خلفيات وتداعيات المؤامرة ضد د.عزمي بشارة../ عوض عبد الفتاح

خلفيات وتداعيات المؤامرة ضد د.عزمي بشارة../ عوض عبد الفتاح

دولة بأكملها، بأجهزتها الأمنية السرّية استنفرت ضد شخص واحد. هو مواطن فيها بالفرض ولكنه مواطن في وطنه المسلوب بحكم الوجود التاريخي. لقد رأت فيه الدولة العبرية كل الرواية وكل الرؤية المقابلة والنافية لروايتها ورؤيتها.

مخاوف هذه الدولة تحققت. هكذا يقول لسان حال حكامها. كانت مخاوفهم تتمثل في تكاثر العرب الطبيعي وتهديدهم لهيمنة الأغلبية اليهودية، كما كان جزء من مخاوفهم ايضاً يتمثل في إمكانية لجوء عدد كبير مما تبقى داخل حدود اسرائيل من أبناء الشعب الفلسطيني الى العمل المسلح. حتى أن اهم الإعتبارات لعدم فرض التجنيد الإجباري على المواطنين العرب كانت أمنية. لكنهم اختاروا النضال السياسي.

قبل الفلسطينيون وتعايشوا مرغمين مع قواعد اللعبة التي فرضتها الدولة العبرية الممثلة بفرض المواطنة والسماح بقدر معين من حرية التعبير وإقامة التنظيمات السياسية. تصرف الطرفان، الدولة العبرية والمواطنون الفلسطينيون على أساس أن هذه اللعبة السياسية أكثر راحة للطرفين وأكثر فائدة في ظل ميزان القوى القائم. لكن قواعد هذه اللعبة كانت على الدوام تتعرض للشدّ والجذب فكلما نجح المواطنون الفلسطينيون في توسيع الدائرة الموضوعة من جانب الدولة إهتمت الأخيرة بإعتماد إجراءات جديدة مباشرة او غير مباشرة او مضمرة او خفية، لإحتواء ما حققوا من إنجازات او لجعل الدائرة لا تتسع لطموحاتهم.

في مرحلة ما بعد النكبة، انتظر الفلسطينيون في إسرائيل تحولات إقليمية (عربية) لتغيير واقعهم وعودة أقاربهم من الشتات. فهادنوا وسايروا السلطة وأحزابها. كان همهم البقاء لا أكثر. حركة النشطاء السياسيين العرب: الشيوعيون والقوميون، لم تكن ذات تأثير حاسم على وعي الناس في تلك الفترة. فالجرح النازف، جرح النكبة، هو الذي شكل المغذّي الرئيسي للذاكرة الجماعية وأبقاها مشتعلة في القلوب والوعي. يضاف الى ذلك دور مصر العروبي وأعلامها المحرض وخطابات زعيمها آنذاك جمال عبد الناصر الذي تعلق به الفلسطينيون في كل مكان بما فيه البقية الباقية داخل حدود اسرائيل الـ 48 وبنوا امالاً عريضة عليه. بطبيعة الحال إن التطور السياسي اللاحق للأقلية العربية الفلسطينية لم يكن معزولاً عن بدايات العمل السياسي في الخمسينيات والستينيات.

دأبت إسرائيل منذ قيامها على إعتماد ممارسات تعوض عن " الخطأ التاريخي " الذي قال به حكام الدولة العبرية بعد النكبة. والخطأ التاريخي في نظرهم هو إعتبار إبقاء 150 الف عربي فلسطيني داخل اسرائيل خطأ إستراتيجياً.

