بشارة سقراط: في رثاء الضمير الإسرائيلي الجمعي../ عبد الرحيم الشيخ*

بشارة سقراط: في رثاء الضمير الإسرائيلي الجمعي../ عبد الرحيم الشيخ*

من شاشة جزيرة ليس في ألوانها جديد سوى حُمرة لم تستطع المساحيق إخفاءها في العيون الساهدة، يطلُّ عزمي بشارة ليدفع عن نفسه مجاز التهمة على نحو مجازي. تتربص به عينُ الكاميرا العربية، ويستعدُّ لصوته صيوان الأذن الإسرائيلية الصمَّاء، فيفاجِئُ الجميع بالابتعاد عن المفاجآت حينَ يتحدث عن التُّهم، وينفَذ من سُعار حملة التحريض ضدَّه، بالمجاز الفلسطيني البليغ: مُرافعةٌ حقوقية على طريقة "بيت بيوت" تدفع بالذهن بعيداً أو قريباً لاستدعاء قنطرة أخرى لعبور العبث، فلا يجد.

يلجأ عزمي بشارة، نتيجة لـ"أمر منع النشر" الذي أصدرته الشرطة الإسرائيلية حول ما سيتم تكريسه كـ"قضية بشارة" التي بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية الترويج لفصلها الجديد، ودحرجة كرة ثلجها الأسود من التهم، منذ منتصف آذار الماضي.

وهنا، ليس للفلسطيني، الحقيقي الذي اختار المجاز وسيلة للحياة داخل فلسطين، أو المجازي الذي اختار الحقيقة وسيلة للحياة خارجها، ولا لإخوته في الإنسانية والحرية في أربعة رياح الأرض.. ليس لهم إلا رفع القبعات لعزمي بشارة على بلاغةِ مجازه المؤقَّت. وليس للإسرائيلي الـمُتفرِّد عن "الأغيار" بوهم التفرُّد، والذي لن يغادر أرض مجازه المبتذل وأرض وهمه، إلا أن يتحمل تبعات لُعبة المجاز التي زجَّ بأحد بُلغاء الحقيقة إلى الدخول في دهاليزها حين أُجْبِرَ على التحدُّث بالإشارة وهو يحمل شَارة سُقراط، وبشارتَهُ،من غير سوء.

ليست الناصرة أسطاغيرا، ولا بشارة سقراط. ليست إسرائيل أثينا، ولا أولمرت بيريكليس.. ولكن المجاز يتسع للجميع، والكنايةُ أنثى دائمة الشوق لمن يخرجها من جور السكون ولعنة الجبر إلى عدل الحركة وبركة اللامتثال حين تتقنُ فعلَ الحُبِّ وهي تنزلق من يد الـمُحِب كأنها لغيره، ولا تدنسُها يدُ الغير لأنها دائماً للـمُحِبْ. ولذا،فما ضرَّ إن تحدَّتنا عن إسبارطيةِ أثينا، أو أثينيِّة إسبارطة في رحاب التناقض الفج للديمقراطية الإسرائيلية؟ وما ضرَّ أن نأخذ بمبدأ أن كل الذوات، فردية وجمعية، فيها من الخير، وفيها ومن الشر، وأن "الاختلاف إنما يكون في الدرجة"،كما يؤسس نيتشه؟ أليس في أثينا كثير من إسبارطة؟ أوليس في إسبارطة قليل من أثينا.. التي "لن تنهار فينا" إلا بما يتيحُهُ المجاز من مراوغة؟ أننا، هنا، نطلقُ للمجاز أعنَّته، لندافع عن الخير بالفم الملآن ولا نخشى. ندافع عن قضية عزمي بشارة بوصفنا مثقفين ننتصر للجميل بوصفه خيراً هشاً، وللحق بوصفه جمالاً سرياً لا بد من إخراجه إلى حيز النظر والمعاينة لمن لا يبصرون إلا بعين القرصان، ولا يتوسلون للتقريب إلا منظاره ذي المثقب الواحد ليعاينوا جزيرة سيحتلونها، أو سفينة سيغيرون عليها، أو قوماً سيغزونهم.

