محاضرة الدكتور عزمي بشارة: "عن الثورة والمرحلة الانتقالية"

محاضرة الدكتور عزمي بشارة: "عن الثورة والمرحلة الانتقالية"


ألقى الدكتور عزمي بشارة المحاضرة الرئيسة في اليوم الثاني للجلسات العامّة في منتدى الجزيرة السّابع الذي عقد في الفترة من 16 إلى 18 آذار / مارس بعنوان: "العالم العربيّ في مرحلةٍ انتقاليّةٍ: الفرصُ والتحديّاتُ". وكان عنوان محاضرة الدكتور بشارة "عن الثورة والمرحلة الانتقاليّة"، وفيما يلي نصها كاملًا:

"عن الثورة والمرحلة الانتقالية"

يوحي عنوانُ ندوتِكم هذه [منتدى الجزيرة السّابع] بأنَّ العالمَ العربيَّ كلَّه يمرّ بمرحلةٍ انتقاليّةٍ، وبأنّ هذه المرحلةَ لا تقتصر على الدّولِ التي شهدت ثوراتٍ شعبيّةً. وها أنا أتّفق مع هذا العنوان، إنْ أَصبتُ في فهمه. فالمرحلةُ الانتقاليّةُ تشمل أيضًا الدّولَ العربيّةَ التي تبدو هادئةً ومستقرّةً؛ سواءً كانت تمرُّ بعمليّةِ إصلاحٍ أو لا. فما من نظامٍ سياسيٍّ عربيٍّ ستبقى فيه الأوضاع على الصّورة التي كانت عليها. وهنا نؤكِّد على وجود فضاءٍ سياسيٍّ إعلاميٍّ - أو فلنقلْ فضاءٍ تواصليٍّ - مشتَركٍ يجمع الدّولَ العربيّة. ولا يعود ذلك إلى غياب الدّيمقراطيّةِ عن تلك الدّول، وانتشارِ أنماطٍ متشابهةٍ من السّلطويّة الرثّة والفسادِ وتدخّل الأمن في السّياسة فيها فحسب، وإنّما يعود أيضًا إلى أنّ الثّقافةَ واللّغةَ المشترَكَةَ ببُناها الداخليّةِ الوجدانيّةِ كانت مادّةً موصِلةً للهموم والإحباطِ والتذمّر، ثمّ للنّقد والاحتجاج، وأخيرًا للثّورة.

الثّورةُ وما أدراك ما الثّورة! هي فعلٌ في التّاريخ؛ لأنّها واقعٌ راهنٌ ماديٌّ محسوسٌ، بات يجري أمام أعينِنا ساعةَ حصوله، بعد أن تجانست أزمانُنا، وتزامنت تجاربُنا بفضلِ الإعلامِ وغيره. وهي في الوقتِ ذاتِهِ فعلٌ يقع خارجَ التّاريخِ؛ لأنّها تكسر تسلسلاته السببيّةَ، وتقطع صيرورتَهُ التي تذوب فيها الذّات في الموضوع. إنّها من اللّحظاتِ النّادرةِ التي تتصرّف فيها مجموعاتٌ من المواطنين مدفوعةً بحريّة الإرادة، فتحوِّل النّفيَ إلى فعلِ تحدٍّ للنِّظامِ القائمِ، وإنْ كان الثّمنُ هو الموتُ. هي اللّحظةُ التاريخيّةُ والفعلُ الجماعيُّ المحيِّران لبعضٍ من المثقّفينَ والمحلِّلينَ؛ إذ يجعلانِهم يحمِّلون الثّورةَ ذنبَ عدم توقّعِهم لها، أو ينفون عنها هذه الصِّفةَ حتّى لا تكونَ ثورةً غير متوقَّعَةٍ، وتصبحَ فعلًا عشوائيًّا اعتباطيًّا لا يمكن توقُّعُه بحكم تعريفه...