عملية التعويض الصهيوني عن "ضرر" بقاء هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في قلب الدولة العبرية تمت عبر وضع استراتيجية تحدّ من تكاثر العرب، وتحد من تمددهم على أراضيهم، وتُحجم تطورهم السياسي الوطني وتحتجز تطورهم المادي. فلاحقت نشطاء الحزب الشيوعي العرب على رغم إعتبار الحزب الشيوعي الإسرائيلي نفسه جزءاً من الدولة، وضيقت عليهم وقمعت كل محاولة لإقامة تنظيم عربي مستقل. وكان أبرز مثال على ذلك قمع حركة الأرض القومية الناصرية وتشتيت قادتها في مختلف أرجاء الوطن. وبهذه السياسة فإنها ساهمت في تشويه تطورهم الإقتصادي والإجتماعي، وبقوا بلا مدن ولا زراعة ولا صناعة. ولكن كل ذلك فشل في قمع نمو الحركة الوطنية العربية، السياسية والثقافية.

تصحو الدولة العبرية اليوم على تحقق مخاوفها وهي مخاوف ذات دوافع استعمارية وعنصرية وليست ذات طابع إنساني وديمقراطي. العرب داخل اسرائيل يعيدون اكتشاف مكانتهم كمجموعة قومية واكتشاف جانب آخر من حقيقة اسرائيل. اسرائيل ليست كياناً استعمارياً قام على أنقاض شعب آخر بتأثير الفكر القومي الأوروبي الحديث فحسب، بل هي ايضاً دولة ذات بنية عنصرية، وهي مسخ من الدولة الأوروبية الحديثة التي قامت على أساس الفصل بين الدين والدولة. وعلى أساس أن المواطنة المتساوية هي الناظم الأساسي بين الفرد ودولته.

كان دائماً الصادر الأساسي لإسرائيل الى الغرب أكذوبة الديمقراطية. أي كأنها "ديمقراطية في غابة الدكتاتوريات". وإذا ما جردت اسرائيل من هذه البضاعة فستظهر على كامل حقيقتها أمام من استطاعت لفترة طويلة أن تخفي هذا التناقض المزمن.
مرّ عرب الداخل بانعطافتين تاريخيتين رئيسيتين منذ عام 1976، هو يوم الأرض الذي تحول الى يوم وطني فلسطيني بامتياز، وهبة القصد والأقصى التي جاءت شرارتها من القدس المحتلة ومن الإنتفاضة الفلسطينية الثانية. وجرت بين هاتين الإنعطافتين هبات شعبية محدودة عديدة، سواء كرد فعل على مذابح اسرائيلية ضد شعب فلسطين خارج حدود 48 أو رد على هدم بيوت ومصادرات لأراضي عربية في الداخل وغيرها من الممارسات العنصرية.

استطاعت المؤسسة الإسرائيلية أن تلجم الإندفاعة الشعبية السياسية ليوم الأرض، وتحدّ من تأثيراتها الكفاحية، وكذلك استطاعت ايضاً أن تفعل الأمر ذاته بعد هبة القدس والأقصى التي اجتاحت عموم مدن وقرى الوطن المحتل عام 1948.

يعود نجاح هذا الإحتواء الجزئي الى ظروف إقليمية تتمثل في أزمة القيادة في الحركة الوطنية الفلسطينية وعدم تقدم المشروع الوطني الفلسطيني وظروف محلية تتمثل في طبيعة من إحتكر قيادة العمل السياسي داخل الخط الأخضر ناهيك عن الوضع المركب لعرب الداخل. لقد افتقدت القيادات (الحزب الشيوعي) التي أصبحت تقليدية فيما بعد، الى الإستعداد والقدرة على بناء المؤسسات القومية المهنية والمنتخبة وتطوير آليات نضال جديدة. فبالرغم من الدور المركزي الذي لعبته قيادات الحزب الشيوعي إلا أنها لم تستطع ان تتحرر من سقفها السياسي المتمثل بالمساواة الإندماجية ومن المفهوم المشوه للأممية.

ولكن التفاعلات الثقافية والسياسية لانعطافة يوم الأرض بين عرب الداخل ونخبهم المتعلمة وطلاب جامعات وخريجين ونشطاء سياسيين، لم تتوقف واتخذت هذه التفاعلات أشكال تنظيمية وفكرية مختلفة: وطنية فلسطينية، دينية إسلامية وقومية وغيرها.

