* النكبة لم تكن كاملة../ ماجد الشيخ*

* النكبة لم تكن كاملة../ ماجد الشيخ*

من حبيب قهوجي و«حركة الأرض» في مطلع خمسينيات القرن الماضي، أي بعد مرور سنوات قليلة من الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني فوق أنقاض الوطن التاريخي الفلسطيني، الى د.عزمي بشارة والتجمع الوطني الديموقراطي في أوائل تسعينيات القرن المنصرم، يمتد خط رفيع من الكفاح السري والعلني تشبثاًَ بهوية لم يستطع الاحتلال الصهيوني أن يغيّبها، وخيط عريض من تكامل فعاليات الوعي والثقافة الوطنية القومية بين أنحاء الوطن والمواطن، والوطن والشتات، بين اللاجئين والنازحين، بين شعب الوطن الواحد داخلاً وخارجاً.

لقد صقل الوعي الشعبي الفلسطيني وغذّى مسيرته نفر قليل من أبنائه الذين ناطحوا مخرز الاحتلال منذ البداية، وصولاً الى إلغاء «الحكم العسكري» الذي بقي مفروضاً على من تبقى من مواطني فلسطين المحتلة عام 1948 حتى عام 1964، حتى ليمكننا القول إن النكبة لم تكن كاملة رغم كل سياسات التهجير القسري والتطهير العرقي والممارسات العنصرية الفاشية لعصابات الإجرام الصهيوني، إذ بقيت تنزرع في كامل أرض فلسطين مجموعات من سكانها الأصليين: سكان هم خميرة الأرض وملحها، الذين بدأت معهم طلائع الوعي بالهوية الوطنية لمن بقي من شعب فلسطين فوق أرض وطنه التاريخية، تزرع بذار فكرة التمسك بالأرض، وتبحث عما يحفظ لهذه الأرض هويتها عبر الإنسان والثقافة والفكر والوعي الحديث، حين عزّ السلاح، سلاح المقاومة المادية التي حمل راياتها أبناء فلسطين اللاجئون في الشتات، لتتكامل فيهم ومعهم صورة الهوية الوطنية والقومية الموحدة والجامعة، لشعب ما عادت تفلح كل أصناف المؤامرات في تبديد وعيه وإذابة هويته وتغييبه عن مسرح الحياة والوجود.

وحسب قهوجي- وهو أحد مؤسسي حركة الأرض- فإن إسرائيل كانت تريد أن تفرض علينا صيغة «الأنا اللامنتمي» وتحتفظ لنفسها بصيغة «النحن المنتمي للتاريخ والجغرافيا والعصر»، وكانوا يريدوننا حطّابين وسقّائي ماء، وجسداً يعبرون بواسطته على كراماتنا الى الوطن العربي الكبير، وكنا نريد أن نبقى خميرة الأرض وملحها. كانوا يخشون حقيقة أن تؤدي دينامية الصراع الى خلق أقلية قومية قادرة على تطوير هويتها القومية والثقافية وبلورتها حتى تصبح قادرة على فرض قضاياها الجوهرية في العمق.

ولهذا لا تخفي الحملة الشرسة التي قررت المؤسسة السياسية الحاكمة وأجهزة استخباراتها شنّها وتصعيدها على أبواب الذكرى الـ59 لاحتلال فلسطين ضد د.عزمي بشارة والتجمع الوطني الديموقراطي وأبناء فلسطين المحتلة عام 1948 في الجليل والمثلث والنقب، لا تخفي هذه الحملة كل سمات وأغراض الكشف عن سبل استهدافاتها، في الوقت عينه الذي تشكل فيه مناسبة لفضح أهداف تلك المؤسسة ضد شعب فلسطين كله، وفضح ادعاءاتها ومزاعمها الديموقراطية في فلسطين المحتلة عام 1948، وفضح زيف ادعاءاتها بالسلام، وحديثها المراوغ عن التسوية العتيدة، ورفضها حتى المبادرة العربية، وقبلها خريطة الطريق و«رؤية بوش في شأن الدولتين»، ورفضها «الأرض مقابل السلام» وتمسكها بالتطبيع مع النظام الرسمي العربي طريقاً للتطويع، تطويع الوضع الوطني الفلسطيني بما يتلاءم والأهداف الصهيونية.

