كلمة د. عزمي بشارة في المهرجان التضامني مع أهل عكا

كلمة د. عزمي بشارة في المهرجان التضامني مع أهل عكا

الأخوة الأعزاء

تحية

طلب مني صديقي وأخي معن بشور أن أوجه لكم كلمة بمناسبة تجمعكم هذا للتضامن مع أهل عكا العرب. وطبعا لا يسع المرء الا أن يلبي المناضلين المثابرين حاملي الشعلة في زمن المد والجزر على حد سواء.

ولكن اسمحوا لي أن أضيف لتجمعكم هنا مزارعي الزيتون في الضفة، وما مزارعو الزيتون في الضفة إلا شعبنا كله. أفعل ذلك ليس لغرض المجاملة بل لأني ألحظ نفس نمط السلوك، وهو "تفليت" المؤسسة الصهيوينة لجماعة سكانية كولنيالية ضد سكان البلاد على شكل رعاع من المليشيات وقطاع الطرق واللصوص ورعاع المدن، في حين تقف الدولة العنصرية، وهي بحكم تعريفها ووظيفتها دولة المستوطنين وليس دولة المواطنين، موقف المستفيد من النتائج، المتفرج تفرجا سلبيا كيف ينشغل العرب بالدفاع عن الطريق إلى البيت في عكا أو إلى محصول الزيتون في الضفة... وفي عكا جرت مطالبة المعتدى عليه بالاعتذار ليكف الرعاع المنظم غضبه، وتواطأ مع ذلك قباطنة الدولة من رئيسها وحتى رئيس بلدية عكا وبعض طلاب رضى المستعمر وطلاب التعايش مع العلاقات الاستعمارية التي حولت مدنا فلسطينية عامرة الى ما يسمى "مدن مختلطة". وهي في الواقع ليست مدنا مختلطة بل مدنا يهودية يعيش فيها غيتو عربي محاصر ومهدد هو كل ما تبقى من المدينة اليهودية. ويجري الاعتداء حاليا على من تجرأ وخرج من الغيتو الى الأحياء الجديدة. وهو نموذج ينذر أن يستنسخ في مناطق أخرى.

قبل عامين، وكنت ما زلت في الداخل، كتبت عن حالة ما يسمى بالمدن المختلطة ما لم أجد أفضل ما أقوله حاليا خاصة وأن مخاوفي الواردة في حينه قد تأكدت بأحداث عكا:


كانت هذه مدن فلسطين الساحلية، يافا واللد والرملة وعكا وحيفا. كانت هذه بداية الصناعة والعمران في فلسطين العربية. في بياراتها أنتجت فلسطين محاصيلها الزراعية، وفي كنفها شيدت بداية مشروعها الحضاري وهويتها العربية الفلسطينية، ومن موانئها تفاعلت مع بيروت واسكندرية، ومع حوض المتوسط وأوروبا.

في النكبة هدمت مجتمعات مدن فلسطين العربية: صفد وطبريا وعكا وحيفا واللد والرملة ويافا. وفي اللد تم تهجير السكان بعد واحدة من أشرس المذابح الصهيونية ضد العرب، مذبحة مسجد دهمش.

واستولى المستوطنون على أبنية المدن وشوارعها وبقي في بعضها أحياء عربية سرعان ما تحولت إلى "غيتوات" فقر تجتذب هجرة سكان أكثر فقرا إليها من محيطها ومن النقب. واستولى المحتلون على محالها التجارية. وعلى بناياتها سطت مؤسسات وشركات صهيونية بإذن مما يسمى "حارس أموال الغائبين" من "رشوت هبتواح"(*) إلى "عميدار" لتؤجرها في بعض الحالات لأصحابها أنفسهم. وفي تحفها المعمارية استوطن من لم يتعب في بنائها في عملية سطو مسلح. وصودرت أوقافها الإسلامية، إذ اعتبر المسلمون غائبون لغرض مصادرة الأوقاف.

