كلمة المفكر د. عزمي بشارة في تأبين شقيقته د. روضة عطا الله

كلمة المفكر د. عزمي بشارة في تأبين شقيقته د. روضة عطا الله

 أخواتي وإخواني،

ماذا كنت سأعطي كي أكون اليوم بينكم؟!
مرة أخرى سوف أستعيضُ عن الكلمات بالكلمات، وعن الصمتِ بالصمت.
صمتٌ في كلامٍ، وكلامٌ في صمتٍ، تنقضي الحياةُ ولا ينتهي.
قلت يومًا "إن المنفى حزنٌ من خارج السياق". كان ثقيلَ الوطأةِ هذه المرة.

سأقول لكم اليوم شيئًا عن أمورٍ لا أتطرّق لها عادة. سأقول لكم اليوم شيئا عن علاقة الأخوة والأخوات. كنا خمسة في بيت والدينا حيث تعلمنا كما يبدو أبجدية تفضيل القيم على النجاح، والعلم على الثروة، والجمع بين العقل والعاطفة، وأن العاطفة ليست عيبًا.

قيم الحرية والعدالة والمساواة بين البشر هي ذاتها التي حصّنتني من الأيديولوجيات الإطلاقية والعقائد الشمولية وتقديس الشخصية التي سمعتُ عنها في البيت وخارجه وكادت تسبيني؛ وهي ذاتها القيم التي دفعتني للتخلّص منها.

تعلَّمنا أن الخلافَ على الأشياء المادية الزائلة غيرُ جائزٍ، ولا حتى كاحتمال؛ فهذه أبجدية علاقة المحبة غير المشروطة التي يُفترضُ أن تجمعَ الأشقاء.
وحدَها الأمورُ المعنوية المبدئية تستحقُّ أن نختلفَ عليها حتى لو كنا أخوة. وأحمدُ الله أن هذا لم يحدث.

أما روضة فكانت إضافة إلى كل ذلك رفيقة درب؛ إذ انضمت بحماس إلى ما كنت أعمل على تأسيسه مع رفاق ورفيقات؛ أقصدُ المشروع الوطني لعرب فلسطين الباقين على أرضهم بتشعباته الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية.

كانت كما تعلمون سريعة في تحويل العلاقات الرفاقية إلى علاقات حميمة، وهي التي لم تحوّل حرمانها من الأبناء إلى سخطٍ وغضب ونقمة على الدنيا، بل إلى إقبال على الحياة، وحبٍ وحنان يتسع لأبناء الآخرين ويحتضنهم.

تبادلنا الأدوار في الأيام الصعبة، أحيانا كنت أنا والدها، وأحيانا كانت هي والدتي، ولأن ابنتي وابني لم يعرفا جدًا أو جدةً، لا من طرف الأم ولا الأب؛ فقد كانت بمثابة عمّةً وجدّةً لهما في الوقت ذاته، وإلا فلست أفهم شيئا من علاقتها معهما.

انحازت لي أكثر مني بالتأكيد. وكانت الأقلّ تقبلًا للنقد علي، ولا سيما حين كانت دوافعُه غيرَ موضوعية، ربما لأنها كانت تعرفُ حجمَ المشقّةِ وقدرَ المحبة، وتعرفُ أني لا أردُّ على أحقادٍ. ولأنها كانت تعرف ما يخالجني من حزن حين تنحطُّ أساليبَ الأحزاب التي لا تعرف قيمًا ولا أخلاقًا، وتعرف ما أشعر به ضد من احتلوا بلادنا، وتجاه وشاتِهم، وتجاه المنافقين والانتهازيين من بيننا، ولأنها كانت تعرف أني أمارس السياسةَ كنضالٍ وموقفٍ لا كامتهانٍ واحتراف.

تذكرون تجوالي في قرانا وبلداتنا طوال أعوام التأسيس والعمل، كان التوقف عندها (وعند الصديق والأخ الياس عطالله) لإيقاظ الحواس التي تخدّرت في الجلسات الطويلة والنقاشات التي لا تنتهي. هنا كنت أتنشّق رائحةً منزليةً مألوفةً، وأتذوّق طعامًا بيتيًا، وأتمتع بالإحساس بالدفء للمبيت، إذا اسعفني الوقت للمبيت. كانا يحتضناني.