لقد كان سقراط، بوصفه عقلاً طليعياً، عضواً في مجلس الخمسمائة الذي حاكمه، تماماً كما هو عزمي اليوم عضو في الكنيست، أو مجلس المائة وعشرين، الذي ينوي محاكمته ثانيةً. ولقد فضَّل سقراط دائماً، وعلى نحو تطبيقي لا نظري، أن يضع الحقيقة فوق الحياة عندما فضل الموت على كسر القوانين وخرقها لأنه كرس كل حياته لتوطيدها وتعليمها للناس على أساس حقوق المواطنة. ولقد رفض اقتراحات الهرب، لأنه ما من وطن بعد الوطن الذي تُكسَر فيه القوانين، وتنتهك كرامة الإنسان، وتُقوض أسس تعاليمه الأخلاقية والسياسية. ولقد كان سقراط أنموذجاً لمساجلة عقول الشباب واستهوائهم للفكر والفلسفة، والحكيم، غير المتأله، شديد التعلق بشعبه، والمحترق في الدفاع عن قضاياهم... تداعيات شتى، وإحالات لا تنقص بريقها حرفية التشابه، بين بشارة سقراط، وسقراطية بشارة.

أقول، إن سُعار الحملة الإسرائيلية الأمنية، التي بدأت تترجم ذاتها إعلامياً وشعبياً، ضد عزمي بشارة لا تذكر المرء إلا بقضايا المحاكمات الكبرى التي استبد بها الجهلُ على العقل، وطغى العبثُ فيها على الحكمة، وأُلزِمَ الحكماء ألا يرُّدوا على متهميهم إلا رمزاً، أو إشارة، أو تقيِّة، أو صمتاً. وفي هذا المقام، الذي غدا فيه عزمي بشارة "لغزاً"، لا يسع المرء إلا استدعاء محاكمة أخرى للغز آخر هو سقراطُ أثينا الذي فيه، وفي متَّهميه، وفي هزيمة نظامه التي قادت إلى محاكمته، ما يغوي بالمقارنة. لكنه، وقبل الولوج في مقارنة، أسسنا سلفاً أنها معركةُ مجاز أخرى في حرب المجازات الكبرى بين الفلسطينيين ومُستَعمِريهم الإسرائيليين، لا بد من توضيح فرق قد يربكُ عِفَّة المجاز.

يتعيَّنُ هذا الفرق في أن سقراط كان مواطناً أثينياً، ومحارباً في حروبها، شاهداً على نهضتها، وشهيداً جرَّاء جور جنرالاتها المهزومين في حروب البلوبونيز. أي، إن سقراط كان عضواً في مُتَّحَدِ أثينا المِلِّي، والسياسي، والثقافي. أما عزمي بشارة، فعربي فلسطيني، صاحب مشروع ثقافي، وسياسي، وحضاري مغاير لخاصة الدولة التي هو مواطن فيها، هو أثيني-مثالٌ، لا أثينيٌ-واقع. وهو،في أشد الأوقات حُلكةً، حين تبلغ القلوب الحناجر، لا يفتأ يعلنها على الملأ: أن أصدقاء إسرائيل ليسوا أصدقاء الأقلية العربية الفلسطينية وأصحاب البلاد الأصليين الذين صاروا جزءاً من مُتَّحَدِها الـمُواطَني. وهم، بالقطع، لم ولن يكونوا جزءاً من بنيتها القومية أو المِلِّيَّة أو الأمنية. ولذا، فإن أعداء إسرائيل ليسوا أعداءَ هذه الأقلية الأصلية. أي إن العرب الفلسطينيين الذين صاروا مواطنين في إسرائيل ليسوا مضطرين لتبرير سياساتهم في الصداقةِ والعداء لـمُحتَلِّيهم الذين استبدلوا مشروع حداثتهم، جغرافياً وديموغرافيا وثقافياً، بمشروع صهيوني شوفيني بديل لا ينتج إلا سياسات التمييز والحصرية. وبالتالي، لا يخجل عزمي بشارة، ولا يخشى من إضافة ما يقوله لقائمة التهم، حين يؤسِّسُ أن تناقضاً وجودياً يكمن بين المشروعين، وأن محاولة المواءمة محكومة بالفشل من باب الضرورة.

