أيها الفلسطينيون: اقرأوا عزمي بشارة../ نزار السهلي*

أيها الفلسطينيون: اقرأوا عزمي بشارة../ نزار السهلي*

الحديث عن المفكر العربي د. عزمي بشارة ليس مديحا وإنما تشريفا، لجيل فلسطيني وعربي شهد ولادة الفكر العربي القومي وما يمثله من طرح، قدم له الدكتور بشارة خلال العقدين الماضيين ومنذ ولادة حزب التجمع الوطني داخل الخط الأخضر في أراضي 48، بدأ يحتل ساحة الفكر والسياسة على امتداد الشارع العربي
فليس غريبا أن يكون جمهور الشباب، هم أول الواصلين إلى ما يطرحه الدكتور بشارة، وأول النقاش في منتديات الفكر والسياسة حول فكره في المشروع النهضوي العربي الذي أسس له في كل طروحاته.

بشارة لم يكتسب هذه الشعبية الفكرية والجماهيرية لأنه عزمي، بل لأن تشابك قضيته الشخصية مع قضية شعبه كونه فلسطينيا وعربيا، الذي وجد من خلال البحث والتقديم لأدوات مواجهة المحتل وفي نقد التجربة الفلسطينية والعربية في دعم الشعب الفلسطيني، فكان لزاما تقديم الوعي واغتناء التجربة عبر تشكيل حزب التجمع وخروج العقل الفلسطيني داخل الخط الأخضر من التبعية للأحزاب الإسرائيلية وتكوين هوية عربية وطنية لمواجهة الأسرلة، وتحرير العقل العربي، وفضح زيف الديمقراطية الإسرائيلية، وإزاحة الستار عن الوجه العنصري والقبيح لدولة الابارتهايد، القائمة على عنصرية خالصة ونقية من أي إنسانية تدعيها، ليغدو بشارة وفكره داخل الخط الأخضر، العدو الأخطر على دولة الاحتلال بعد أن غدا التجمع جسما حيا واعيا وشوكة كبيرة في حلق المحتل.

وفي موازاة ما شكله عزمي في الوعي الفلسطيني في الداخل والخارج، وأهمية قرائنه بشكل أعمق بعيدا عن بحور الجدل غير المجدي الذي لا يلامس الواقع الذي ينبه له بشارة، في كل كتاباته ومؤلفاته والتي محورها قضية شعبه وأمته التي ينتمي إليها، برزت قضيته التي هي جزء من قضية شعب كامل ملاحق أمنيا ومهدد بفرض الأسرلة عليه وبالقوانين العنصرية التي تستهدف أولاً النسف الجماعي للذاكرة الفلسطينية، وثانياً تصفية الوجود الفلسطيني للوصول إلى دولة يهودية تدعي الديمقراطية.

لسوء الحظ تصرف "الضمير" السياسي الفلسطيني، وكأن الهجمة التي تعرض لها بشارة لم تقع، بل والأصح وقعت في أرض الآخرين أي تخص عرب 48 ولا تخص الشعب الفلسطيني برمته، ونجد هنا أثر التخريب الفكري التي تشهده الساحة الفلسطينية، من خلال زرع نقاش من نوع تناقض فلسطيني - فلسطيني وعربي فلسطيني، وكلها تقود إلى تفشي نزعة الانفصال عن العرب، وتنامي الدعوة لأن يأخذ الفلسطيني قضيته بيده دون تدخل الآخرين، وهذا نقيض ما يدعو له بشارة في كل المناسبات في التأكيد على عروبة القضية الفلسطينية وأهمية الدفاع والحفاظ على الحقوق الفلسطينية الثابتة.

ومن مظاهر الدفاع عن هذه الحقوق ما تحدث عنه بشارة مؤخرا هو الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة، ودعوة كل فلسطيني وفلسطينية للانخراط بها، بعيدا عن التجاذب الحاصل في الساحة الفلسطينية وخارج الصراع الفصائلي، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة القضية الفلسطينية إلى سكتها العربية، وإسناد الدور والتعبئة لكل عربي.

نعم ثمة تفسيرات سهلة ولكن نتائج قبولها ليس كذلك، وفي الدعوة لقراءة عزمي بشارة فكرا وعملا إنما لمواجهة التضليل وشراء الذمم والجهل والانتهازية والديماغوجية إلى ما في قاموس التحليل الاجتماعي والسياسي، الذي ساد وتفرع عنه طبقة سياسية وثقافية فلسطينية وعربية، مهمتها الأولى التضليل وإعادة إنتاج ثقافة القبول بما هو مطروح سياسيا وثقافيا واقتصاديا على المجتمع الفلسطيني والعربي، وتطويع العقل الفلسطيني، لقبول كذبة المواطنة والاندماج مع دولة الاحتلال، ليصار بعد ذلك فرض نكبات أخرى على الشعب الفلسطيني وإعادة تهجيره من أرضه.

من الطبيعي أن تشهد الساحة الفلسطينية منذ ما بعد النكبة على وجه الخصوص ولادة أحزاب وتجمعات، تعبر عن الخطر المحيط بها وان تلقي بظلها على ساحة العمل السياسي الفلسطيني لتكون فلسطين ساحتها الرئيسية، ولأكثر من سبب أنجبت فلسطين رجالاتها ومفكريها وساستها، ليدخل في قاموس الفكر الفلسطيني عظماء نحفظ أسماءهم ولا نقرا أعمالهم، كالمفكر العربي عزمي بشارة ومن سبقه في ركب الرحلة الفلسطينية من غسان كنفاني الذي أوصانا يوسف إدريس أن نجعله نبراسا ً لنا إلى أنيس الصايغ وشفيق الحوت وجورج حبش ووديع حداد وكمال ناصر وكمال عدوان وادوارد سعيد. وكل هؤلاء الذين أسقطهم من الذاكرة والفعل اليومي "الضمير" السياسي الفلسطيني عن قصد ومع سبق الإصرار ومع مزيد من قلة الاحترام للعقل الفلسطيني، فانه من الوفاء والواجب هو القراءة والاهتداء، بما أنجبته فلسطين، ونفض الغبار والتكلس عن العقل الفلسطيني والعربي ونبش الذاكرة للكشف عن ما هو حقيقي وبين ما هو مفتعل لمواجهة المحتل، والحقيقة التي فضحت زيف المحتل في الديمقراطية والمواطنة.

وما قدمه ناجي العلي ساخرا ومؤلماً، وغسان كنفاني في الدلالة على أدب الأرض المحتلة عام 48 استكمله عزمي بشارة في " العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل"، إلى "أن تكون عربيا في أيامنا"، وما بينهما "المجتمع المدني" و"الانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي"، "عن النهضة المعاقة"، و"من يهودية الدولة حتى شارون دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية" و"حب في منطقة الظل" و"في المسألة العربية - مقدمة لبيان ديمقراطي عربي" و" نشيد الإنشاد الذي لنا".

وبالطبع هذا ليس تقديما لإنتاج المفكر العربي عزمي بشارة، بقدر ما هو دعوة لإعادة قراءة فكر المقاومة والتمسك بالثوابت الفلسطينية التي هي فضلا عن الحقوق الثابتة فإننا نعتبر أعلامنا ومفكرينا هم جزء أساسي من مفرداتنا النفسية والفكرية والثقافية التي نواجه بها الحركة الصهيونية والتصدي لتسلل بعض المنظرين لها، في عالمنا العربي.

أيها الفلسطينيون والعرب : اقرأوا عزمي بشارة جيدا لنصون فكرنا من هزيمة لن تقع حتما..