في هذه الحقبة، التي شهد فيها المجتمع الفلسطيني في إسرائيل تحولات اقتصادية واجتماعية بعد حصول تحولات كبيرة في مجتمع الدولة العبرية، ظهر مساران، مسار التأكيد على المواطنة المتساوية، ومسار التأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية. وظلت هذه العلاقة بينهما متوترة وغير متوافقة ولم يُقدم اي حزب حتى عام 1994 اي مقاربة جدّّية لهذا التوتر او معادلة متوازنة.

كان الواقع الفلسطيني المركب داخل منطقة 48 يحتاج الى معادلة مركبة تجيب على كيفية تعامل العربي الفلسطيني حامل المواطنة الإسرائيلية مع التناقض الذي يعيشه كل لحظة، في حياته اليومية التي ترتبط تلبية حاجاتها بالمؤسسات الإسرائيلية خاصة بعد أن تم تجريد المجتمع من أي شكل من أشكال الإعتماد على الذات. وبين كونه عضواً في مجموعة قومية أصلانية.

كان قد أبدع في السابق مناضلون عرب، أو سياسيون في إبقاء شعلة معارضة سياسة الدولة الإسرائيلية بما أتاحته المرحلة وما أتاحته قدراتهم وتجربتهم. ولكنهم ظلوا يراوحون في دائرة الحقوق المدنية ودائرة الحقوق القومية الجزئية.

غير أن زيادة تعقدّ الوضع السياسي والمعيشي لعرب الداخل في ظل الدولة العبرية، وانسداد الأفق أمام النظم العربية الوطنية لإلحاق الهزيمة بإسرائيل التي واصلت النموّ والتطور والتحول الى مجتمع قوي مع أجهزة قمع عاتية، قوامها الترغيب أو الإحتواء والترهيب. طرح على رموز التيارات الوطنية ضرورة إعادة التفكير بآليات وسقوف العمل السياسي!

كانت جميع القوى السياسية قد وصلت الى مرحلة من الأزمة الحقيقية منذ أواخر الثمانينيات خاصة بعد أن جاءت الإنتفاضة الأولى لترسم حدود الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وليتم استثمارها المتسرع من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من خلال حلٍ كرّس اسرائيل كدولة لليهود تاركاً عرب الداخل شأناً اسرائيلي يمكن الإستعانة بهم كاحتياط لقوى "السلام الإسرائيلية" مثل حزب العمل ومن يدور في فلكه.. في أي مفاوضات مستقبلية مع المنظمة. كان المطلوب من الفلسطينيين التخلي عن قضيتهم الوطنية. هكذا فهمت القوى الوطنية بين عرب الداخل أبعاد هذا الحل.

وهنا تفاقمت الأزمة السياسية، خاصة بعد أن حصل انفراج نسبي في القبضة الإسرائيلية على عرب الداخل بعد أوسلو مما أوقع بعض القوى في المزيد من أوهام تحقيق المساواة عبر تهميش الهوية الوطنية. وبعد أن تبيّن إفلاس أطروحات الإندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي التي تبناها بالأساس الحزب الشيوعي الذي غلـّب الطبقي على القومي.

هذا الوضع المركب، كان يحتاج الى معادلة مركبة ويحتاج الى إعمال الفكر والجهد النظري. ولا يبدع هذه المعادلة إلا أناس متميزون. وكان عزمي بشارة أبرز هؤلاء وفي طليعتهم. فالرجل كان صاحب تجربة سياسية نضالية منذ صباه في الحزب الشيوعي حيث تميّز بالحيوية والإجتهاد والذكاء وبالشخصية المستقلة حتى داخل الحزب.