ولأن وقتي لم يعد ملكي، ولم أتمكّن من الوفاء بالالتزامات الاجتماعية والعائلية المحضة، فقد استوفتها جميعًا من أجلي، ومن أجلها... هذا إضافة إلى عملها المهني؛ ثم كمديرة لجمعية الثقافة العربية، التي مرت بمراحل كان فيها الدعمُ شبهَ معدومٍ؛ ولم يكن غيرها من يقبل العمل بإخلاص لأكثر من عام بلا راتب. كانت جمعية الثقافة العربية بيتها الثاني وعملها الذي تعلّمته من خلال ممارسته بتواضع وتفان، حتى أتقنته بشكل يصعّب إيجاد البديل. لأنها لم تكن مجرد موظفة، ولم تتكبّر على أي عمل، فهي مديرة التفاصيل والجزئيات والرؤية الشاملة. ولم تعرف ساعات عمل رسمية، فالمهم أن ينجز العمل. هذا نمط المناضلين.

أعرف ماذا حلَّ بها، كم بُتِر منها حين خرجتُ إلى المنفى، وكيف كثّفت نشاطها، وأصبح الجميع أخوتَها وأبناءَها. اجتمعنا جميعا في زيارتها الأخيرة والمؤلمة في بيتي، كانت تشعر بالسعادة رغم الألم ووهن الجسد لأننا سوية تجمعنا المحبة الخالصة، والألفة التي تحتوي التجربة الطويلة. ضحكت وبكت، وراجعنا الذكريات وذكرناكم جميعا بالخير.

من يعمل أيها الأحبة من منطلق الإيمان بالعدالة، ويواجه يوميا من يعتبرون كلَّ قضيةٍ وسيلةً، ويتعاملون حتى مع الإنسان كأداة للانتهازية الشخصية، أو لما يظهر كقربان على مذبح فكرة شمولية، يلجأ عند التعب إلى من يشاركه إيمانه كي يستريح.

من يضطره العمل إلى مواجهة الكثير من الكذب والنفاق يسمح لنفسه بتنهيدة عند من يشاركة الصدق.
من يناضل ويضحي ويشاهد الذين يستهلكون الشعارات والقوالب الجاهزة بلا مشاعر يجد نفسه في أمس الحاجة لشركاء في النضال.

من يخلص لموقف أخلاقي أو قيمة وطنية أو إنسانية ويبقى راسخا فيها، ويشخّص خلف ضباب الشعارات وتدفق الكلام والثرثرة أن البعض يخلص لطائفة وينتقل معها، وآخرون يخلصون لدول وأنظمة ليس لمواقف مبدئية، أو يتخذون مواقف لنرجسية، أو لمصلحة، أو فقط بالضد من خصمهم السياسي. يحتاج أحيانا إلى من يتأمّل معه بصمت.

من يعمل بحب غير محدود للوطن والناس ويواجه من ينشرون الحقد يحتاج أحيانًا إلى من يحبُّه حبًا غير مشروط.

من يغضب على الظلمِ، الممارس ضد البشر وضد الحقيقة، لا يحتاج دائما إلى من يهدّئ من روعه، بل ينقصه إلى جانبه من يغضب أكثر منه لكي يهدأ، فلا شيء يهدِّئ من روعِك أكثر من أن ترى حولك رفاقا يغضبون من أجل الحق والعدل، وأن تضطرَّ أنت إلى تهدئتهم. أعرف قيمة هذا، وأريدكم أن تعرفوا أنه لا يجوز أن نفرّط بمثله. فحافظوا عليه عندكم وفيما بينكم. هي أشياء لا تُشترى.

