* الوطنية في السياق الإسرائيلي.. عزمي بشارة ليس بريئاً../ وليد دقة*

* الوطنية في السياق الإسرائيلي.. عزمي بشارة ليس بريئاً../ وليد دقة*

لا يمكن مناقشة التهم التي يوجهها جهاز المخابرات الإسرائيلي للدكتور عزمي بشارة على أنها تهم توجهها دولة لأحد مواطنيها.. ليس دولة- مواطن هو الإطار، ولا هي المنطلقات التي انطلقت منها الصحافة والإعلام الإسرائيلي في حملتهم المسعورة. فقد بات من الواضح تماماً مما نشر من تحليلات صحفية ومواقف سياسية أطلقها غالبية الساسة الإسرائيليون، بأن لا عزمي المواطن ولا حتى بشارة النائب هم المستهدفون، كما أن ما فعله أو لم يفعله بشارة ليس هو الموضوع، وإن كانت هذه هي الحجة التي يحاولون من خلالها إظهار المسألة على أنها كذلك.. بل إن القضية هي ما يمثله الدكتور عزمي من فكر ديمقراطي وطني متنور، كان قد وضع منذ عقد تقريباً، أمام من يدّعون الديمقراطية، تحدياً جمع بين الفكر والسياسة، بربط خلاق ومثري لكليهما، والمستندين لركيزتين أساسيتين هما العقل كرافعة وكأداة نضالية، والمبدئية والقيم الإنسانية كحامية للثوابت الوطنية، إلى أن بات من الصعب عليهم مناقشة فكره أو معاداته مباشرة وعلانية دون فضح دوافعهم العنصرية بعد أن تحوّل إلى نهج وطني واتجاه فكري يزداد تجذراً واستقطابا لأوساط واسعة من الشباب والمواطنين العرب، خارج إطار ما يحاولون فرضه عليهم من اشتراطات تنتقص من وطنيتهم وتحولها إلى وطنية إسرائيلية تكون في أفضل أحوالها شاهد زور على تعايش غير قائم.

ومع ذلك أليست الدولة التي قدّمت ضد نوابها ووزرائها من اليهود لوائح إتهام وحاكمتهم هي ذات الدولة التي قدمت لائحة إتهام ضد عزمي وتريد محاكمته؟ فلماذا ندّعي بأن التهم في حالة النواب اليهود قد تكون دليل عافية على قوة المؤسسة القضائية، وشاهد على المساواة أمام القانون وسيادته وفي حالة عزمي أو أي مواطن عربي تقدم ضده مثل هذه التهم هي عكس ذلك تماماً؟ وتمثل دليلاً آخر على ملاحقة سياسية لأقلية قومية، وأن الدولة "اليهودية والديمقراطية" هي ديمقراطية لليهود وعنصرية إزاء العرب؟

إن التفاصيل في هذه الحالة مهمة وتكتسب أهمية أكبر لفهم ليس الفارق بين قضية بشارة والنواب اليهود فقط، وإنما لفهم تعاطي بشارة نفسه مع القضية.

لقد كان بشارة في معالجته للتهم وللحملة الإعلامية ضده أميناً لفكره ومنهجه التحليلي لواقع الأقلية القومية العربية في إسرائيل، الذي كان على الدوام يسير بين النظري.. المجرّد.. العام، بما يتعلق بالإنتماء القومي، وبين الحسي.. التفصيلي المباشر، بما يتصل بالمواطنة ومتطلباتها القانونية السياسية. فلم تكن فكرة القومي فكراً شعاراتياً محلقاً، وإنما فكراً يقف بثبات على تفاصيل الواقع. بهذا المعنى جاء رفض عزمي للعودة في السياق الإسرائيلي الذي أرادته المخابرات، هو أيضاً التزاما بالمنهج.

إن القارئ العربي والمراقب عن بعد، والذي لا يدرك الخصوصية والتفاصيل السياسية والقانونية في إسرائيل قد يجري بعض المقاربات بين إتهام بشارة والتهم الموجهة لنواب ووزراء يهود.. لا سيما المواطن العربي الذي يقارن بين سلطة وحاكم عربي يفعل ما يشاء دون حسيب أو رقيب، وبين دولة تحاكم رؤساءها ووزراءها ليصل لنتيجة بأن الدولة العبرية ديمقراطية تجاه مواطنيها العرب، وأن حالة عزمي ليست استثناءا، أو على الأقل هي دولة يسود بها قانون يساوي بين المسؤول والمواطن، لتطلق، تحت العناوين والمقاربات العامة بعض التصريحات والمواقف التي تنادي بشارة بالعودة والمواجهة على اعتبار أن العودة والمواجهة هما الموقف الوطني والمبدئي الذي على بشارة كقائد وكمفكر أن يتخذه إخلاصاً لفكره وجماهيره!! وكأننا بصدد مبارزة تحكمها أخلاق وفروسية لا مؤامرة قذرة. فلا المطروح فروسية، ولا مطلقي هذه المواقف فرسان، فالفروسية في السياق الإسرائيلي لهؤلاء غير مكلفة فهم نفس "الفرسان" الذين يهاجمون الديكتاتوريات العربية من هامش الديمقراطية اليهودية ويعظون شعوب هذه الأنظمة كيف عليها أن تنهج حتى تحقق الديمقراطية!!

إن الوطنية التي يدعو لها هؤلاء "بالعودة والمواجهة" هي وطنية في السياق الإسرائيلي وعزمي بهذا المعنى ليس وطنياً. بل يكاد يكون هذا هو لب وجوهر التهم الموجهة إليه، وهو أيضاً بهذا المعنى ليس بريئا.

إن من يدعو بشارة للعودة وللمواجهة إنما يقول التالي:-
أولاً .. إسرائيل دولة قانون ومحاكمها عادلة، حتى عندما يكون المتهم عربياً والتهم أمنية. الأمر الذي لا يدّعيه حتى رئيس المخابرات الإسرائيلية الذي يتهم بشارة. حيث قال في محاضرة له أمام صفّ من الضباط من خرّيجي المدارس الدينية، بأنه لو اعتقل فلسطينياً والقاتل الذي نفذ الجريمة في مدينة شفاعمرو، وأحضر كلاهما للتحقيق وللمحاكمة فلن يتلقيا نفس المعاملة على الإطلاق، حتى ولو كان الشاب الفلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية من أبناء أم الفحم. سيكون التحقيق والقضاء غير متساو والتمييز سيكون لصالح اليهودي دوماً، فعن أي مواجهة يتحدثون؟!

وإن من يدعو بشارة للعودة يقول.. ثانياً.. بأن المستهدف ليس فكراً وبرنامجاً وحركة سياسية وإنما شخص عزمي.. وبالتالي فهم يقولون ضمناً بأن التهم ليست سياسية وإنما قضائية، وما دام القضاء عادلاً فما عليه إلا أن يمثل أمام المحاكم ويثبت براءته! فأي براءة هذه التي سيثبتها؟! براءته من كونه عربياً يحلم كسائر العرب، أم كونه إنساناً يصرخ في وجه الطاغوت الذي يهدم بلداً على رؤوس أهله من الأطفال والنساء والأبرياء؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018