ولذا، فقد انبنى على هذا الفرق الجوهري تراكم تاريخي في علاقة مواطني إسرائيل العرب بالدولة حدا بهم إلى انتهاج خط سياسي ُيَقارِبُ المهمة الصعبة في مُشاركة المستعمَر للمستعمِر بالمواطنة التي التهم المستعمِرُ حدَّها الأكبر: الوطن! وعلى امتداد ما يزيد على عقد من الزمان عمل عزمي بشارة على اختبار ما أنضجه من منظومة فكرية وسياسية للأقلية الأصلية في البلاد، على أرض الواقع لا في سماء المثال، عبر تأسيس "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي كرَّس نفسه لإدناء يوتوبيا "دولة كل المواطنين" من توبيا "المواطنين" الذين بلا دولة ولا مواطنة كاملة، أي للعمل على تحويل إسرائيل من دولة تُشرعِنُ العنصرية في مؤسساتها القضائية والسياسية، إلى دولة تتحقق فيها المساواة حسب مقولة "دولة لكل مواطنيها" التي كان، وسيظل، من شأنها أن تنفي وصمة التناقض الوجودي بين "ديمقراطية" إسرائيل و"يهوديتها".

وعليه، نقول: قد ينجح الجلاد الإسرائيلي في إقناع نفسه والعالم بأن على الضحية الفلسطينية أن تخضع لعبث احتكاره لدور الضحية العابرة للتاريخ والجغرافيا، لكن أن يحاول إقناع الضحية نفسها بأن تكف عن حب ما تُحب وكُره ما تكره، فتلك تجربة في العبث لم يجترئ عليها أحد من قبل. أن يفاجئ الجلاد بعدم حب الضحية شيء، وأن يطلب إلى الضحية أن تبرر عدم حبها للجلاد، فتلك مسألة لا سبيل إلى فهمها إلا بوسم هذا الكيان ووصمه بالجنون واللاعقلانية،وصوغ المرثيات لضميره الجمعي.

نعود للعبة المجاز، فنقول، إنه بالرغم من احتقاره للسياسة، لأنها لعبة السطح بامتياز، وابتذاله لممارسة أي منصب رسمي يستتبع بعض المسؤوليات، إلا إن بشارة، تماماً كسقراط، كان مضطراً لأن يلعب دوراً سياسياً نشطاً لتأكيد ذاته الجمعية بمواجهة مواطنيه غير العرب ومعارضة الأغلبية منهم، كمدافع عن المساواة والعدل والحرية. وإذا كان آخر المقولات الفلسفية والسياسية لسقراط أنه يجهل ما هي الفضيلة، فإن عزمي بشارة حددها في أول مقولاته بـأنها"دولة كل مواطنيها"، التي رسم صورته وصورة أقليته القومية فيها في ميثاق حزبه، إذ "قام التجمع الوطني الديمقراطي بهدف إعادة صياغة الحركة الوطنية داخل اسرائيل في حزب واحد يعمل على المحافظة على الهوية القومية للأقلية العربية في إسرائيل كما يعطي الوعي القومي بالعروبة والإنتماء الفلسطيني والمواطنة المتساوية بعداً ديمقراطياً متنوراً. حزب التجمع الوطني الديمقراطي هو حزب وطني وديمقراطي في آن واحد. فهو يؤمن بالديمقراطية والتعددية والعدالة الإجتماعية والتسامح كما يؤمن بالمساواة بين الشعوب وبين الجنسين وبين الأفراد. ويستفيد الحزب في محاولته الفريدة الجمع بين الموقف القومي والوطني وبين الموقف الديمقراطي والتقدمي من تراث وتجربة وإنجازات وإخفاقات الحركات الوطنية في العالم العربي والحركة الوطنية الفلسطينية، كما يستفيد من تجربة اليسار في الشرق والغرب وفي أوروبا والعالم الثالث. لقد قام التجمع الوطني الديمقراطي من رحم أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية داخل اسرائيل. وبادر لإقامته عدد من الحركات الوطنية القائمة والأفراد المستقلين، ولذلك جمع في صفوفه تيارات وطنية متعددة اجتمعت على الهموم والمسؤوليات المشتركة كما اجتمعت على البرنامج المشترك والرؤية المشتركة. يقوم التجمع كحزب على أساس الإنتماء الفردي له، وعلى أساس وحدة القرار ووحدة الممارسة. وكانت كافة الفئات والتيارات التي شكلت التجمع قد عقدت العزم على صنع هوية مشتركة هي هوية التجمع السياسية والفكرية والإندماج الكامل في حزب واحد."