وساعد على بلورة وعيه ورسالته دراسته الفلسفية في الجامعة، وتسارع نمو وعيه القومي والتخلص مبكراً من بقايا الدوغمائية الشيوعية النافية لأهمية القومية في تاريخ المجتمعات. ثم عودته الى الوطن ولقاؤه المباشر مع الحركة الوطنية الفلسطينية كمحاضر في جامعة بير زيت منذ أواسط الثمانينيات.

أقدر أن اشتباكه السياسي مع حركة أبناء البلد أثناء دراسته في الجامعات الإسرائيلية في السبعينيات كان ساهم في تفتيح وعيه المبكر على غياب البعد القومي في برنامج الحزب الشيوعي، كما ساهم في صقل وعي العشرات بل المئات من كوادر الحركات السياسية العربية في الجامعات.

ولكن عزمي بشارة تفوق على الجميع لما يمتلك من ذكاء وروح قومية متوقدة ومقدرة فكرية وميزة الخطابة وهي صفات القائد المتميّز عموماً.

ومع ذلك لم يكن تحويل هذا الفكر الى حركة سياسية منظمة عملية سهلة في اواسط التسعينيات. يمكن تصور صعوبة إقامة حركة سياسية من عدد من الحركات السياسية والنشطاء الذي قضوا سنوات طويلة في حروب سياسية قاسية كان يصل التراشق الكلامي المتبادل الى حد الإتهام بالإنحراف والتخوين.

أذكر كم كان صعباً في بداية طرح المبادرة أن يقبل مثلاً بعض أعضاء من حركة أبناء البلد المحسوبة في نظر إسرائيل على الجبهة الشعبية، العمل مع قادة ونشطاء من الحزب الشيوعي سابقاً والحركة التقدمية التي كانت محسوبة على حركة فتح. أو كيف يغيّرون موقفهم من الكنيست بعدما قاطعوها عشرات السنين. ولكن غالبية قيادة الحركة حسمت أمرها بعد نقاش وجدل داخلي استمر أكثر من عامين، وبالتوازي مع النقاش والفترة التي كان تجري فيها المساعي لإقامة التجمع الوطني الديمقراطي، أو ما سميناها بعملية إعادة تنظيم الحركة الوطنية في الداخل والعمل على تنظيم العرب على أساس قومي.

لم يكن سهلاً استبدال شعار "دولة ديمقراطية علمانية"، بشعار "دولة كل المواطنين" مع انه ينطوي على بذور تصادم مع جوهر الدولة اليهودية، ويعري عنصريتها. أبناء البلد فسّرت وبررت مشاركتها في التجمع على ان شعار دولة المواطنين والغاء يهودية الدولة شعاراً إعتراضياً. كان ذلك يعكس المرونة الفكرية والسياسية التي تميّزت بها القوى والشخصيات المبادرة لإقامة التنظيم الجديد. نذكر ذلك ونحن نستحضر فشل العديد من محاولات تجميع قيادات سياسية متقاربة في الساحة الفلسطينية او في الساحة العربية – سواء التيارات الوطنية الديمقراطية او التيارات القومية.

كان الجهد التنظيمي جماعياً لتشكيل الحركة الجديدة، شاركت فيه حركة ابناء البلد، قيادات في الحركة التقدمية واعضاء ونشطاء سابقون في الحزب الشيوعي. ونشطاء وطنيون آخرون، ولكن من طبع الحركة فكرياً وسياسياً منذ لحظاتها الأولى هو الدكتور عزمي بشارة. وهو الذي أكسبها الزخم والتميّز سواء من حيث مفهوم المساواة والمواطنة أو من حيث مفهوم الهوية القومية والعلاقة مع العالم العربي. جاء منذ البداية بأفكار مبلورة وبأفق استراتيجي واضح.

