"قلبه على أهله"..

"قلبه على أهله"..

أثناء العدوان – الجريمة الذي شنه الكيان الصهيوني على غزة أواخر 2008، دخلت الى بيت أهلي في القرية فوجدت أبي وأمي يتابعان عزمي بشارة عبر قناة الجزيرة، جلست أتابع الحديث معهما، وأراقب ردود فعلهما، لأنني استغربت أن يتابع إنسانان أميان حديث مفكر رصين مثل عزمي بشارة. كانت أمي التي رحلت عن عالمنا قبل أسبوع من الآن، تهز رأسها وهي تصغي، وعندما انتهى الحديث سالتها بخبث عما فهمته من كلام الرجل. قالت بجدية أشعرتني بالخجل: "ما فهمت شي! بس هالزلمة قلبه على أهله".

لحظتها أدركني الوجوم، فرغم تصريح أمي بأنها لم تفهم شيئاً من كلام عزمي بشارة، إلا أنها التقطت أهم سمة فيه: "قلبه على أهله".

أحسب أن عزمي بشارة يشكل حالة شبه فريدة بين المفكرين العرب. فبعض المتطرفين يتهمونه بالتطبيع، وبعض المطبعين يتهمونه بالتطرف! لكنه رغم ذلك يحظى باحترام ملحوظ من الجمهور العام لمختلف الأطراف المتنافرة رغم أنه ينتقد تلك الأطراف ولا يتردد في تبيان عيوبها.

بعض الباحثين يرون أن الميزة الأهم لعزمي بشارة، تكمن في أنه "ظلّ أميناً للثقافة، بوصفها ضمير الأمة، ولم يقع في مطب الأيديولوجيا أو الدوغما من جهة، ولم يؤجر ثقافته لأية سلطة من جهة أخرى". لكنني أعتقد شخصياً أن فرادة عزمي بشارة تكمن في نزاهته قبل كل شيء آخر، فهو لا يتجاهل عيوب الصديق ولا يضخم مثالب الخصم، بل يسعى إلى الحقيقة لإيمانه بأن الحقيقة وحدها هي التي يمكن أن تحررنا.

فبشارة هو القائل: "إن من يعتبر حركة وطنية واسعة مثل حماس حركة تكفيرية هامشية يقوِّض إمكانية بناء المقاومة، وحتى المجتمع في فلسطين. وهو نفس النهج الذي يجهض إمكانية بناء الديمقراطية في المجتمعات العربية" وبشارة هو المنتقد لحماس أيضاً والمطالب لها بأن..."لا تفرض آراءها ونمط حياة رجالها ونسائها على الناس في غزة".

يقرأ عزمي بشارة ويتكلم ويؤلف بالعربية والعبرية والإنجليزية والألمانية، إلا أنه بالرغم من ثقافته النظرية الواسعة التي يتمتع بها ليس من سلالة الحبر والورق بل من أبناء الواقع الأليم، وتشهد على ذلك الطلقة المطاطية التي يقال إن بصمتها ما تزال بادية على جسده.

هو ابن الواقع، لكن واقعية عزمي بشارة تختلف كلياً عن واقعية المنصاعين لهيمنة النظام الرسمي الغربي، الذين يدعون لواقعية قبول الهزيمة وتأبيد المأزق!
كما أن واقعيته لا تشبه واقعية من تحولوا إلى ظاهرة صوتية تقول ولا تفعل، وتكرر الوعد ولا تنجز!

واقعية عزمي بشارة تتبدى في الدعوة لاستثمار كل إمكانيات الواقع العربي المأزوم لتغييره والخروج به من مأزقه فإذا كانت معطيات الواقع الراهنة لا تسمح بتحقيق تسوية مشرفة في وقت قريب فإن واقعية عزمي بشارة تقتضي الحفاظ "...على مقومات وحدة الشعب الفلسطيني والمحافظة على المعاني والقيم اللصّاقة للمجتمع الفلسطيني والتي تمنحها حركة التحرر الوطني وأهمها الحفاظ على حق العودة والتحرر من الاحتلال".

يرى عزمي بشارة أن تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني والأمة العربية يعني العودة إلى ما جرى عام 48. فقضية فلسطين هي قضية النكبة، هي قضية استعمار استيطاني لفلسطين وقد اتخذ هذا الاستعمار الاستيطاني منذ عام 67 أشكالاً تماثل نظام الأبارتهايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا".