أمّا على مستوى الحكمِ القيميِّ، فالثّورةُ هي فعلٌ رافضٌ للظّلم؛ لا يجوز الحيادُ بشأنِه، والانحيازُ إليه من بابِ الفضيلة. من هنا، فإنّ كلّ من انتظر هذه اللّحظةَ، هو ذلك المنحازُ إليه. إنّ موقفَ المثقَّفِ تجاه الثّورةِ مختلفٌ؛ فهناك المثقّفُ النّقديُّ الذي يتردّد في الانحيازِ إلى الثّورة، وهو غاضبٌ يشعر بالمرارة، ربّما لأنّ الشّعبَ لم يستشِره، أو لأنّ حركة الشّباب المستعدِّ حتّى لملاقاةِ الموتِ قد أفقدَتْه تميُّزَه النقديَّ الذي كان يُعَدُّ بطولةً في إطار النِّظامِ القائم. إنّه المثقّفُ الذي يغارُ من الجمهور الذي توجّهَ إلى الثّورةِ مباشرةً، دون المرور بمراحل النّقد المعهودةِ. وهذا وضعٌ جديدٌ لا يخلو من المخاطر.

أمّا المثقَّف الذي يعادي الثّورةَ؛ فلا يفعل ذلك تأييدًا للظّلم (ومن الذي يعترف بتأييده للظّلمِ؟)، بل لأنّها مؤامرةٌ. وشأنها شأن كلّ مؤامرةٍ؛ لا تتّضحُ خيوطها الخفيّةُ إلّا لاحقًا، وليس بوسعه الآن إلّا تقديرها لنا بالتّخمين والمضاربةِ، ناشرًا في طريقه اللّاعقلانيّةَ والجهلَ والإسفافَ حيثما حلّت أقوالُهُ. وهو بذلك يخون وظيفته؛ فحتّى المثقَّفُ المحافِظ، إنّما يدافع عن قيمٍ محافظةٍ مثل النِّظام والتّقاليد، ولا يكتفي بنشر الشّائعات، أمّا مثقَّفو الأنظمةِ فليسوا  مثقفين محافظين حتى، بل هم يعبِّرون عن ثقافةِ الأجهزةِ الأمنيّةِ على رثاثتها.

ويبقى امتحانُ المثقَّفِ النَّقديِّ كامنًا في عدمِ الانزلاقِ إلى رفض الثّورةِ؛ بدعوى أنّها فاجأَتْه، أو لأنّها لم تُفصَّلْ على مقاسه أو على مقاس توقُّعاته من جهةٍ، وفي عدم التورّط في إصدار أحكامٍ رومانسيّةٍ على الثّوار من جهةٍ أخرى؛ حتّى لكأنّ المشهد يتألّف من أخيارٍ في صراعٍ مع الأشرار.

الثّورة هي تلك اللّحظةُ التّاريخيّةُ التي تتحدّى فيها إرادةُ الشّعبِ الحرّةِ نظامَ الهيمنةِ والسّلطةِ وأدواتِ السّيطرةِ التي تكرِّسه من خارج دستورها وقواعد لعبتها. هي تلك اللّحظةُ التي لا يعود فيها الشّعبُ مَجازًا على ألسنة المثقَّفين ورمزًا في أذهان نقّاد الأنظمة، بل يصبح واقعًا فعليًّا عينيًّا نسبيًّا؛ له لونٌ وطعمٌ ورائحةٌ وعرَقٌ ودمٌ، يُخرِج في الثّورةِ أفضلَ ما فيه، وقد يُخرِج في الثورة أيضًا أسوأ ما فيه. هذا إذا ما تحوّلتْ الثّورة إلى حالةٍ من النّفي فقط، أي حالةٍ من غياب الدّولة.

ومثلما أسلفنا، لا يكون الحكمُ القيميُّ على الثّورة، واقعًا محسوسًا ملموسًا لا غير، يجب فهمُه والتّعاملُ معه، بل يكون بالانحياز إليها على اعتبار أنّها فعلُ حريةٍ ضدَّ الشرّ الكامنِ في الظّلمِ، أو بالانحياز ضدّها في موقفٍ محافظٍ يعِدُّ الحفاظ على النِّظامِ قيمةً أسمى من الحريّة.