يمكن القول أن مرحلة التأسيس وما تلاها، شكلت أعظم وأعمق عملية تثقيف سياسي للحركة الوطنية وللتيار القومي عموماً في الداخل. فالأمر الجديد ليس فقط الذهاب بشعار المواطنة أو المساواة الى نهايته في مواجهة صريحة مع جوهر الدولة العبرية، بل أيضاً الجمع بين القومية والديمقراطية. وتُظهر كتابات العديد من المناضلين والمثقفين الوطنيين، الفلسطينيين والعرب، إستفادتهم من هذا الجمع. ونرى بعضهم يُبشر بتكريس فكرة المواطنة المتساوية في دولهم.

ويظهر ذلك بشكل خاص عندما يناقشون كتابات وإسهامات الدكتور عزمي بشارة وفكر التجمع الوطني عموماً. كما أن إعادة تحديد البعد القومي في نضال التجمع إنطوت على إكسابه بعداً كفاحياً ونظرياً أكثر وضوحاً وأكثر تقدماً. وتُرجم ذلك الى علاقة جديدة بين التيار القومي في الداخل وغالبية القوميين والوطنيين العرب عبر الدكتور عزمي بشارة، وهي علاقة تفاعل ساهمت في إعادة الإهتمام في جوانب كانت مهملة في عملية إعادة ترميم التيار القومي العربي.. مثل الديمقراطية والمواطنة المتساوية.

ولذلك فإن أكثر ما أزعج المؤسسة الإسرائيلية في دور الدكتور بشارة مؤخراً، هو هذا الدور بالتحديد: تجديد وتعميق الرابطة بين عرب الداخل وبقية الأمة العربية. وكان موقف وتحليلات بشارة أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان من أكثرها عمقاً ووضوحاً وانحيازاً من بين عرب الداخل... بل فاق بعض رموز التيار الإسلامي داخل 48 الذين أبدوا تحفظاً غير مبرر كون حزب الله شيعياً!!

لقد كان رئيس الشاباك الإسرائيلي السابق عامي أيالون قد قال في مقابلة لصحيفة عربية محلية في كانون الثاني 2000، إن عزمي بشارة والتجمع تجاوزا الخطوط الحمر، عبر مطالبتهم بإلغاء يهودية الدولة واستبدالها بدولة المواطنين، وأضاف أن هذه الفكرة التي كان يجري تداولها بين قلة من المثقفين أو على هامش المجتمع نقلاها الى مركز الخريطة السياسية العربية.

وقالت القاضية الإسرائيلية تاليا ساسون أثناء بحث طلب شطب حزب التجمع ومنعه من خوض انتخابات الكنيست عام 2003، إن الأخطر في هذا الحزب أنه يطالب بالمساواة الكاملة. لأن المساواة الكاملة تعني الغاء يهودية الدولة والإمتيازات الخاصة بالأكثرية اليهودية.

بعد عدة سنوات (خلال عام 2006 ) يقوم العشرات من المثقفين والأكاديميين العرب بتكليف من رئيس "لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب" بصياغة وثائق تضع تصورات مستقبلية لعرب الداخل، بوحي من فكر التجمع الوطني. المؤسسة الإسرائيلية الرسمية وكتاب أعمدة في الصحف الإسرائيلية اعتبروا الوثائق بمثابة شن حرب على الدولة اليهودية.

إسرائيل تخفق في حربها على لبنان أمام حزب مقاوم هو حزب الله، ويتفاعل غالبية العرب في الداخل علناً مع المقاومة اللبنانية. حزب التجمع يقف موقفاً وطنياً وقومياً عربياً من الحرب، ويبرز رئيسه كأكثر المدافعين عن حق المقاومة اللبنانية في الدفاع عن نفسها وعن الأراضي اللبنانية والشعب اللبناني.