في بعضها، مثل حيفا، نجت بقايا طبقة وسطى حافظت على مدارس عربية وعلى أجيال تتكلم لغة الضاد العربية. وسميت في عرف إسرائيل مدنا مختلطة. وتواصل فيها الصراع لحشر العرب داخل "غيتوات" او للاستيلاء على مساكنهم بعد منعهم من ترميمها في بعض الحالات التي أرادوها أحياء سياحية متوسطية "انتيكية" الطابع ولكن دون عرب، على نمط "سوهو" في لندن ونيويورك، لقد خططوا ويخططون لهذا في عكا ويافا. وصارع العرب فيها للحفاظ على هويتهم. ولا شك ان الحفاظ على صحة وسلامة المجتمعات العربية فيما يسمى "المدن المختلطة" من أهم وأعدل المعارك الوطنية والمدنية التي يخوضها هذا الجزء الحي من الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

ويتواصل هدم البيوت بشكل مكثف في مدن اللد والرملة ويافا وغيرها من "المدن المختلطة". وكان شارون وغيره قد حذروا من "استيلاء" المواطنين العرب على هذه المدن فهي الأقرب لتكون محطة الهجرة العربية من النقب، وقد عاد تنفيذ سياسة هدم البيوت بكثافة غير مسبوقة في مرحلة شارون. وهذا هو "إنجازه" البارز الوحيد للمجتمع العربي في الداخل في فترة حكمه. وكان في ذلك تأكيد صريح على ثوابت الصهيونية بتكثيف الاستيطان في الداخل وتهويد المناطق ذات الأغلبية العربية وحشر العرب في النقب و"المدن المختلطة" في غيتوات فقر، والعودة إلى الاستخدام الكثيف لمفاهيم الخطر الديموغرافي ليس فقط في الضفة الغربية بل داخل الخط الأخضر أيضا. وتنتشر الجريمة بشكل غير مسبوق في مدن يافا واللد، وتتحفظ الشرطة وتمتنع عن محاربتها وملاحقة المجرمين طالما حصرت داخل الأحياء العربية، وكانت الشرطة قد باشرت مقاومة الجريمة بشكل محدود في اللد بعد أن قتل مواطنين يهود جراء تبادل إطلاق النار العشوائي في بعض أحيائها.

كما ينتشر العنف والجريمة في البلدات العربية الكبيرة التي تحولت في الواقع الى أحياء فقر على هامش المدينة اليهودية.
وتعقد المؤتمرات تحت عنوان: الغالبية اليهودية وكيفية المحافظة عليها"، لبحث شتى الطرق لضمان نسبة أكثرية يهودية ثابتة في المدن.

في عكا يجري ذلك بواسطة جلب اليهود المتدينين اليها، فقد شهدت المدينة من زاوية النظر الصهيونية في العقدين الأخيرين "اختلالا في التوازن الديموغرافي" حيث اجتاحت المدينة موجات من "القادمين العرب"، (القادمون العرب هو مصطلح جديد)، من القرى المجاورة هي عائلات فقيرة بغالبيتها، فيما تركتها نتيجة لظروفها الصعبة عائلات يهودية قوية اقتصاديا كانت قد استوطنت فيها.

الملفت هنا هو استخدام دوافع اليهود المتدينين الصهاينة لغرض التشجيع على السكن في عكا. وهذه نفس الخامة البشرية التي يتم بواسطتها الاستيطان في الضفة الغربية. ويفترض تشجيع هذه الفئة الاجتماعية السياسية وتوجيه دوافعها الايديولوجية الى عكا لأن ظروف السكن الصعبة في منطقة عربية في الجليل على وجه الخصوص تحتاج إلى مستوطنين يهود مدفوعين بدافع إيديولوجي طلائعي غير مادي من نوعية دوافع مستوطني الضفة الغربية وقطاع غزة. وسوف يتحول هؤلاء بدوافعهم الإيديولوجية الصهيونية العنصرية إلى مادة متفجرة طبعا. فهم يصلحون للاستيطان المدفوع بالعداء للعرب، ولكنهم لا يصلحون للعيش المشترك في مدينة واحدة. وهذا يعني أن العرب في هذه البلاد يجدون أنفسهم في مواجهة استيراد العقلية الاستيطانية من الضفة الغربية والمناطق المحتلة الأخرى إلى داخل الخط الأخضر.

