ماذا فعلتَ بهم يا عزمي بشارة؟../ د.جمال زحالقة

ماذا فعلتَ بهم يا عزمي بشارة؟../ د.جمال زحالقة

لماذا يكرهون عزمي بشارة؟ لماذا يلاحقونه ويحاولون تصفيته سياسياً، إن لم يكن أكثر من ذلك.

هم يكرهون عزمي بشارة لأنه على حق، لأنه يقول الحق ولأن لأقواله تأثيراً سياسياً ملموساً. إسرائيل الرسمية والشعبية لم تعد تتحمل بشارة ولم تعد تتحمل التحديات التي يطرحها، فقررت التخلص منه وتصفيته، وأوكلت إلى جهاز مخابراتها، الشاباك، مهمة تلفيق ملف خطير ضده. خطير بما فيه الكفاية لزجه في السجن بحيث لا يخرج منه.

لقد اتخذ القرار بالاتفاق بين يوفال ديسكين، رئيس الشاباك، والمسؤول المباشر والوحيد عنه، رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت. دوافع القيادة الإسرائيلية التي اتخذت القرار السياسي بتصفية بشارة، انطلقت من عالم السياسية والأيديولوجيا وليس من نتائج التحقيق. لقد وقع خيارها على تلفيق ملف سياسي وفبركة تهم أمنية خطيرة، بعد أن فشلت محاولاتها السابقة للنيل من بشارة من خلال توجيه تهم دستورية وجنائية، ومن خلال محاولاتها شطب قائمة التجمع ومنع بشارة شخصياً من الترشح للانتخابات.

تتمحور ملاحقة الدكتور عزمي بشارة من قبل القيمين على شؤون الدولة العبرية حول ثلاث تحديات طرحها: التحدي الديموقراطي والتحدي القومي وتحدي التواصل والمواقف إزاء القضايا العربية. عندما كان بشارة في الأكاديميا، كانت هذه التحديات تزعجهم وظنها بعضهم أنها من نوع الديموقراطية الرخوة، مع أن من يعرف عزمي، ولو قليلاً، يعرف أنه يمقت هذا النوع ويزدري أصحابه. بعد تحوله من العمل الأكاديمي إلى النشاط الحزبي وتأسيس التجمع الوطني الديموقراطي عام ,1995 انتقلت رؤيا بشارة من ساحة النقاش الفكري إلى حلبة الصراع السياسي المباشر، وأصبح الانزعاج قلقاً من تأثير أفكار بشارة على الناس، فازداد التحريض ضده وضد أفكاره وحزبه.

جاءت هبة اكتوبر 2000 المجيدة لعرب ,48 التي رافقت ودعمت انطلاقة الانتفاضة الثانية، لتشكل صفعة قوية لسياسات الاحتواء والتدجين التي دأبت عليها المؤسسة الإسرائيلية سنوات طويلة، وأشارت هذه المؤسسة إلى عزمي بشارة شخصياً بأصابع الاتهام بإلهاب مشاعر الجماهير ورفع جهوزية الناس لمواجهة السلطة الإسرائيلية وسياساتها. بعد اكتوبر 2000 بالذات، تحول القلق إلى شعور بالخطر من بشارة، فاتخذ القرار بملاحقة بشارة فقدم للمحاكمة مرتين وجرت عام 2003 محاولة، مدعومة بتقرير للشاباك، لمنعه وحزبه من خوض الانتخابات.

قضية بشارة الحالية ليست قضية ملاحقة كسابقاتها، بل تعدتها إلى محاولة التصفية السياسية المطلقة، وتولى الشاباك مهمة حسم النقاش السياسي والفكري مع بشارة في غرف التحقيق البوليسي والمخابراتي. وتدور القضية هذه المرة حول محور التواصل والموقف من القضايا العربية. ما نشر عن ملف بشارة حتى الآن يتعلق أساساً بالحرب على لبنان، وقد أعلنت الشرطة الأسرائيلية أن ما نشر هو قسم بسيط من الملف، الذي يحوي أموراً لا تقل خطورة لم يكشف النقاب عنها بعد.

ما جاء في الملف الذي لفقته الشرطة والشاباك، ليس إلا غطاءً للدوافع الحقيقية لمحاولة تصفية بشارة، فالمؤسسة الإسرائيلية تعتبره أحد أقطاب الجبهة المعادية للهيمنة الأميركية والإسرائيلية على المنطقة العربية. ونظراً لدوره وتأثيره أثناء الحرب وبعدها على الرأي العام العربي، من خلال إطلالاته المتلفزة ومقالاته واسعة الانتشار، توصلت إسرائيل، حكومة ومؤسسة، إلى ضرورة التخلص منه، لأنه شبّ عن الطوق ولأنه اجتاز الحدود الحمر المجازة إسرائيلياً.

بعد فشلها في الحرب أصيبت القيادة الإسرائيلية، السياسية والأمنية، بهوس ترميم قوة الردع الإسرائيلية تجاه العرب، كل العرب بمن فيهم مواطنوها من العرب. اختير بشارة أولاً لأنهم اعتبروة رأس الحربة في معارضة العدوان وفضح جرائم الحرب ومجرميها، ولدوره المتميز في صياغة الموقف المنحاز للضحية والمعتدى عليه. مهما حاولت إسرائيل أن تضخم «خطورة» المكالمات الهاتفية لبشارة مع أصدقائه من اللبنانيين والعرب عموماً، فهي ستبدو لكل عاقل قليلة الأهمية بالمقارنة مع الدور السياسي الهام الذي يلعبه بشارة على الساحة العربية، والذي هو السبب الفعلي للغضب الإسرائيلي المحموم عليه.