إزاء ذلك كله تشعر اسرائيل أنها فقدت قوّة الردع، ومست هيمنتها بصورة لم يسبق لها مثيل.. الفلسطينيون في قطاع غزة يخطفون جندياً اسرائيلياً الصيف الماضي، وكذلك مقاتلو حزب الله يخطفون جنديين ويقتلون آخرين، وبعدها يُغرق الحزب قلب اسرائيل بالصواريخ بجرأة نادرة رداً على الحرب الشاملة التي شنتها إسرائيل ويزعزعون قدرة ردعها، والعرب في الداخل يتماثلون مع "العدو العربي" ويصدرون الوثائق التي تطالب بإلغاء الإمتيازات اليهودية، وتحويل اسرائيل الى دولة المواطنين وعدم التسليم بها كدولة ليهود اسرائيل والعالم.

اسرائيل تشعر أنها بحاجة ملحة وفورية لاستعادة قوة الردع لأن الإستراتيجيين الصهاينة يؤمنون بأن فقدان الردع معناه بداية النهاية لاسرائيل. قالت بعض أبواقهم لقد أصبح أي كان يتطاول على إسرائيل، بما فيهم المواطنون العرب حاملو المواطنة الإسرائيلية. وعليه يجب وضع حدّ لذلك.

لم تأت المؤامرة ضد الدكتور عزمي بشارة لتؤشر الى بداية مرحلة جديدة، بقدر ما جاءت لتؤكد على دخول المؤسسة الإسرائيلية في فصل جديد من المرحلة السياسية الجديدة التي دشّنتها بعد هبة القدس والأقصى مباشرة.. خاصة بعد أن شخصت التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية كتنظيمين عربيين خرجا عن القوالب المرسومة التي كانت قائمة حتى أواخر الثمانينيات.

ولكن المواجهة مع التجمع الوطني تنطوي على صعوبة اسرائيلية في تبريرها وتسويقها في المجتمع الغربي وجزء ولو بسيط من الرأي العام الإسرائيلي بسبب البرنامج الديمقراطي الذي يتبناه التجمع. أما المواجهة مع الحركة الإسلامية فلا تحظى باهتمام المجتمع المدني في الغرب نظراً لحملة تشويه الإسلام التي تقودها الإدارة الأمريكية تحت شعار محاربة الإرهاب. ولذلك إسرائيل لا تتعرض لضغط بهذا الخصوص، بل تلقى التشجيع. مع ذلك لم تترك القوى الوطنية لعرب الداخل الحركة الإسلامية والشيخ رائد وحدهما في حملة الملاحقة التي تُوجت باعتقال القيادات، بل التفت حولها وساندتها بدون أدنى تحفظ.

إذاً التحدي الأكبر والمحرج أمام الدولة العبرية هو وقوعها في المواجهة بين ديمقراطية مفترضة (الديمقراطية اليهودية) وديمقراطية حقيقية يتبناها حزب سياسي يطرح حلاً ديمقراطياً وإنسانياً للعربي الفلسطيني ولليهودي الإسرائيلي – عبر دولة المواطنين أو دولة ثنائية القومية.

وعليه فقد أخفقت المؤسسة الإسرائيلية عبر جهازها القضائي بإدانة عزمي بشارة على خلفية مواقفه الديمقراطية ومواقفه المساندة لحق الشعوب في الدفاع عن أرضها وسيادتها. كما أخفقت أيضاً في شطب التجمع، وذلك عبر المواجهة القانونية – السياسية التي جرت مع الجهاز القضائي الإسرائيلي. ولكن المحكمة التي أقرت عدم شطب التجمع قبل ثلاثة أعوام اعتبرت أن التجمع اقترب من الحافة ولذلك جرى لاحقاً تمرير قوانين جديدة، ويُخطط لسنّ قوانين لتقليص مساحة المناورة، الضيقة أصلاً، أمام التجمع أو أي حزب عربي يحذو حذوه.

وبما أن مسألة الملاحقة للسياسيين العرب ولحركاتهم السياسية على خلفية قضايا ذات طابع دستوري تنطوي على إشكالية والكثير من الإحراج وعدم الإرتياح، فإنها تلجأ اليوم الى فبركة ملف أمني لسهولة حسم المواجهة بالطريقة التي تجيدها إسرائيل.. الطريقة الأمنية..