إسرائيل في كل هذا تعادي نفسها على الدوام، وهي الكيان العنصري الذي لا يمكنه أن يتصالح مع ذاته، ولا حتى مع مواطنيه الذين هم بالتأكيد خارج أي شكل من أشكال «جنة المواطنة» التي يتمتع بها المواطنون عادة، وفي المواجهة الحالية يمكن القول إن المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية سيقت سوقاً الى فضح ادعاءاتها ومزاعمها الديموقراطية، وذلك هو بالضبط ما كان ديدن عزمي بشارة ومساعيه ورؤيته، ضمن مجموع القوى الوطنية الفلسطينية، طوال الفترة التي حاول الكيان الصهيوني ومؤسسته الحاكمة إبقاء المواطنين الفلسطينيين على هامش الحياة السياسية والحزبية عموماً، كخطوة أساس على طريق منع أن تتحول إسرائيل «دولة كل مواطنيها»، وهو التحدي الذي نجح د. بشارة ومواطنوه في الفوز فيه عبر فضح زيف ادعاءات المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية العنصرية، التي لم تسعَ إلاّ الى تكريس التفرقة والتمييز بين يهود المؤسسة والكيان ومواطني فلسطين الأصليين، عبر استمرار مسيرة طويلة من عدم المساواة، بل واضطهاد المواطنين الفلسطينيين وممارسة أقصى السلوكيات والممارسات الفاشية منذ ما قبل عام 1948، وصولاً الى اللحظة التي يُراد الآن، وضمن الحملة الشرسة ضد د. عزمي بشارة التي تستهدف جلبه الى المحاكمة أو دفعه للبقاء خارج الوطن، تحت مزاعم وادعاءات يراد لها ان تشكّل «مادة محاكمة العصر» ضد أبناء الشعب الفلسطيني بتهمة «الخيانة» مقدمة لطردهم وإبعادهم مجدداً من «جنة الديموقراطية الإسرائيلية» المزعومة.

عبر هذه الحملة، تكشف المؤسسة الحاكمة أن كيانها الاستعماري الاستيطاني لم ولن يبدّل جلده، فهو كيان عنصري سبق أن نذر ذاته وينذرها الآن لخدمة السياسات الاستعمارية لدول الغرب، وليهود الكيان الذين استطاع جلبهم إليه من الخارج، وجعلهم طعماً لسياسات عنصرية في كيان تقول زعاماته الحالية إنه لن يكون شريكاً لأحد في تقرير مصير السلام في هذه المنطقة من العالم، وهو لن يفاوض أحداً إلا إذا ضمن نتائج هذا التفاوض مسبقاً لمصلحته... ومصلحته فقط. وهو في الأصل لا يمكنه ان يعمل من أجل التحوّل الى «دولة جميع مواطنيها» أو «دولة ثنائية القومية» أو إمكانية التحول الى دولة علمانية، ومن كان لديه «أوهام التحولات» هذه، فلينظر الى المواقف العملية لحكومة هذا الكيان وأحزابه الائتلافية، يتساوى وقد تساوى فيها في الحملة على د. عزمي بشارة أخيراً من يقف على يمين الخريطة الحزبية أو البرلمانية ومن يقف على يسارها... الجميع سواء في الموقف من المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون فوق أرض وطنهم في ظل احتلال استيطاني إحلالي لبلادهم.

الخطر الاستراتيجي الفلسطيني، لم يعد يتجسّد في «الخطر الديموغرافي» أو ما سمي يوماً بـ«القنبلة الديموغرافية»، بل أضحى هو الخطر الواقعي المجسّد في العمل على بلورة وثائق وطنية قامت على عاتق لجنة المتابعة العليا والقوى الوطنية ومراكز المجتمع المدني لفلسطينيي 1948 ومن ضمنهم التجمع الوطني الديموقراطي، ودور المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، ود. عزمي بشارة في طليعتهم، في تقديم أفكار ومقترحات ورؤى سرعان ما كانت تتحول الى تعابير كفاحية يومية، باتت مادة برنامجية في طبيعة المواجهة التي يخوضها المواطنون الفلسطينيون عبر أرض فلسطين التاريخية في مواجهة ما يتهدد الوجود الوطني الفلسطيني من قبل مؤسسات الكيان العنصري الحاكم في إسرائيل.

