عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (2)

عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (2)

نشر الدكتور عزمي بشارة، اليوم الإثنين، 11 خاطرة أخرى عن أزمة فيروس كورونا المستجد الحالية ولأزمنة أخرى، كما كتب عبر صفحته في "فيسبوك"، بعد أن كان قد كتب الجمعة الماضي 13 خاطرة سابقة، وجاء في منشوره اليوم:

1. التفكير بمصير الإنسانية في زمن الوباء لا ينفصل عن القلق على الناس الذين تحبهم والتفكير بمصائر من لم تعد على صلة مباشرة بهم. لا تعود مفاهيم مثل الإنسانية والعالم والبشرية مفاهيما مجردة. أنت مهتم فعلا وعينيا بأحوال كل بلد، القريب والبعيد، أصبحت أرقامه التي تهمك هي عدد المصابين فيه، وعدد الوفيات، والإجراءات التي يتخذها، وسلوك المجتمعات المختلفة حيال الوباء.

2. حضور الموت المستمر في الفضاء الذي لم يعد ينفصل فيه المجال الخاص عن العام كثيرا يهمش مواضيع أخرى مهمة.

3. الوباء يعيد الدولة حتى بالنسبة لأولئك الذين أخطأوا في نعي الدولة، وكل منظري الـ"ما بعد" على أنواعهم. في الأزمات يتطلع الناس إلى الدولة. إنها المرجع، الإطار الوحيد المنظم القادر على التصدي. هي التي تقرر الإجراءات ومدد الإغلاق ومنع التجول. هي التي تحدد الميزانيات المخصصة لمكافحة المرض. حدودها هي المرجع في تصنيف "نحن" و"الآخرين".

أول ما يهمك هو أرقام المصابين والمحجورين والمعالجين في الدولة، وعدد الفحوص التي أجريت، وعدد المتعافين، وعدد الأسرة وأجهزة التنفس في مستشفيات الدولة التي تعيش فيها.

4. لكنك لا تعرف كيف تميز الخطوات المتخذة ضد المرض هل هي مدروسة فعلا، أم ناجمة عن عجز، أم استجابة لضغوط الرأي العام. كما أن الوباء العالمي يبين نسبية الحدود، وتواضع إمكانيات الدولة.

5. لا تتوقف هنا، أنت تتابع ما يجري في العالم أجمع. ولأول مرة تهتم بمتابعة يومية لتقارير منظمة دولية ومؤتمراتها الصحفية.

6. أنت تدرك أن خطوات الدولة وإجراءاتها تشبه خطوات دول أخرى. أصبحت هناك مدارس دولية في التعامل مع المرض. يحيرك أن وسائل الإعلام تميل إلى المقابلة بين تطرفين: الصين وإيطاليا، مثلما تقسم الدنيا عادة في السياسة والرياضة. ويحيرك إعجاب البعض بالصين التي تسترت على المرض وأسهمت بانتشاره في تسترها هذا، وأن نموذج كوريا الجنوبية الأنجح لا يثير اهتمام أحد سوى منظمة الصحة العالمية التي تبنته.

7. أنت تتابع أبحاث العلماء في مختبرات دول أخرى وقارات أخرى وتجاربهم بشأن اللقاح والعلاجات. (التي ينتظر نتائجها أيضا من يكفّر الباحثين والعلماء، مثلما استفاد من منتجاتهم في السابق، ومثلما يفعل ذلك الآن عبر أجهزة ووسائل تواصل أنتجها هؤلاء الكفار). ستتواصل القطيعة والتنافر الإدراكي بين التفكير والممارسة. فهذه أمور لا يحلها التعامل مع الوباء.

8. أنت حانق على شخص مثل ترامب ما زال سلوكه يدل على أنه يعدُّ شخصَه هو الموضوع الوحيد، وبعده بمسافة طويلة جدا تأتي أرقام البورصة موضوعه المحبب، والذي لا يفقه فيه شيئا أيضا.

9. أخيرا تنمّطت الأكاذيب والشائعات حول الوباء، أصبحت تعرف ما يفضل أن تقرأه، وما عليك أن تتجنب حتى إلقاء نظرة عليه. ثمة مرضى بهوس لفت النظر وطلب الإعجاب والاعتراف بواسطة نشر الصور المزيفة والشائعات لا يوقفهم لا وباء ولا حرب عالمية، وعلى نحو متناقض حتى الوباء لا "يعالج" المرض الذي ابتلوا به.

10. تفكر باستمرار في عقم التفكير المتواصل بالتعقيم. ماذا عقمت؟ وماذا نسيت؟ وقبل ماذا وبعد ماذا؟ وما فائدة كل التعقيم الذي قمت به إذا لم تفطن إلى تعقيم نظاراتك طوال الأسبوعين الأخيرين؟

11. وشيء واحد يعيق تركيزك، فشلك في تحويل حركة اليد إلى الوجه إلى حركة إرادية، فشلك أن تعيها وتدركها. أنت عاجز عن التحكم بها مهمها حاولت. وعندما تفكر بها يبدأ موضع في وجهك (مختلف في كل مرة) بالإلحاح أن تحكه بيدك، وكلما صمدت في امتناعك عن لمس وجهك تمادى في الإلحاح، وأخيرا يصبح كلي الحضور لا يحررك منه إلا قيامك من مكانك لكي تعقم يدك وتحكه أو تفركه بعصبية المنتقم، هذا إذا لم تقم بعشر حركات لا إرادية إلى وجهك في طريقك إلى المعقم.