* متى أصبح رفض السُّجون خوفًا من المواجهة؟../ سونيا بولس

* متى أصبح رفض السُّجون خوفًا من المواجهة؟../ سونيا بولس


يُخيّل للبعض بأنّ سخافة التهم الأمنية الملفقة ضد الدكتور بشارة تعني هشاشتها أمام «العدالة» الإسرائيلية وأن تلك «العدالة» ستتيح له فرصة لا بأس بها للتصدي لهذه التهم التي تتناقض مع أبسط قواعد المنطق. فهم يعتقدون وبسذاجة بأنّ القضاء الإسرائيلي سيخجل من إدانة بشارة بهذه التهم الملفقة لسخافتها.

والسؤال الذي يُطرح: منذ متى أصبحنا نؤمن بعدالة المحاكم الإسرائيلية في القضايا الأمنية؟ هل قرأ كل من يطالب الدكتور بشارة بالعودة قرارات المحاكم الإسرائيلية في قضايا «التخابر مع وكيل أجنبي»؟ هل يعلمون بأنّ محادثة عادية حول الحرب (كما كنا نتحدث مع جيراننا وأقربائنا) مع من يصفه «الشاباك» بأنه وكيل أجنبي هي تهمة أمنية خطيرة عقوبتها السجن المؤبد؟

صحيح أنّ أجهزة الأمن الإسرائيلية وجّهت في السابق تهمًا أمنية لقياداتنا في الداخل، لكن هنالك فرقًا شاسعًا بين طبيعة تلك التهم وخطورتها وبين طبيعة وخطورة التهم الموجهة للدكتور بشارة. فهنالك فرق شاسع بين تهمة التماهي مع منظمات معادية -بحسب وصف دولة إسرائيل- أوالانضمام إليها، وبين تهمة تقديم المساعدة للعدو خلال الحرب. ومحاولة البعض طمس هذا الفرق الجوهري يخدم مصلحة أجهزة الأمن ويضرّ بالمصلحة العامة لشعبنا. فواجب القيادة هوتوعية الجمهور للتصعيد الخطير في حملة الملاحقات السياسية لقياداتنا وتحشيد الرأي العام ضدها، وليس تقزيم التهم الموجهة لبشارة وتقزيم الخطر الذي يتربّص به حال عودته إلى البلاد حاليًا.

يكفي أن نقرأ التصريحات الأخيرة لرئيس «الشاباك» والمستشار القضائي للحكومة، والتي بموجبها يتم التعامل مع رفض يهودية الدولة كنوع من أنواع «التآمر»، كي ندرك خطورة المخططات التي تبيّتها السلطة لشعبنا.

ويروّج البعض أنّ عدم عودة الدكتور بشارة إلى البلاد الآن هو بمثابة تنصل للتاريخ النضالي لشعبنا الذي واجه وبشجاعة مخططات الدولة القمعية، حيث لم تُرهبه السّجون يومًا.

لكنّ السؤال الذي يٍُِطرح هو: من يقرر ما هو الثمن الذي يجب أن ندفعه للدفاع عن قضيتنا العادلة؟ هل يُعقل أن تحدّد إسرائيل لنا آفاق نضالنا وأن تحدد متى نقع بالفخ الذي تنصبه لنا؟ إنّ استعداد المناضل لأن يدفع ثمنا باهظا مقابل الدفاع عن قضيته لا يعني أن يُسلّم نفسه لأعدائه طوعًا، كالشّاة التي تُساق إلى ذبحها.

ومنذ متى أصبح رفض شعبنا للسِّجون دلالة على خوف من المواجهة؟ لماذا نطالب بتحرير أسرانا إذًا؟ وما نضالنا إذا لم يكن تحرير شعبنا من سجن الاحتلال الكبير؟

من يطالب الدكتور بشارة بتسليم نفسه فليذهب وليطالب قيادات المقاومة الفلسطينية وكلّ المناضلين الشرفاء في العالم بتسليم أنفسهم ليصدّوا عنهم تهم الإرهاب والخيانة وغيرها، مُستجدين بذلك «عدالة» قامعيهم. فالتهم الموجهة لبشارة هي أخطر من التهم الموجهة للعديد منهم. من البديهي أن تُستهدف قيادات الشعوب وأن تدفع ثمنًا أكبر من أجل الدفاع عن قضايا أمتها. لكن وبالمقابل، من واجب الشعوب أن تحمي قياداتها من بطش السلطة، لا أن تسلمها لقامعيها؛ فلم نسمع يومًا عن مطالبة شعبية لنلسون منديلا أولعبد الله أوجلان أولمروان البرغوثي وغيرهم من المناضلين بتسليم أنفسهم طوعًا.

إنّ مطالبة البعض بعودة بشارة، مع العلم أنه سيقضي العديد من السنوات في السجون، بشكل شبه مؤكد، لا تدلّ على جرأة ومسؤولية قيادية بل تدلّ على مفهوم مُشوّه للنضال وللانتماء. منذ متى أصبح المقموع مُلزمًا بإثبات براءته أمام قامعيه؟

لقد خلق بشارة نموذجًا جديدًا للعمل السياسي في الداخل، مُستثمرًا موهبته الفكرية التي يشهد له بها القاصي والداني حتى من أعدائه، حيث ساهم بفكره المتميز بإعادة رسم ملامح هويتنا الفلسطينية العربية في الداخل مخترقا الحصار والعزلة الثقافية التي فرضتهما علينا دولة إسرائيل بعد قيامها على أنقاض شعبنا، مُتحديًا زيف ديمقراطيتها. لقد حطّم بشارة بكبريائه واعتزازه بعروبته وتفوّقه الفكري والأخلاقي على المجتمع الإسرائيلي وسلطاته، ليس فقط صورة «العربي الجيد»، بل، وأيضًا، صورة القيادي «المحتمل» الذي يمكن لإسرائيل التعايش معه.

لقد أصبح عزمي بشارة رمزًا من رموز الفكر القومي التقدمي في العالم العربي بأجمعه. ونحن يجب أن نفخر بأنّ مجتمعنا استطاع بعد سنين طويلة من العزلة إفراز قيادات مُتميّزة على مستوى العالم العربي. أما أصوات النشاز في مجتمعنا، التي تعادي بشارة، لا لشيء سوى لأنه تخطى مفهومها المحدود والمُشوّه لمعنى العمل السياسي، فهي تطالب بعودته من منطلقات انتهازية وضيعة، لا تمت لمصلحة شعبنا بصلة.

إنّ عودة بشارة إلى البلاد في هذه الظروف وقبوعه لسنوات طويلة في السجون يعني اغتياله فكريًا وسياسيًا. فتصفية المناضل والمفكر لا تكون جسدية، فقط، بل يمكنها أن تكون تصفية معنوية من خلال حرمانه من الكتابة والتواصل مع جمهوره، وهذا حرفيًا ما ستفعله إسرائيل عند رجوع بشارة.

عارٌ علينا أن نشارك في تصفية قياداتنا معنويا وفكريا وأن نطالبها بأن تُبرّئ نفسها أمام دولة احتلال، سِجلها حافل بجرائم ضد أمتنا.

للمناضل عزمي بشارة ألف تحية!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018