د.عزمي بشارة في الجامعة الأميركية في القاهرة..

د.عزمي بشارة في الجامعة الأميركية في القاهرة..

التقى الدكتور عزمي بشارة مع طلبة الجامعة الأميركية في القاهرة لإلقاء الكلمة الرئيسية الافتتاحية للبرنامج المسمى الجامعة العربية، وكان اللقاء حاشدا في كبرى قاعات الجامعة.

هذا وقد التقى بشارة وزير الخارجية المصري الذي استقبله في مكتبه يوم الأربعاء لجلسة تداول وتشاور في الأوضاع السياسية، كما التقى النائب بشارة أثناء زيارته لمصر بالعديد من المثقفين والكتاب المصريين.

لقاء مع الطلبة ومحاضرة

في لقائه مع طلبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة الثلاثاء، وعرضته قناة الجزيرة مساء الأربعاء، تطرق د.عزمي بشارة بداية إلى كتابه الذي صدر مؤخرا "في المسألة العربية" مؤكدا أنه يؤمن بأن هناك "مسألة عربية"، مثلما كانت تاريخيا "المسألة الشرقية"، وطرح التساؤل حول كون القومية العربية هي الوحيدة عالميا المضطرة إلى تبرير وشرح ذاتها، وفي الوقت ذاته، وصلنا إلى وضع نقبل فيه بقومية الأكراد، وأن لهم حقوقا قومية، مع التأكيد على أن إدارة الظهر والابتعاد عن القومية العربية لم يحي قومية مصرية بل أذكى بشكل مفاجئ تمايزا قبطيا مسلما ، على سبيل المثال، ولم تحل بنجاح محل القومية العربية.

وقال إن كون القومية العربية بنت القرن التاسع عشر، فإن ذلك يؤكد أنها هوية حديثة، وأنها هويتنا في مقاربة الحداثة، ولا يمكن الاستعاضة عنها في مرحلة الدولة. فالقومية العربية هي هويتنا الحديثة لأنها رابطة ثقافية مسيسة وليست عرقية، ولأنها تقوم على وسائل الإنتاج الحديثة، ولأنها تقوم على أساس الدولة الحديثة، وعلى عملية بناء الأمة. وأن عدم الاعتراف بها كرابطة سياسية أحيا روابط ما قبل حديثة، ولذلك فإن البديل لعروبة العراق، على سبيل المثال، يصبح الانتماء الطائفي؛ سني وشيعي، وكذلك يصبح البديل لعروبة لبنان مسلم ومسيحي وماروني وأرثوذوكسي..

وأشار إلى أنه لم تنجح محاولات الابتعاد، لزعيم أو حكومة، عن المحيط العربي خارج القومية العربية. وتناول محاولة بناء هوية فرعونية مصرية، في أعقاب زيارة السادات وتوقيع كامب ديفيد، وفي لبنان لم تنجح الهوية الفينيقية، ولم تنجح الهوية الكنعانية في فلسطين، وحتى الاستعراض "البابلي" للعراق بعد نشوة الحرب مع إيران، عند احتلال الكويت، أدى إلى نتائج وخيمة.. ليصل إلى نتيجة أنه لا يوجد بديل سوى القومية العربية، وليست القومية العربية هي المأزومة بل إيديولوجيتها هي المأزومة ، والبدائل عنها هي المأزومة. القومية العربية هي القومية الكبيرة الوحيدة التي لم تحظ بحق تقرير المصير. والطريق الى ذلك يمر عبر دمقطرة الدول والمجتمعات العربية والفكرة القومية العربية.

وقال هناك من يحاول أن يفرض علينا، كشرط لمفاوضات أنابولس، الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، ما يعني الاعتراف بالصهيونية. وهذا الاعتراف ليس اعترافا بإسرائيل فحسب، وإنما بشرعية وجودها أيضا، وفي ذلك نفي تاريخي لأنفسنا.

الاعتراف بيهودية الدولة يعني الاعتراف بالصهيونية، والاعتراف باليهودية كقومية، مع الإشارة إلى أن هناك 6 ملايين يهودي أمريكي يؤكدون على أنهم جزء من القومية الأمريكية وليسوا قومية يهودية. وفي هذا السياق أشار إلى موقف وزير الخارجية الفرنسي كوشنير، ووزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، وآخرين في رفضهم، وهم في لبنان، التدخل الأجنبي (الإشارة إلى العربي) في لبنان، وهو ما يؤكد عدم الاعتراف بالقومية العربية..

كما لفت إلى أن إسرائيل، وليس إيران أو باكستان، مثلا، هي المكان الوحيد في العالم الذي فيه الهوية القومية هي الانتماء الديني، أي تطابق كامل بين الإنتماء الديني والقومي. وفي المقابل فإن القومية العربية ولدت من رحم مفهوم الأمة الإسلامية كرابطة دينية للامبراطورية العثمانية بتمايز عنها، وتعريف القومية عند العرب يختلف عن تعريف الدين، والقومية ليست هي الدين.