نحن نرى الانحيازَ إلى حركة المظلومين فضيلةً. ولكنّ شعرةً فقط تفصِل بين اعتبار انتفاضة المظلومين ضدّ نظام الظّلم خيرًا ضدّ شرٍّ، وبين الحكم على المظلومين بأنّهم أَخْيارٌ ينتفضون ضدّ الأشرار. ليست الثّورة صراعًا بين الأشرار والأخيار، ومن يصنِّف طرفيها بهذا الشّكل يرتكب عدّةَ أخطاءٍ، قد تتحوَّلُ إلى خطايا. فهو يحمِّل المظلومين أكثرَ من طاقتهم، ولا يصبحُ قادرًا على فهم التّجاوزات والأعمال المشينة، ولا حتّى الجرائمَ التي تُرتَكب خلال الثّورات، وهذا خطأٌ؛ كما أنّه لا يصبح متجرِّئًا على نقدها حين يشخّصها، وهذه خطيئةٌ. وعلاوةً على ذلك، فإنّه يُعمِّمُ هذا الحكمَ دون فهمِ طبيعةِ الأنظمة وبنيتِها وضرورةِ تغييرها. ويسير في اتِّجاهٍ خطيرٍ هو تغيير الأفراد العاملين فيها، وكأنّ ذلك تصفيةٌ للأشرار، من دون تغيير طبيعة النِّظام بالضّرورة، وهذه وحدها خطيئةٌ.

وهنا أيضًا تنشأ عدّةُ إشكاليّاتٍ؛ فالثّورة على الظّلم تعني تفكيكَ نظامِ الظّلم، وليس التخلُّصَ من أفرادٍ فحسب، ولا التخلّص من جميع أفراد جهاز الدولة بالضّرورة. وهذا مرتبطٌ بتضييق تعريفنا للنِّظام وتوسيعه؛ فهنالك فرقٌ بين تأدية وظيفةٍ عموميّةٍ في إطار نظامِ ظلمٍ، وبين ارتكاب الجرائم بما هي وظيفةٌ عموميّةٌ. كما أنّ هناك فرقًا بين تبرير القرار بعد صنعِه، وبين عمليّةِ صنعِ القرار  في هذا النِّظامِ. أمّا صنّاعُ القرار - وإن كانوا في بعض الحالاتِ أسرى بنيةِ إطارِ نظامٍ محدَّدٍ، بغضّ النّظر عن نواياهم - فإنّ الثّورات لا تسامحهم على ذلك، وهذه مأساتهم الشّخصيّة التي لسنا اليوم بصدد الخوض فيها.

قد ننزلق في لحظات النّشوةِ والزّهوِ بعد خروج الشّعب متحدّيًا مطالبًا بحقوقه بعد طول صمتٍ واستكانةٍ، وقد نغرق في رومانسيّةٍ تجعل من الثّوار أولياءَ وقدِّيسين، وهم ليسوا كذلك. فهم يخرجون للثّورةِ لحظة الإرادةِ الحرّةِ تلك، وهم نتاجُ الثّقافةِ والاجتماعِ والاقتصادِ، في ظلِّ نظامِ الحكمِ القائمِ. إنّهم نتاج قيَمِهِ السّائدة. وأنظمة الاستبداد الفاسدةِ التي تحكم فتراتٍ طويلةً تُفسِد المجتمعاتِ. والثوّارُ هم نتاجُ تلك المجتمعاتِ؛ وهم أيضًا نتاجُ تحدِّي النِّظام. ولكنّ التحدِّي بالنّفي، لا يعني بالضّرورةِ نشوءَ أخلاقٍ وقيمٍ جديدةٍ.

