عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (3)

عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (3)
عزمي بشارة في لقاء سابق (تصوير شاشة)

نشر الدكتور عزمي بشارة، اليوم الثلاثاء، 6 خواطر أخرى عن أزمة فيروس كورونا المستجد الحالية ولأزمنة أخرى، كما كتب عبر صفحته في "فيسبوك"، بعد أن كان قد كتب أمس الإثنين 11 خاطرة سابقة، وجاء في منشوره اليوم:

1. كثر أنبياء الغضب الذين يحمّلون التطور و"التقدم" ونمط الحياة المعاصر المسؤولية حتى عن الوباء. يمكن تحميل التقدم والتطور المسؤولية عن قضايا البيئة، وكذلك الحروب الحديثة المدمرة، وصولا حتى إلى الأمراض النفسية واغتراب الفرد في المجتمع وأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري والكوليسترول. والقائمة طويلة، فاختر ما شئت! لكن الأوبئة ليست ضمن القائمة.

عرفت الحضارات السابقة الأوبئة المميتة المدمرة بمقاييس لا يمكن تخيلها (الطاعون، والتيفوس، والكوليرا، والحمى الصفراء والقائمة طويلة أيضا)، ولم يكن ثمة طب أو علم أو مجتمعات منظمة في دول. اجتاحت الأوبئة المؤرَّخ لها بالتفصيل قارات بأكملها منذ الطاعون في القرن الرابع عشر عدة مرات من دون طائرات وقطارات، فحتى الذباب أسهم في نقله، فضلا عن البعوض والجرذان. حصدت الأوبئة حياة الناس المرعوبين من هذا المجهول الذي بدا عقابا إلهيا.

حتى المشعوذين والكهنة هربوا، وخلت مدن ومناطق كاملة من الحياة، ولم يبق في حالات كثيرة من يدفن الأموات. أما في عصرنا فأصبحت الأوبئة أكثر ندرة وأقل فتكا، وذلك بفضل العلوم النظرية والمخبرية والطب وما أنتجته من لقاحات وعلاجات، والمجتمع المنظم، وعوامل كثيرة متداخلة تتعلق بتطور الإنتاج والنظافة والسكن وعادات البشر الصحية، فازداد عدد سكان الأرض وطالت أعمارهم بتناسب طردي مع التطور الاجتماعي الاقتصادي، وقلت وفيات الأطفال، وتحسن الغذاء والدواء. وقد يعتبر البعض هذه الأمور لعنة أيضا، ولكن هذا موضوع آخر.

2. نضيف إلى الخاطرة الأولى "والله أعلم".

3. قلبي ليس مع الفلاسفة الذين سنحت لهم فرصة للاستفراد بجمهور أصبح أقل انشغالا وأكثر عرضةً للتأملات عن معنى الموت، فليس للموت معنى، والأجدى أن يفكر الفرد في معنى لحياته، وليس في معنى الحياة. لا أتعاطف مع الغاضبين الذين يقومون بمقارنات تاريخية خارج السياق التاريخي (أي غير تاريخية)، وليس عندي سوى الضجر والسأم لناشري الشائعات على أنواعهم (مع الفارق الكبير بينهم وبين من سبق ذكرهم). قلبي مع الأطباء والممرضات والعاملين في المشافي، والعاملين في الزراعة وقطاعات الإنتاج ومحطات توليد الكهرباء وشركات المياه والاتصالات، ونعم العاملين في الشرطة والأمن الوطني (اسمحوا لي هذه المرة!)، والإعلاميين الذين يؤدون دورهم، والمتطوعين، وغيرهم كثيرين.

4. سوف تضطر الدول قريبا إلى التفكير بجدية بطول مدة الإغلاقات على أنواعها، فسوف تظهر تداعيات تعطيل مرافق تبدو لأول وهلة غير حيوية على العمل والإنتاج في المرافق الحيوية التي ما زالت عاملة؛ فمن المرجح أن يحصل تشويش في إسناد المرافق الحيوية، ومنها الصحية، وتزويدها بما تحتاجه من غذاء ومعدات ودواء وغيرها. ولا أتحدث عن الآثار على الاقتصاد الكلي، فهذه قصة أخرى، بل عن الأثر الفوري المباشر على حياة الناس التي تهدف الإجراءات إلى حمايتها.

5. أفكر بالمرضى المصابين بأمراض خطيرة غير كورونا الذين، في زمن كورونا الذي لا شريك له، سوف يخجلون بعد قليل من التصريح بذلك، أو حتى طلب الطبيب حين يتألمون وسوف يترددون كثيرا قبل التوجه إلى مستشفى حين يصابون بنوبة.

6. كانت الأوبئة عبر التاريخ من أسباب وقف الحروب منذ التقارير الأولى عن حرب البليبونيز التي كانت فيها أثينا على شفا الانتصار قبل أن يضربها الوباء (يقال الطاعون ولكن لا نعرف). وربما كانت الحمى المسماة خطأ الإسبانية (فربما كان مصدرها أصلا المعسكرات الإنكليزية المكتظة في فرنسا أو حتى الولايات المتحدة) من أسباب وقف الحرب العالمية الأولى.

لكن حفتر (هل لدى أحد أي طاقة للتفكير بهكذا شخص حاليا؟) لا يكترث بالوباء ولا يعتبره سببا كافيا لوقف قصف طرابلس، ولا يبدو أن أطراف الصراع في اليمن تأبه به، أما النظام في سورية فيواصل حربه على شعبه، وسوف ينتصر على الفيروس كما انتصر على "جراثيم الإرهاب"، وقد يختار الرد على الفيروس "في الزمان والمكان المناسبين". كل شيء وارد في هذه المنطقة المنكوبة المصابة في روحها وجسدها.