حاولت ولا تزال المؤسسة الإسرائيلية عزل المؤامرة ضد عزمي بشارة عن السياسات المنهجية المتبعة والمنفذة يومياً ضد المواطنين العرب في الداخل ككل، وضد كل أشكال التعبير السياسي المتقدم في أوساط العرب. وحاولت أن تظهر عزمي بشارة كـ"نبتة ضارة ووحيدة". وهي في الواقع تستهدفه لدوره الكبير وتأثيره الواسع والعميق، ولأنها تريد أن توقف هذا التأثير المتنامي بين عرب الداخل.

ولكن قيادة التجمع الوطني الديمقراطي لم تتح الفرصة للدولة العبرية، فأعادت التذكير المرّة تلو المرّة بتصريحات الشاباك الأخيرة القائلة بالخطر الإستراتيجي للعرب على الدولة العبرية، وباستحضار الملاحقات والمحاولات لشطب التجمع ومحاكمة عزمي بشارة على قضايا ذات طبيعة دستورية. وكذلك استحضار ملف الشيخ رائد صلاح والحركة الإسلامية على الرغم من الإختلاف الكبير من حيث حجم العنصر الأمني الوارد في ملف الدكتور عزمي بشارة. كما وتصدى التجمع منذ البداية لمحاولات تقسيم المجتمع والقوى السياسية بين معتدل ومتطرف، واستذكر شهادات وأمثلة من التجربة الإسرائيلية تورط فيها الشاباك في فبركة الملفات الأمنية ضد شخصيات اسرائيلية مهمة.

من ناحية ثانية، فإن التهم الموجهة الى الدكتور عزمي بشارة سواء كانت مالية أو أمنية تندرج ضمن العلاقة مع الحركات الوطنية مع العالم العربي، ورفض الوقوف الى جانب اسرائيل في حربها ضد هذه الحركات والدول. ولذلك فإن غالبية المواطنين العرب اقتنعوا بأن الملف الأمني ملفق وأن التهم هي فقط بسبب الموقف السياسي والمعنوي المؤيد لحق المقاومة اللبنانية في التصدي للعدوان الإسرائيلي.

كل هذه العوامل مجتمعة، ساهمت في تصليب موقف غالبية المواطنين العرب وخاصة الأوساط الوطنية الفاعلة، فئات وحركات وجمعيات وشخصيات، وفي عزل العملاء والإنتهازيين، وإضعاف تأثير الحاقدين الذين حاولوا في المرحلة الأولى تسويق الموضوع المالي في إطار فساد وليس في إطار أمني.

هذا لا يعني أن العاصفة مرّت. فلها تداعيات مباشرة وأخرى بعيدة المدى. فالدكتور عزمي بشارة، سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى الإنساني فهو مضطر أن يكون بعيداً ولو مؤقتاً عن الوطن والأهل وإن كان يعتبر الوطن العربي وطناً له، وهو يمارس ذلك سياسياً وثقافياً ووجدانياً.

أما على مستوى عرب الداخل، وعلى مستوى التيار الوطني بصورة عامة، وفي مقدمتها التجمع الوطني الديمقراطي، فإنهم أمام تحدٍ حقيقي. إسرائيل تسعى الى حسم الأمر مع العرب قبل أن يمضوا في مشروعهم السياسي الثقافي بعد أن تراكمت الأفكار والإنجازات في هذا الإتجاه.

هناك مخططات جارية ومتجددة لإعادة رسم اللعبة السياسية بهدف الحدّ من حرية الحركة الوطنية وتأثير أطروحاتها السياسية والثقافية والميدانية. وكذلك هناك مخططات لتسريع تهويد ما تبقى من الأرض وتكريس الدونية – الإقتصادية الثقافية والسياسية. ومخططات لإعادة هندسة الأجيال الفلسطينية الجديدة عبر الخدمة الوطنية الإسرائيلية تمهيداً للخدمة في الجيش.. وخلق ولاء لدولة اسرائيل، طبعاً ليس مقابل تحقيق المساواة الكاملة.