ولا يمكننا الحديثُ عن المرحلةِ الانتقاليّة - بتعريفها الضيِّق - إلّا إذا فهمنا أو حدّدنا وِجهةَ هذا الانتقال، ولو إراديًّا؛ أي إلّا إذا كنّا نعرفُ الوِجهةَ التي نريد أن يتّخذها الانتقال ويسير نحوَها. فحين يتلاشى القديمُ أمام أعيننا، وينتشرُ الاعتقادُ بأنَّ ما كان لن يستمرَّ ولن يكونَ، ولكنْ دونَ أن تتَّضِحَ ملامحُ الجديد، ففي هذه الحالِ ينتُج خطرُ نشوءِ حالةٍ من الفوضى بدلَ المرحلة الانتقاليّة، أو خطرُ نشوءِ مرحلةٍ انتقاليّةٍ لا نعرف شيئًا عن قوانينها وآلياتها، فيصعب أن نتحكّم فيها.

ولستُ ممّنْ يروْن أنّ الثّوراتِ إذا لم تحمِل برنامجًا واضحًا ومفصَّلًا، فإنّها لا تستحقُّ تسمية الثّورة، فهذا غير صحيحٍ تاريخيًّا. لقد مرّت كلّ الثّورات في التّاريخ - دون استثناءٍ - بلحظةٍ من الإرادةِ الحرّةِ الجماعيّةِ والتحدّي، قبل أن يقومَ تنظيمٌ أو فردٌ بوضع أهدافِ الثّورة. والذين جعلوا لما يُسمَّى بـ "المرحلة الانتقاليّةِ" وِجهةً وهدفًا، هم أولئك الذين قد يُتَّهمون بلغة اليوم بمصادرة الثّورات. فالثّورة الرّوسيّةُ لم تتفجَّر في شباط / فبراير لإقامة نظامٍ شيوعيٍّ أو اشتراكيٍّ، ولكنّ البلاشفةَ الذين استولوْا عليها في تشرين الأوّل / أكتوبر قد حدّدوا لها هذا الهدف، ومراحلَه الانتقاليّةَ تبعًا لذلك. وقبْلها، لم تندلعْ الثّورةُ الفرنسيّةُ بهدف إقامة جمهوريّةٍ ديمقراطيّةٍ، وإنّما القياداتُ السياسيّةُ من النّوادي الباريسيّةِ المختلفةِ التي استولت على الثّورة، هي التي وضعتْ لها هذه الأهداف. وقد تدرّجتْ في وضعها؛ إذ لم يكن هدفُها في البدايةِ إزالةَ الملَكيّةِ وإقامةَ الجمهوريّةِ. أمّا الثّورة الإيرانيّةُ التي يَتَّهِم بعضٌ من المحسوبين على مدرستها اليوم الآخرينَ في دول الرّبيع العربي بمصادرة الثّورات، فهي في مجملِ مسارِها عبارةٌ عن مصادَرةٍ لثورةٍ شعبيّةٍ، بواسطة التّنظيمِ الأقوى العلني الشّامل الذي كان قائمًا في إيران على المستوى الوطني؛ وهو سلك الكهنوت ورجال الدّين.

وقد أعقبتْ هذه الثّوراتِ جميعَها دون استثناءٍ، عمليّاتُ تصفيةٍ واسعةٍ بالقتل؛ أي بالمحاكماتِ الميدانيّةِ والعلنيّةِ الاستعراضيّةِ، لتصفيةِ ما سُمِّيَ لاحقًا بـ "خصوم الثّورة". وكان هؤلاء الخصوم - في البدايةِ - من رموز النِّظامِ السّابقِ، ثمّ حوكِم العديدُ من الثوّارِ، بل من صانعي الثّورةِ، وأُعْدِموا. وفي بعض الحالات، حَكَم قضاةٌ لم يشاركوا في الثّورة بالإعدامِ على ثوّارٍ بتهمة أنّهم أعداءٌ للثّورةِ. ولم يتوقّف عِلم التّاريخ - بعدُ - عن التّنقيب في بنيةِ الثّوراتِ المختلفةِ وسيرورتها، وإنْ اكتفيتُ اليومَ بذكر ثلاثٍ شهيرةٍ منها.