إن هذه المقولة المقتبسة من ميثاق التجمع وبيانه التأسيسي لتدخلنا، كما أدخلت عزمي بشارة، والتجمع، في غمار المهمة التاريخية في مقاومة الأسرلة، وتنسيب الشر، وتأسيس أخلاقية للمقاومة عبر التندُر الفذ بـ"ألاعيب الحقيقة" في الساحة الإسرائيلية، وأدواتها، عبر وضعها على جهاز الوجود التاريخي للجماعة القومية الأصلية، صاحبة الأرض، الجهاز الذي يفحص تاريخية تشكُّل ذواتنا من خلال علاقتها بالحقيقة لتصبح ذواتاً معرفية، وعلاقتها بالسلطة، لتكون ذواتاً تأثيرية، وعلاقتها بالاثنتين لتبقى ذواتاً أخلاقية. غير أن هذه المقولة الإنسانية أسهمت في زيادة تأليب المؤسسة الإسرائيلية على بشارة وحزبه، وعلى افتعال "لغز بشارة" الذي نعمل على تقويضه رغم إغواء المجاز وغايته.

ليس عزمي بشارة لغزاً، ولا يمت إلى ثقافة التلغيز بشيء، إذ هو بلاغة المقهورين من غير سوء. وصوتهم الذي لا يعرف المساومة. ولكنه، ما دمنا نتحدث عن سقراطية بشارة، أو بشارية سقراط، فليس ثمة من ضير في بحث إمكانية التقاطع في شُبهة "اللغز". إذ برغم منهحية عزمي بشارة وقدرته الحوارية العالية، وتهكمه السقراطي الفذ، إلا إن تحويله إلى لغز لا يزال عصياً على القبول. ومع أن مجموعة من الظروف السياسية والتاريخية شكَّلت من سقراط لغزاً، أطلق عليه "لغز سقراط" الذي عززته سخصيتا "سقراط التاريخي" و"سقراط الأسطوري" الشخصيتان الصنو لـ "سقراط أفلاطون" و"سقراط أكسينوفان،" إلا إن تاريخ أثينا، وبخاصة مابعد هزيمتها في حروب البلوبونيز لم يتغير بتخليق ذلك اللغز. غير أن عزمي بشارة ليس وهماً شعرياً مُبتَدعاً Bisharadishtung كسقراط أكسينوفان، ولا وهماً فلسطينياً كسقراط التاريخي. بل هو... الداعية الفذ والبليغ الذي لا ينقصه البريق لحق الفلسطينيين في الوجود وتقرير المصير، المنافح عن المظلومين، والمؤسس لمنهجية تعلّم المغلوبين كيف يكتبون تاريخهم، وإن كان تاريخاً للهزيمة، وإن كان الغالبون قد حققوا نصراً مادياً عليهم مرةً. إن حل لغز بشارة الذي تحاول ماكنة المكارثية الإعلامية الإسرائيلية تخليقه متاحٌ، لأنه مازال حياً، ولم يتحول بعد إلى "بشارة أسطوري" حتى نقع في مطب" أسطورية بشارة!" أي إن شخصية عزمي بشارة هي شخصية تاريخية لم تتأسطر بعد، وإن كان التعتيم على النشر يحاول "تكهيف" هذه الشخصية- الرمز ونسج خيوط الريبة حولها بدافع التحريض والدعوة إلى التصفية.

نعود إلى سقراط لنسأل: ما الذي حدا بأثينا أن تُحاكم أشهر فلاسفتها ومؤسس ديمقراطيتها؟ ففي العام 399 قبل الميلاد لم يكن ثمة من حدث جلل باستثناء الحكم على سقراط وإعدامه. ولكن ذلك الحدث لم يكن إلا التداعي الأكبر للهزيمة النكراء التي مُنيت بها أثينا في حروب البلوبونيز قبل أقل من خمس سنوات.. حيث هاج الأثينيون في صخب سياسي وجماهيري لم يُعرف له مثيل من قبل، متسائلين عن أسباب الهزيمة ومن يتحمل مسؤوليتها ومسوؤلية ما أورثته لأثينا والأثينيين من شقاء وبؤس.