الهدف هو المضيّ في تهويد كل بقعة أرض فلسطينية متبقية غير مستغلة، وإعادة تشكيل وعي الأجيال الشابة وإسكات العرب عموماً وقواهم الوطنية عن المطالبة بالحقوق الكاملة وإلغاء جميع الإمتيازات اليهودية. فالدولة العبرية أصبحت ترى أن الطروحات الثقافية والسياسية والإنسانية الجديدة لا يتوقف تأثيرها على مضامين المناظرة القائمة بين العرب والدولة بل أنها تنطوي على عملية تثوير شعبي وإمكانية إنفجار هبات شعبية متوقعة بأشكال مختلفة في المستقبل.

يمكن الجزم أن امتداد تأثير أفكار عزمي بشارة والتصورات المستقبلية في أوساط عرب الـ 48 أصبحت حقيقة راسخة، خاصة في أوساط النخب المثقفة والسياسية. فقد تم تذويت هذه الأفكار والتصورات لمستبقل العرب في الداخل والذي يعني الوصول الى قناعة بأنه لا يمكن الوصول الى مساواة كاملة أو حل وسط مع المجتمع اليهودي الإسرائيلي بدون هذه الأفكار. فالبديل الآخر والذي أصبح متداولاً في الآونة الأخيرة هو حل الدولة الواحدة – دولة ثنائية القومية أو دولة علمانية ديمقراطية. والتجمع كما هو معروف لم يغلق الباب أبداً أمام هذا الأفق. ودولة المواطنين المطروحة من قبل التجمع هي بوصلة توجيه وطني وديمقراطي للحركة الوطنية في الداخل.

وكما هو واضح للعيان فإن أفق حل الدولتين الذي تتبناه الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1974 كبديل عن الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في فلسطين، مسدود في المرحلة الراهنة.

إن إسرائيل غير ناضجة وليست مهيئة لقبول الحل الوسط. فإخفاقها أمام المقاومة الفلسطينية وهزيمتها أمام المقاومة اللبنانية جعلها أكثر تطرفاً وتمسكاً بمشاريع حلول أو تصفية هدفها الأساسي ضمان أوسع مساحة من الأرض وأقل عدد من العرب داخل مناطق سيطرتها. إنّ هدفها الأساسي الحفاظ على الأكثرية اليهودية وهيمنتها على مقدرات البلاد وعلى الفلسطينيين.

وعليه فإنه لا يتوقع أن يحدث تراجع جدي في سياسات اسرائيل ضد العرب في الداخل وضد أشكال التعبير السياسي عن طموحاتهم الحقيقية في المدى المنظور، بدون إعادة تنظيم العرب ووضع استراتيجية متماسكة وواقعية تأخذ عناصر القوى الأساسية: الفكر السياسي الحديث الذي أثبت حتى الآن فاعليته في رفع مستوى الخطاب السياسي العربي في الداخل وفي مقارعة الصهيونية، النضال الشعبي، البعد الدولي.

وفي سياق الصراع الشامل بين الشعب الفلسطيني والصهيونية، أصبح مطلوباً أكثر من أي وقت مضى فتح آفاق التنسيق السياسي المنهجي بين مركبات الحركة الوطنية الفلسطينية في عموم الوطن وفي الشتات، وبحث إقامة التعبيرات السياسية الوطنية الديمقراطية المشتركة وتوفير مقومات وآليات إعادة بلورة الحركة الوطنية الفلسطينية وإعادة تحديد قيمها الوطنية والديمقراطية والتنويرية وطرح حلول جذرية وإنسانية للصراع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018