححت عليه ان يصف لي سيارة يوسف التي بهرته حين جاء بها قادماً من القدس على ما اعتقد إلى طبريا بعد ان توظف. وقد حظي لاحقاً بالسفر بها من طبريا الى صيدا مروراً بالبصة التي شهدت مغامرة له كما يبدو. فوصفها أنيس لي بعد أن رجوته بدقة بدءاً بلونها الأصفر وحتى مقابض الأبواب ولوحة القيادة.

في انيس طفل لم يكبر. هذا ما تكشف عنه الكتابة عن الطفولة. وهذا ما تكشف عنه العشرة الحميمة التي تخاطب فيه هذه الجوانب. ويكشف عنه أيضاً نمط الكتابة النازع الى الأدب هذا لأن وجهته بعد نزع القشور هي حقيقة المرء الداخلية.

غادر أنيس طبريا الى مدرسة الأميركان في عين الحلوة عام النكبة قبل سقوط طبريا بأشهر قليلة، وكانت امه في المستشفى. وكان في السيارة يبكي، ولديه شعور أنه لن يرى طبريا ثانية.

لماذا يتراءى لي انيس الآن مسافراً سعيداً مثل طفل في سيارة الستوديبيكر الصفراء، يرمق أخاه يوسف بإعجاب وهو يقودها في طريق العودة الى طبريا؟ هكذا أتخيله. لا أدري.