هنا، يمكن الاطمئنان إلى القول بأن سقراط كان شاهداً على نهضة أثينا، لكنه كان شهيد خرابها. ففي سنة ميلاده 469 قبل الميلاد تحققت أشهر انتصارات أثينا على الفرس وأنهت تسلطهم على البحر المتوسط. وحين بلغ سقراط العشرين انتهت حرب الخمسين عاماً ضد الفرس بانتصار مؤزَّر لأثينا توالت بعده مجموعة من الانتصارات للديمقراطية والثقافة التي بلغت ذروتها في عصر بيريكليس من حيث تحول أثينا إلى مركز مديني ازدهرت فيه الديمقراطية وبلغت أوجها. غير أن سقراط كان "شهيد الهزيمة" الأكبر، كذلك، وقد بلغ الخامسة والستين.

لقد كانت تلك الهزيمة هي هزيمة أثينا من قبل الحلف الإسبارطي البلوبونيزي في الحرب التي دامت سبعة وعشرين عاماً متقطعة بين الحلف الأثيني-البحري وسمته العامة الديمقراطية، والحلف الإسبارطي البلبونيزي-الأرضي وسمته العامة الأوليغارشية. ولقد أدت طموحات الكونفدرالية الأثينية وجشعها، وتعارض مصالحها التجارية والسياسية والاجتماعية والاستراتيجية مع الحلف الإسبارطي، إلى اندلاع حرب البلوبونيز الأولى. هذا بالإضافة إلى سبب آخر، هو: انتهاء الأخذ بـ"نظام التراخي"، أي نظام الوساطات والتحكيم الدولي في حل النزاعات، وتحول حل النزاعات إلى الحسم بالحرب والقوة وحسب. إضافة إلى أن التعارض بين مصالح الكونفدرالية الأثينية والحلف الإسبارطي جعلت الحرب ضرورة، وخاصة بعد الصراع الذي نشأ بين كورسيرا (حليفة أثينا) وكورنثية (حليفة إسبارطة)، الصراع الذي يمنح بعض الجدوى لمقولات استنساخ التجارب التاريخية، أو ما يعبر عنه شعبوياً بـ "ما أشبه اليوم بالأمس"، إحالةً إلى ما عُرف بحرب الوكالة التي قامت بها إسرائيل ضد إيران نيابة عن أمريكا في لبنان!

لقد كانت حرب أثينا-إسبارطة البلوبونيزية حرباً لوضع حد نهائي لمفهومي "السلطة والتبعية" من خلال تكريس الحكم المديني الكونفدرالي أو سيادة التحالف الأوليغارشي الذي يشتق نظامه الخاص للولاء والتبعية دون التقيد بحكمة التحالف المديني الذي لا يخلو من الهيمنة والاستغلال. أما الديمقراطية الأثينية، فحالها حال الديمقراطية الإسرائيلية وراعيتها الأمريكية، كانت تشهد "عناقيدَ غضبٍ" من التناقضات. فقد كانت أثينا ديمقراطية في داخلها وقلبها الأثيني، لكنها غير ديمقراطية ولا متسامحة في الأطراف الكونفدرالية التي تربطها معها علاقة التبعية والاستغلال الاستراتيجي. ولذلك، فقد كان هذا السلوك الانفصامي داخل المركز الأثيني وفي الأطراف من حيث تعريف المواطنة ومنحها، والحقوق والواجبات المترتبة على احتيازها، عاملاً من عوامل انفصال المدن الجزيرية بعد هزيمة أثينا في معركة صقلية التي عرفت بـ"كارثة صقلية."

أقول، قبل حرب البلوبونيز، اشتهر النظام الإسبارطي الأوليغارشي بأنه يحاكم بسرية، ويفرض التعمية، فيما يحاكم النظام الديمقراطي الأثيني علانية ولا يفرض تعمية. ولكن أثناء الحرب وبعدها، أفلتت الديمقراطية من عقالها، وانضاف إلى ذلك طبيعة الشعب الأثيني أثناء الحرب، فلم يكن شعباً متوافقاً دائماً، وكان مزاجه دائم التغير، كما كان يفتتن بسهولة، ويغير رأيه بسرعة، وعنده حماسة وطيش في الروح القتالية للدفاع عن ديمقراطية أثينا الآخذة في التداعي على نحو يذكِّرُ بشعب إسرائيل أثناء الحرب الأخيرة على لبنان وما سبقها من حروب!