ولكنّ الثّوراتِ العربيّةِ اندلعتْ في حقبة التّحولِ نحو الديمقراطيّةِ عالميًّا، وفي ظلِّ مزاجٍ من التذمّر و"النّكد" الذي اتّخذ شكلًا تنظيريًّا؛ يفيدُ بأنّ هناك استثناءً عربيًّا (Arab Exceptionalism)يمنع التحوّل الديمقراطيَّ عربيًّا، وكأنّ الثوراتِ جاءتْ لتلغي هذا الاستثناءَ.

فهل من حقِّنا أن نقول إنَّ الثّوراتِ العربيّةَ خرجت من أجل الدّيمقراطيّةِ؟
ليستْ كلُّ ثورةٍ على الاستبداد ثورةً من أجلِ الدّيمقراطيّة، ولكنّ الثّوراتِ العربيّةَ قد انطلقت أوّلًا في سياقٍ عالميٍّ تُعدُّ فيه الدّيمقراطيةُ البديلَ للاستبداد، وجاءتْ - ثانيًا - بعد حراكٍ سياسيٍّ مديدٍ طالبتْ فيه قوًى عديدةٌ بالدّيمقراطيّة في العالم العربي. وفي العقد ونصف العقد الأخيريْن، يمكننا الإشارة إلى أنّ فئاتٍ واسعةً من التيّاراتِ الدينيّةِ، قد انضمّتْ إلى مطلب الدّيمقراطيّة، وحتّى إلى الإصلاح الدّيمقراطي في الدّولةِ العربيّةِ، سواءً كان التوجّهُ لهذا المطلب أداتيًّا أو قيميًّا. ثمّ إنّ هذه الثّورات قد اندلعتْ ثالثًا؛ لأنّه لم تتمكّنْ أيُّ قوّةٍ سياسيّةٍ عربيّةٍ من الدّعوة إلى ثورةٍ أو قيادة ثورةٍ، أو من الاستئثار بتنظيمها. لقد خرجتْ الشّعوبُ إلى الثّورة من دون أن تستشير دولةً أو قوةً سياسيّةً. وبحسب رأينا، لو دعتْ أيُّ قوّةٍ سياسيّةٍ النّاسَ للخروج في كانون الأوّل / ديسمبر للاحتجاجِ على استشهاد البوعزيزي في تونس، أو إلى يوم الغضب في مصر يوم 25 يناير، أو إلى ملء السّاحاتِ في تعزٍ وصنعاءَ بالمتظاهرين، أو للتّظاهر أمامَ وزارة الداخليّةِ في دمشق، أو في ساحة المحطّة في درعا؛ لما خرج النّاسُ بهذه الكثافةِ، أو لما خرجوا إطلاقًا لتحدِّي الموتِ استجابةً لنداءِ حزبٍ أو تيّارٍ سياسيٍّ. لكنْ ما كان لأيِّ ثورةٍ عربيّةٍ أن تستمرَّ، لولا وجودُ عددٍ كبيرٍ من المسيَّسين والتيّاراتِ السياسيّةِ فيها؛ فالأحاديّة الأيديولوجيّة لم تتمكّنْ منها، والتعدديّةُ السياسيّةُ مغروسةٌ فيها.