واعتبر شرط الاعتراف بيهودية الدولة أنه في الواقع تنازل عن حق العودة قبل بدء المفاوضات، حيث أنه إذا كانت الدولة يهودية، فلا يمكن المطالبة بالعودة إليها. كما يعني هذا الشرط عدم إمكانية المساواة للمواطنين غير اليهود في إسرائيل، لأن 20% من السكان هم سكان البلاد الأصليون، فالدول يجب أن تكون لجميع الموطنين وليس لجماعة واحدة.

وقال د.بشارة إن التوجه الأمريكي لعقد مثل هذا المؤتمر، مؤتمر أنابولس، هو حملة علاقات عامة، حيث لم يتم الإعداد للمؤتمر، ولا يوجد له جدول أعمال، ولا يوجد اتفاق. فسياسة الولايات المتحدة في المنطقة هي سياسة مواجهة، وإزاء فشلها تقوم بمحاولة للقول بأنها لا تتحدث بلغة البوارج والحروب فقط، وإنما أيضا بلغة عملية السلام.. وليس مهما بالنسبة لها أن يكون هناك حل، وإنما أن تكون عملية سلام، وأن تنشغل الدول بها.. فهم بحاجة إلى هذه العملية.. وسياسات المواجهة هذه، التي قد تتخذ شكل الحرب، هي التي تستقطب المنطقة، وتمنع حصول حوار سوري مصري، مثلا، وتمنع قيام حكومة وحدة وطنية في فلسطين..

أما بالنسبة للدولة التي يتحدث عنها بوش، فقد سبقه شارون بالحديث عنها، وكان هدفه التخلص من العبء الديمغرافي للفلسطينيين في كيان يضم أكبر عدد من الفلسطينيين على أصغر بقعة من الأرض، أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وبدون القدس، وبدون حق العودة، وبدون إزالة المستوطنات.

وقال إنه تم تحويل القضية الفلسطينية إلى دائرة علاقات عامة عند الأمريكان، لأنهم نجحوا بتحويل السعي الفلسطيني إلى التحرر من خلال الدولة، ولأن هناك نخبة سياسية فلسطينية تخلت عن كل الخيارات ما عدا الخيار التفاوضي، وأصبحت رهينة بيد الولايات المتحدة. ومن هنا فإن الطرف الوحيد الذاهب إلى أنابولس بجدية هو الطرف الفلسطيني لأنه بحاجة إلى أي شيء، ومن هنا فقد بات يتم ابتزازه يوميا، خاصة وأن هذا الطرف ضعيف بسبب غياب الوحدة الوطنية، علاوة على أنه قد اعتبر المقاومة غير شرعية، وبالتالي لا يمكن أن يهدد بها، بل هو يهدَّد بها لأنه مهما فعل فسوف يتهم بأنه "لا يتخذ خطوات كافية" ضدها.

وأضاف أن كل ذلك يحصل بسبب الاستقطاب الجاري على الساحة العربية. وبسبب هذا الاستقطاب أيضا، فقد تم، ولأول مرة في التاريخ العربي الحديث، تبرير العدوان الإسرائيلي على شعب عربي، وهذا المنطق يبرر تدمير أكثر من ثلث لبنان بسبب أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين، ويبرر عدوان 1956 بسبب العمليات الفدائية، ويبرر عدوان 1967 بسبب إغلاق مضائق تيران، ويبرر العدوان على لبنان في عام 1982 بسبب محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي أرغوف في لندن. أي أن هذا المنطق يبرر كل عدوان إسرائيلي بأثر رجعي، وهذا أمر خطير جدا.

وفي هذا السياق لفت إلى أنه لا يوجد أي سبب لعدم حصول توافق في لبنان، بيد أن ذلك نتاج الاستقطاب العربي الحاصل المفروض أمريكيا. ولو كانت السعودية وسوريا مصر تتحاور دون محاور لأمكن الاستغناء عن هستيريا كوشنير وخفته التي نشهدها.

وأنهى محاضرته بالقول إنه عندما نشأ نموذج جذاب للمقاومة، جرت محاولة لدق أسافين طائفية بينه وبين الشباب العربي، بشكل مقصود ومسيس. وهنا "نعود إلى ما بدأت به، وهو أن ما يحصن ضد هذه المحاولات هو الهوية القومية التي نقارب بها هذا العصر كجماعة".

وفي نهاية المحاضرة أجاب د.بشارة بشكل مقتضب، بسبب ضيق الوقت، على عدد من الأسئلة، تناولت عددا من المواضيع من بينها قرار التيار القومي في الداخل المشاركة في الانتخابات، في أعقاب أوسلو، ومحاولات منع التجمع الوطني الديمقراطي من خوض الانتخابات، والملاحقات السلطوية ضد د.عزمي بشارة وتلفيق الملف الأمني له بعد فشل الملاحقات السياسية السابقة، وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة والأخطاء التي ارتكبتها والخطايا التي ارتكبت بحقها مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف قطاع غزة المحاصر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018