لم تحرز إسرائيل نصراً واحداً كنصر الأثينيين في جزر أرجينوز ليقلل من هزيمتها الساحقة في لبنان، بل كان سقوط أسطورة جيشها مدوياً كسقوط جيش أثينا وتفكك كونفدراليتها بعد "كارثة صقلية"، أو الهزيمة الأكبر لأثينا التي انفصلت بعدها المدن الجزيرية عن جسم الكونفدرالية وتفكك الحلف الأثيني. لقد كان انتصار أرجينوز الانتصار الأخير في حرب البلوبونيز، ولكن النتائج عموماً كانت كارثية. وما أشبه اليوم بالأمس. فبدلاً من الأوسمة ونياشين النصر التي كان من المتوقع أن تنتظر قادة الجيش والجنرالات العائدين من الحرب لنصرهم الشكلي الأخير في أرجينوز، كان في انتظارهم الأحكام القاسية وعواصف المحاسبة على الهزيمة، وأكثر ما في الهزيمة الأثينية من مرارة: وهو أن عاصفة بحرية، أو لعله الخوف والهلع والهرب، هبت بعد المعركة ومنعت الجيش الأثيني من انتشال بحارة البوارج، السليمين منهم والجرحى، وتجميع جثث "الشهداء" ليتم دفنهم حسب الشريعة الهيلينة وأعرافها الجنائزية، وبخاصة للمحاربين. وقد بدأ الحساب العسير لملاحقة المسؤولين عن هذه الهزيمة المرّة، وبخاصة بيريكليس وآسبازي، وأربعة آخرين من أصل ثمانية مخططين استراتيجيين للحرب. وقد أدخل في هذه المحاكمات نظام "التصويت السري" في إصدار الحكم كشارة تردي ديمقراطي للحكم القضائي في أثينا.

بعد هذه الهزيمة النكراء، والتردي الذي أصاب ديمقراطية أثينا، تم الصلح مع أسبارطة الظافرة وتأسس "حكم الثلاثين" الاستبدادي في العام 404 قبل الميلاد، الحكم الذي عارضه سقراط، وأكثر ما عارض فيه هو فكرة الانتخاب بحبة الفول أو بالقرعة.. إنها القرعة ذاتها التي جعلت واحداً كبيرتس وزيراً لـ"الدفاع" أو كأولمرت رئيساً للوزراء جرَّاء انزلاق فولة شارون من يده وهو على حافة التنبُّت!

ومع أن سقراط، على خلاف عزمي بشارة، قد اشترك في حروب الأثينيين، إلا إنه تم تقديمه للمحاكمة من قبل شاعر، ورأسمالي، وخطيب في العام 399 قبل الميلاد، تماماً كما يجري الآن مع عزمي بشارة. وقد كانت جرائم سقراط التي حوكم عليها، هي أنه:" متهم بعدم الاعتقاد بالآلهة التي تعترف بها المدينة الدولة وبابتداع غيرها. وهو متهم أيضاً بإفساد عقول الشباب. أما العقوبة المقترحة، فهي الموت." لم يشارك بشارة في الحرب، إلا بالقلم الذي استخدمه للنهي عن الحرب والدعوة إلى وقفها الفوري والشجاعة في قول فضائل الإنسان الذي لم تتوحش روحه حين يقاتل الوحوش. ولكنه، رغم ذلك، ولربما بسببه، مرمي بسيل من التهم التي على شاكلة تُهم سقراط!

ختاماً، أقول، إن ثمة مسؤولية كبرى على أصحاب الضمير الحي في الـمُتَّحد الثقافي والاجتماعي الإسرائيلي، وفي العالم، تصرخ فيهم: إنه صحيح أن شروط الصلح المذلة مع إسبارطة، أفقدت الديمقراطية الأثينية رُشدها، وأفلتتها من عقالها عندما نسيت حكمة هيراقليطس بأن "على الشعب أن يحارب من أجل القانون كما يحارب من أجل الأسوار"، وأنه "يجب التعلق بإطفاء التجاوز بسرعة أكثر من إطفاء الحريق." غير أنه لا ينبغي للهزيمة الإسرائيلية في لبنان أن تفقد أصحاب الضمائر الحية قدرتهم على المبادرة، ولا أن تعميهم بخمار الشفرة الكارثية والمكارثية للدين والقومية الإسرائيلية التي لا تكف عن هواجس الإحساس بأنها مهددة وهي صاحبة الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.