هذا كلام الحياة لا كلام الموت.
لن تدرك موت الحبيب فلا تجتهد. لا يغيبُ الموتُ ولا يحضرُ.
لا يزيدُ الموت ولا ينقص.
الفراق المديد في حياتك أنت. هنا منفاك. ولن ترأف بك الذاكرة. وسوف تنقصُ أنت.
لن تفهم اللاشيء، فلا تكره ما لا يُحَبُّ ويُكرَهُ؛ ولا تحقد عليه.
وفّر نقمتك للقاتل المغتصبِ. لا تصفح عن قتلة الأطفال. ولا تسامح الصمتَ على قتلهم!
دعك من كلام القضايا. فسوف تخسرُ ذاتَك إذا أصبحت كفيلَ القاتلِ المغتصبِ.
ليست القضيةُ العادلة ملجأَ الأنذال. وسوف تخسرُ كلَّ شيءٍ حين تبرّر الظلمَ، إذ تدلي بشهادةِ الزور.
القضايا السامية تسقط في حضيض الهاوية حين تبيع صكوك البراءة.

الحقَّ الحقَّ أقولُ لك، لا تزهر الفضيلةُ إلا في انتماء لجماعة من البشر، ولكن إياك إياك أن تواليَ من أحلّوا العصبيّة لفئة وطائفة من البشر محلَّ القيم.
أنت في العصبية جسدٌ بل روح، وغريزة بلا عاطفة، وعاطفةٌ بلا قلب، وقلبٌ بلا عقل، وعقلٌ بلا قيمٍ، ووسيلةٌ بلا غاية، وأداةٌ لأهداف الآخرين.
في التعصّبِ تتنكَّرُ الغرائزُ بلبوسِ العاطفة.

ميّز بالعقل والقلب بين العواطف الجياشة وتجييش العواطف؛ بين تأجيج الغرائز، والانتماء المتوهّج بالمحبة؛ بين الكراهية للآخر المختلف، والغضب ضد الظلم ومن أجل الحق والعدل!
لا تصادق من يعادي فرحَ الناس في تفاصيلهم الصغيرة!
لا تنقم على الموت، بل على من ينشر الموتَ والدمار.
احتفظ بنقمتك لمن ينمو على الأشلاء والجثث، ويستهلك تعاسةَ الغير!
لن تجد للموت معنى.

رثيت لحال الباحثين فيه عن معنًى فقدوه في الحياة، لولا أن التجارب علمتني أنّهم خَطَرٌ.
حاول أن تجد معناك في الحياة. لكنك لن تعثرَ على شيء إذا قاربْتَها كتقليعةٍ أو شعار. ولا تنادي! فلا حياة هناك لمن تنادي.
أنت تصنعُ المعنى في حياتِك أنت وفي حياة الآخرين؛ في الحبِّ وفي تفاصيلِ الناس الصغيرة والكبيرة.
ليس من معنى ما وراء الحب، أو ما وراء الفرق بين الخير والشر، أو خلف الفصل ما بين العدل والظلم. هنا الجحيم والجنة. وليس من أخرى.

ليس الموت خيارًا. لكن قد يتاح لك أن تقرّر كيف تنهي حياتك.
ليست الحياة خيارًا. فاجتهد أن تقرّرَ كيفَ تعيش. هنا أملُك، ليس من أملٍ سواه. عش لهذا الأملِ، عش للأبدِ!
موتُك غيبٌ. لن يعرف الباقون إلا حضورَك... فاجعل الخاسرَ من لم يعرف حقيقتَك الجميلة!

أخواتي وإخواني، عزائي أنكم هنا على أجمل أرض.

زرت قرية إقرث الساحرة مرّاتٍ عديدةً تضامنًا مع أهلها المهجرين. لقد استودعتُم في أرضِها جزءًا مني، أنا الذي لا أعرف حتى إذا كنت سوف أُدفن في قرية والدي الساحرة القريبة، الواقعة إلى الشرق منها.

أشكركم جميعا رفاقي في الحركة الوطنية في الجليل والساحل والمثلث والنقب، وأشكر أصدقائي، وأصدقاء روضة الشخصيين، والعاملين في الجمعية وأشد على أيدي الشباب من أبنائنا وبناتنا الذين يكملون المسيرة، وأشكر الأهل بيت عطا لله (أشقاء الياس وعائلاتهم بشكل خاص) وعائلتي حنا وبشارة في الرامة وترشيحا. أشكركم على أنكم دائما هنا.