يرى بشارة أنه: "ليس هناك من قضية فلسطينية غير عربية، وليس هناك من قضية فلسطين منفصلة عن المسألة العربية (...) ولن يتحرر العرب ما لم يتحرر الفلسطينيون، ولن يتحرر الفلسطينيون دون أن يتحرر العرب".

يرى بشارة أيضاً أنه "لا وصفة لبقاء العروبة حيّة في الوجدان العربي اليوم، إلا ببقاء القضية الفلسطينية، قضية العرب جميعاً"، ويحذر من تحويلها إلى قضية فلسطينيين، ليس خوفاً على الأرض المحتلة فحسب، وإنما خوفاً على العروبة والعرب في آن، "من أن يتحولوا إلى طوائف وملل وقبائل متناحرة داخل القطر الواحد".

وهو يرى أنه لا يحمي الدولة القطرية القائمة، من التفكك والانحلال سوى الفكر القومي "الحداثوي القائم على الديمقراطية والمواطنة والحريات العامة ".

يقول بشارة في كتابه الأخير «أن تكون عربيا في أيامنا» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية –2009:
"أن تكون عربيا في أيامنا.. هي الجمرة التي تحرق قلوبنا قبل أيدينا، لكنها تؤكد بقاء الروح داخل هذا الجسد المريض والممتد من المحيط إلى الخليج".

تتجلى شجاعة عزمي بشارة في طرح الأسئلة المحرجة، وقول مالا يقال:
هو القائل: لماذا لا توجد مقاومة فعلية، إلا في البلدان التي تضعف (الدولة) فيها؟!
هو القائل: تحوّلت المفاوضاتُ من مفاوضاتٍ من أجل تحقيقِ الحقوق، إلى مفاوضاتٍ على الحقوق.
هو القائل: - العالم - بمعنى الرأي العام العالمي – مصطلح وهمي والشرعية الدولية مصطلح عربي.

ينحت عزمي بشارة مصطلحاته بمهارة وطرافة مثل مصطلح "التكاذب العربي" عند إنكار تورط أنظمة عربية في الجريمة على غزة والعدوان والحصار!

لغة عزمي بشارة متينة سلسة لها طلاوة الأدب، وهو يمتاز برشاقة الأسلوب وخفة الظل، على العكس من معظم المفكرين الذين يغلب عليهم التجهم:
يتهكم عزمي بشارة بظرافة على صناعة "التسلية والترفيه من المهد إلى اللحد"، وعلى "الاستهلاك حتى الهلاك:، وهو القائل:
"عارنا في جنيف. الوجوه كالقديد، وفقدان ماء الوجه بلغ حد التحنط".

وهو من خاطب المواطن العربي العادي بمزيج من المرارة والتهكم قائلاً: "أين أنت أيها الإنسان العادي ؟ اشتقنا إليك. أسمعنا صوتك أيها المواطن ذو العقل السليم".

في عام 2002 فاز عزمي بشارة بجائزة ابن رشد للفكر الحر. وفوز بشارة بجائزة ابن رشد يحيلنا إلى الحبل السري الذي يربط بشارة المفكر بابن رشد الفيلسوف.

في كتابه ( ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص)، يلخّص الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري حاجتنا لابن رشد بجمل تصلح في وصف حاجتنا للجابري نفسه. ولعلها تصلح أيضاً في وصف حاجتنا إلى عزمي بشارة نفسه أيضاً، إنها الحاجة "إلى روحه العلمية النقدية الاجتهادية، واتّساع أفقه المعرفي، وانفتاحه على الحقيقة أينما تبدّت له، وربطه بين العلم والفضيلة على مستوى الفكر ومستوى السلوك سواء بسواء" لأنه "أنموذج المثقف العربي المطلوب اليوم وغدًا، الذي يجمع بين استيعاب التراث وتمثل الفكر المعاصر والتشبّع بالروح النقدية، وبالفضيلة العلمية والخلقية".
"إنه مفكر أصيل من داخل التراث العربي"
كذا يقول عزمي بشارة عن الجابري، وكذا أقول عن عزمي بشارة.

في الختام أستعير كلمات صديقي الشاعر العربي السوري نزيه أبو عفش التي قالها في الصالة الرياضية في حمص مخاطباً محمود درويش في آخر ظهور جماهيري له في الوطن العربي ضمن فعاليات أسبوع مار اليان 2008:
صديقي ومعلمي، لا أقدمك إلى احد، بل إليك أقدِّمنا جميعاً.