لا يوجد دولة أخرى في العالم يتم فيها بهذه السهولة وبهذا الهدوء استخدام مثل هذه اللغة العنصرية في وصف مواطنين لا لسبب إلا لأنهم ولدوا عربا، ويتم فيها اعتبار تفضيل وجود فئة على أخرى وأكثرية على أخرى، ولو في مدينة واحدة من مدنها، أمرا طبيعيا يلتف حوله "إجماع وطني" إسرائيلي. ولا شك أنه في أية دولة أخرى كان سيثور نقاش حتى على شرعية عقد مثل هذا المؤتمرات.

لقد كتبت هذا الكلام قبل عامين ونشرته في الداخل ايها الأخوة، قبل أن اقابل جزءا كبيرا من أهل عكا الأصليين في البلدة القدية في صديا اثناء جولة مشيا مع العزيز الدكتور أسامة سعد.

وأضيف الآن في حضرتكم أيها الأعزاء فأقول:
نفس شمعون بيرس الذي يدعي اليوم التعاطي بإيجابية مع مبادرة السلام العربية، والذي لا يقبلها ويرغب في الوقت نفسه ان يكافأ على رفضها بجر العرب للتفاوض عليها والتطبيع في الوقت ذاته، نفس شمعون بيرس هذا لم يكتف بعدم إدانة رعاع الفاشيين من مضرمي النار في البيوت والمعتدين على المارة في الشوارع، بل اعتبره أحد تجليات الصراع بين اليهودية والإسلام.

وأقول أيضا:
أنه في ظل علاقات تفاوض وتسوية مع دولة ما زالت تنشط كولونياليا يجري عمليا الاعتداء اليومي على العرب من قبل المجتمع والدولة، ويتم التعبير عن العنصرية بسفور، ويجري التخطيط على أعلى مستوى للفصل بين المواطنين وملكيتهم على الأرض في الضفة، وللاستيلاء على بيوت عكا ويافا وغيرها وذلك من قبل مؤسسات وجميعات وشركات يهودية تشتري أملاك اللاجئين من المؤسسات الصهيونية أو تمنح هذه الأملاك لإقامة مشاريع سياحية... ويتم بشكل يومي ومدروس ومنهجي التضييق على العرب لتكريههم بالعيش في هذه الظروف.

أما الدولة العربية والمؤسسة الفلسطينية فغائبة عن هذا، غير قادرة على حماية العرب من عمليات سطو واعتداء جارية في قلب العالم العربي من قبل مستعمرين ومستوطنين.

كل مسألة السيادة، كل هيبة الزعامة، كل النقاشات والصراعات، كل التنظير للتقاسم وللطوائف كلها سفاسف وصغائر، كلها هباء أمام فضيحة النظام العربي والفلسطيني هذه، أنه مستكبر على مواطنيه، فاقد للسيادة عاجز أمام ممارسات لاستعمار استيطاني متصاعدة وتزداد وقاحة بعد كل صورة مشتركة في أنابولس أو غيرها، وبعد كل جلسة مفاوضات، وبعد كل خطاب عرمرم في حالة من ما زال يخطب...

لن يغفر الله للزعماء العرب المؤمنين بالله، ولا التاريخ للمؤمنين بالتاريخ، ولا الشعوب لمن ما زالوا يتحدثون بالشعوب، وسوف تتخلى حتى المصلحة عمن يتحدث ببراغماتية عن المصالح بدل الإيديولوجيات...لأنهم لم يتمكنوا من حماية فلاحين عرب وهم يقطفون زيتونهم كما اعتادوا من قرون، ولم يحركوا ساكنا كدول لا سياسيا ولا حتى دبلوماسيا لمنع اعتداء مستعمرين مستوطنين عليهم في قلب المنطقة العربية. نحن لا نتحدث هنا عن مذبحة تزعزع الدنيا ولا عن حرق مسجد، ولا عن حدث استثنائي. نتحدث عن الأمر اليومي العادي الموسمي السنوي، نتحدث عن قطف الزيتون. عاديته وعادية منعه وتحول هذا المنع إلى روتين هو الامتحان الكبير، وهو المؤشر على أن النكبة ليست حدثا وقع لتحيا ذكراه بل واقعا ممتدا وعاديا.

مع تقديري ومحبتي واحترامي لوقفتكم هذه
عزمي بشارة



___________
*تعني حرفيا سلطة (أو أمانة) التطوير..

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"