أقول: يجب عليهم ألا ينسوا خلاصة أفلاطون من محكمة سقراط وحكمته حين قال:"ظننت أن النظام الجديد سوف يضع حكم العدل مكان حكم الجور، وكرست له كل انتباهي لأرى ما سيفعله. فرأيت هؤلاء السادة في وقت قصير جداً وقد جعلوا الديمقراطية التي حطموها تبدو وكأنها العهد الذهبي! لقد ذهبوا إلى حد أمروا فيه سقراط-صديقي المسن الذي أتردد في تلقيبه بأعدل رجال عصره، أن يشترك في القبض على مواطن كانوا يريدون إزاحته عن طريقهم. وكانوا يبغون من وراء ذلك إشراك سقراط، أراد هو أو لم يرد، في أعمال النظام الجديد. وقد رفض سقراط الخضوع لهذا، واستعد لمواجهة الموت، مؤثراً على أن يصبح أداة لجرائمهم." ولذا، فإن على أصحاب الضمير الحي في إسرائيل والعالم أن يحاكموا النظام السياسي والعسكري في إسرائيل، النظام الذي أعلن الحرب واقترف جرائمها، لا أن يصطفُّوا في جوقة الفاشين البروتوسيين الذين يدعون إلى محاكمة عزمي بشارة، مَن دعا إلى إيقاف الحرب وتجنب ويلاتها.

إن الضمير الإسرائيلي بخاصة، والضمير اليهودي عامة، اليوم في امتحان جديد للنضال ضد إبقاء إسرائيل كجمهورية سادة Herenvolk Republic أو كفقاعة قيصرية. وإن بقاء إسرائيل كذلك لهو الخطر الاستراتيجي الأكبر عليها وليس العرب، كما صرح رئيس "الشاباك" الذي بدأ هذه الحملة الفاشية السافرة ضد بشارة والعرب في منتصف آذار الماضي. إن الخطر الحقيقي هو نسيان هذه الدولة الدائم لمخرج النجاة Emergency Exit كما شخِّص أ.ب.يهوشواع مرةً أسباب انقياد الجماعات اليهودية إلى الكوارث دوماً جرَّاء هوسها بشفرة الدين والقومية التي جعلت الديمقراطية الإسرائيلية ديمقراطية غالبين، لا تتسع للمغلوبين ولا لـ"أقدامهم السوداء."

إن الضمير الجمعي لإسرائيل اليوم في اختبار حاسم توجه فيه النداءات إلى أمثال فولتير، لينتصروا للمغلوبين من المضطَّهَدين على الحق من أمثال كالاس Callas، التاجر البروتستانتي من تولوز. وإلى أمثال إميل زولا، وأناتول فرانس، ومارسيل بروست، وليون بلوم، الذين نزلوا إلى الساحة العامة، وأصدروا بيان المثقفين manifeste des intellectuels في الرابع عشر من كانون الثاني 1898 انتصاراً للقبطان ألفرد درايفوس Alfred Dreyfus محتجين على خرق الأشكال القانونية، وعلى التعتيمات الإعلامية المحيطة بقضية استرازي (ملفق قضية درايفوس، والعقل المدبر وراء المحكمة)، ويلحُّون على مراجعة الحكم الصادر في حق درايفوس من قبل المحاكم الفرنسية التي اجتاحها الاعورار. مطلوب الآن، وهنا، وقف هذه المهزلة وإصدار بيان للمثقفين وغير المثقفين يدين نظام جرائم الحرب الإسرائيلي، ولا يدين من دعا إلى وقفها. ومطلوب من الضمير الجمعي اليهودي أن ينهض من على طاولة المشرحة ويعود إلى الحياة بعد سبات طال أمده وتعددت مراثيه.

أما عزمي بشارة،الذي تصرف في الجولة الأولى من محاكمته على نحو يذكر ببشارة سقراط، كمرشد لا كمتهم، داعياً مواطنيه إلى وضع الفضائل الروحية فوق مستوى الفضائل المادية، فعليه أن يديم الاستماع لـ"جِنِّه" الخيِّر، كما أدام سقراط الإصغاء لجنِّه. فنسأله، وحاشاهُ من التهور، أن لا يبقى في المنفى، إذ هو لن يهرب من مواجهة هذه القوانين الجائرة، لأنه يحفظ تماماً وحي "جنِّ سقراط" على لسان القوانين: "إذا ذهبتَ اليوم، فإنك تذهب محكوماً عليك ظُلماً، ليس من قبلنا، نحن القوانين، بل من قبل الناس."

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018