وإذا كانت المعركة المفتوحة التي تخوضها المؤسسة الحاكمة منذ عام 2000 ضد د.عزمي بشارة تحديداً وضد التجمع وعناصر فلسطينية أخرى، على خلفية زياراتها العربية ولقاءاتها بزعامات وطنية وقادة عرب، وصلت عام 2001 حدّ التصويت داخل الكنيست على رفع الحصانة عن د. بشارة بأمل تقديمه للمحاكمة في ما بعد، فإن عناصر المعركة الحالية هي استكمال لمعركة رفع الحصانة، تمهيداً فعلياً للمحاكمة، ومعها محاكمة الحركة الوطنية الفلسطينية في مناطق عام 1948، وخصوصاً بعد إصدار جهات فلسطينية مهمة هناك أربع وثائق، كشف النقاب عن ثلاث منها، فيما الرابعة قيد الإعداد لتحديد العلاقة بين «الأقلية الفلسطينية» والمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، والوثائق الثلاث هي وثيقة النقاط العشر التي أعدتها جمعية مساواة لحقوق الإنسان، والثانية هي الرؤية المستقبلية التي أعدتها لجنة المتابعة العربية العليا، والثالثة هي «الدستور الديموقراطي» الذي أعدته جمعية عدالة، وأخيراً ميثاق حيفا الذي لم ينشر بعد عن مركز مدى ــ الكرمل.

يشير مضمون العناوين الوثائقية هنا الى مدى الحضور الوطني الفلسطيني في طول الأرض الفلسطينية وعرضها، وخصوصاً في الأراضي المحتلة عام 1948 تأكيداً لنفي الغياب أو التغييب الذي سعت إليه المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة منذ احتلالها وإعلان كيانها، تغييب هوية الأرض وهوية الشعب، إلاّ أن الهوية الفلسطينية بقيت وتبقى عصية على الغياب أو التغييب، مهما حاولت القوى النقيضة وبالغت في استخدام قواها الفاشية في العمل على إحلال واقع الاستيطان الصهيوني أمراً واقعاً فشل عملياً، وعلى رغم ما يقرب من 60 عاماً على إعلان قيام الكيان، في أن يبلور مفهوماً سياسياً موحداً لماهيته التي بقيت وتبقى عنصرية فاشية إحلالية على رغم ادعاءات الديموقراطية ومزاعمها.

إن ما تشهده إسرائيل اليوم في داخلها، ليس أزمة عابرة وضعتها فيه حرب تموز (يوليو) من العام الماضي في لبنان، ومأزق حليفه الاستراتيجي الأميركي في حروبه الفاشلة، أو استعصاءات التسوية السياسية، بل هي الأزمة الوجودية التي ستبقى تلازم المشروع الصهيوني كظله، وطالما أن القيادة الحاكمة تتجنّب الاعتراف بواقع أن الأرض الفلسطينية لم تكن ولن تكون أرضاً بلا شعب كي يستوطنها «أغيار بلا وطن»، فإن الصراع واستمراريته سيبقيان هما الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن نكرانها أو تجنبها، فالشعب الذي طرد من وطنه عام 1948 ما انفكّ يحلم بالعودة إليه، تماماً كما تحلم بقية الشعب التي بقيت في وطنها في أعقاب النكبة: أن يعود بقيتهم من المنافي الى أرض وطنهم التاريخية، ليحقق هذا الشعب معجزته التاريخية في استعادة واستئناف مسيرة وطن تقطّعت به السبل طوال عقود من السنين.

إن اتجاه المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة الى محاكمة د.عزمي بشارة ورفاقه وأمثالهم، إنما هي محاكمة لشعب بأكمله، لم ولن ينسى أن فلسطينه ستبقى تعيش أمل استعادة مكوناتها يوماً، تلك المكونات العصيّة على الذوبان أو الإبادة، وهي تؤكد حضورها اليومي في كل مناطق وجودها داخل الوطن وفي الشتات، إنها عزيمة شعب حر في البقاء على عهد الوطن وعهد المواطنة في دولة ذاك الوطن، لا في دولة أو دول تريد سلطاتها أن تضع مواطنتها انتقائياً أو إجبارياً وفق منطق الاستعمار الكولونيالي الذي مضى عهده، ولم يبقَ إلّا أن يمضي عهد الكولونيالية الصهيونية المدعومة غربياً في بلاد اسمها فلسطين ستبقى عصية على الأسرلة أو الصهينة، كما هي اليوم عصية على محو ذاكرتها أو تبديد هويتها أو تغييب وجودها.


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018