راكمت اسرائيل حقدها على دور بشــارة السياسي خلال الحرب على لبنان فوق حقدها الدفين عليه جراء التحــدي الديموقراطي الذي واجهها به بطرحه مشــروع «دولة لكــل مواطنــيها»، بديلاً عن الدولة اليهودية ودولــة اليهود. من السذاجة الاعتقاد بأن إسرائيل تخاف من انقلابها السريع من دولة يهودية إلى دولة مواطنين، حتى تسارع بالقبض على بشارة قبل الانقلاب. إسرائيل تخشى من زعزعة أو حتى خدش صورتها بنطر المجتمع الدولي كدولة ديموقراطية. إسرائيل تصف نفسها ويصفها آخرون بأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وبأنها واحة الديموقراطية في صحراء الدكتاتوريات العربية. ولعل أهم صادرات إسرائيل للعالم هو صورتها كدولة ديموقراطية والتي تمنحها شرعية دولية وتأييداً سياسياً ودعماً اقتصادياً، وحتى عسكرياً. من يفضح زيف هذه الصورة تعتبره إسرائيل «خطراً استراتيجياً» عليها لأنه يهدد، بنظرها، أحد أهم دعائم قوتها وتفوقها الاستراتيجي.

عزمي بشارة متهم بالتخريب على أهم صادرات إسرائيل وأحد ركائز شرعيتها. هذا بالإضافة أن إسرائيل تشترط، اليوم، على العالم العربي ليس الاعتراف بها كدولة فحسب، بل تحديداً كدولة يهودية. ما يطرحه عزمي بشارة من مشروع مناهض للصهيونية ورديفتها الدولة اليهودية، يشكل أحد العوائق أمام الاعتراف العربي والدولي، ليس بإسرائيل بل بالصهيونية.

لم يطرح بشارة التحدي الديموقراطي فحسب، بل أرفقه وربطه بالتحدي القومي كنقطة انطلاق وكهدف استراتيجي. وإذا كانت الفكرة القومية العربية تُطرح اجتماعياً كمشروع لتحديث المجتمع وبناء الأمة وتحقيق حق تقرير المصير والاستقلال الفعلي، فهي قد صيغت من قبل بشارة على شكل مشاريع عينية، تعتبرها اسرائيل تحدياً لا يطاق ولا يمكن التعايش معه، لأنه قد يحولها استراتيجياً من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية تتسع لحل القضية الفلسطينية برمتها من خلال هذا الإطار. فالتحدي القومي يُفهَم من قبل اسرائيل على انه لا يقتصر على قضية الفلسطينيين في الداخل بل هو مرتبط عضوياً بمجمل القضية الفلسطينية بكل ما يحمله الأمر من تغيير للتوازنات الديموغرافية والسياسية.

ولكن حتى لو أخذنا المشروع القومي لعرب الداخل لوحده فهو الأداة الأقوى لتحدي سياسات التمييز ومحاصرة الوجود الفلسطيني في الوطن. فالحكم الذاتي الثقافي، الذي طرحه بشارة مرفوض بشكل قاطع من قبل المؤسسة الإسرائيلية، ومشروع تنظيم عرب 48 كأقلية قومية متماسكة لها حقوقها القومية ولها مؤسساتها الوطنية ولها قيادتها القطرية المنتخبة، يعتبر من المحرمات التي تشكل خطراً على واقع ومفهوم الدولة اليهودية، وإسرائيل تحاول كل ما تستطيع للتخلص من كل من يحاول تطبيق هذا المشروع، وعزمي بشارة طلائعي في ريادة هذا المشروع، ليس في التنظير له فحسب، بل في التحضير له على الأرض وفي النفوس والعقول.

ماذا فعلتَ بهم يا عزمي؟ قالوا إنهم الديموقراطية الوحيدة ونزعتَ عنها القناع ليشاهد العالم وجهها البشع. ذكّرتهم ليل نهار بأن الأرض التي نقف عليها هي أرضنا وهي وطننا، وحين عرضتَ عليهم المساواة اعتبرتَها تنازلاً منا وليس العكس كما يدّعون. قلتَ لهم إن أعداءهم ليسوا أعداءنا بل أشقاؤنا الذين نعتز بهم ونناصرهم في وجه العدوان. خاطبتهم من فوق باسم القيم الإنسانية الكونية وباسم أهل وأصحاب البلاد الأصليين، وهم الذين تعودوا الاستعلاء والغطرسة. حوّلتَ السطوة الأخلاقية لقضية شعب فلسطين إلى سوط بيد المقهورين والضحايا. لن يسامحوك على كل هذا يا عزمي. لكن مهما فعلوا بك، يا عزمي، لن يستطيعــوا اقــتلاع افكارك ومبادئك بعد أن استوطنتْ في قلوب الناس وعقولهم، فهي لم تعد ملكك وحدك! كلنا معك!

"السفير/ ملحق خاص"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018