إذن، هي ثوراتٌ ضدَّ الاستبداد؛ تَرفعُ مطالبَ الحريّةِ، وتقييدَ السّلطةِ ومراقَبتَها، وفصلَ الأمنِ عن تدبير حياة الناس اليومية، وعن القرارِ السياسيِّ والاقتصاديِّ، واستقلالَ القضاءِ، ومحاربةَ الفسادِ. وتحقيقها، يعني إنتاجَ آليّاتِ الحكمِ الدّيمقراطي. كما أنَّ التعدديّةَ السياسيّةَ القائمةَ في الثّورات، وعجز أيِّ تيّارٍ على أنْ يقودها وحده، هو أمرٌ يشي أيضًا بالنّتيجة نفسِها. إنّها ثوراتٌ ديمقراطيّةٌ من أجل إقامة أنظمةٍ ديمقراطيّةٍ. ولدينا أكثرُ من دليلٍ على أنّ هذا كان المطلبَ المُجمَعَ عليه، في أيِّ لحظةٍ معطاةٍ خلال الثّوراتِ. لذلك أيضًا حين سُجِّلتْ لحظةُ سقوطِ النِّظام (بغضّ النّظر عمّا إذا كان قد سقط فعلًا أو لا، بتنحِّي هذا الحاكم أو اعتقال ذاك)، توجّهتْ القوى السياسيّةُ مباشرةً نحو وضعِ دساتيرَ ديمقراطيّةً، وإجراءِ انتخاباتٍ... وغير ذلك ممّا عهدناه في الدّولِ التي شهدتْ ثوراتٍ أو حركاتٍ شعبيّةً أو حتّى إصلاحاتٍ أعقبها تحوُّلٌ ديمقراطيٌّ.
وكل من يحاول أن يحيد بالثورة العربية عن هذا المسار إنما يقوم بفعل مضاد لتلك البدايات والمنطلقات.

لكنْ أين تقع مشكلةُ المرحلةِ الانتقاليّةِ عربيًّا؟ هل تكمن المشكلةُ في بروزِ مظاهرَ سلبيّةٍ بعدَ الثّوراتِ؛ مثل التّجاوزاتِ الجنائيّةِ والعصبيّاتِ الدينيّةِ والجهويّة؟ لا، لا تكمن المشكلةُ هنا. فحين يُرفع غطاءُ الاستبدادُ المُحكَم عن مجتمعٍ رزَح تحته عقودًا طوالًا، تخرج مثل هذه الظّواهرِ إلى العلن. فهل تكمن المشكلةُ في تعدديّةٍ فاقتْ ما توقَّعناهُ: أحزابٌ تنشأُ وتنشقُّ، وينشقُّ شِقَّاهَا، وتتكاثرُ مثل الخلايا الأميبية التي تنقسم على ذاتها، وصحافةٌ تَكتبُ أيَّ شيءٍ عن أيِّ شيءٍ دون تحقيقٍ استقصائيٍّ، وشائعاتٌ تُثار وتُجترُّ وتُعادُ إثارتُها من جديدٍ حتّى تفقد أي صِلةٍ لها بالواقع؟ لا، فمن الطّبيعي - بعد هذه المرحلة الطويلة من انعدام الحريّة - أن يَعُدَّ النّاسُ أيّ حريّةٍ عن التّعبير رأيًا، وأيّ شائعةٍ - أو حتّى افتراءٍ - وجهةَ نظرٍ، وأيّ كلامٍ موقفًا، وأيّ تشهيرٍ نقدًا، وأيّ اعتراضٍ - مهما كان مغرِضًا - معارضةً لها حقوقُ المعارضة. فالنّاس بصدد اكتشافِ حريّتهم، وهناك من اعتاد المعارضةَ إلى درجة أنّه مستعدٌّ لمعارضةِ موقِفِه ذاتِه، إذا ما وافَقْتَه عليه.

لا تكمن المشكلةُ هنا، بل في عدم فهم التيّاراتِ السياسيّةِ الرئيسةِ للأمور التّالية: أوّلًا، أنّ الثّوراتِ لم تكنْ حزبيّةً، ولا في خدمة مصالح حزب من الأحزاب. وثانيًا، أنّ الانتقالَ إلى الديمقراطيّةِ يجب أن يُتَفَقَ عليه؛ فما من حزبٍ هنا يستولي على الثّورة، ويضعُ طريقًا إلى نظامٍ أحاديٍّ غير ديمقراطيٍّ. وبناءً عليه، لا بدَّ من الاتِّفاق بين الأحزاب والقوى الرئيسةِ في المجتمعِ. وليس المقصودُ الاتِّفاقُ على برامجها وآرائها بشأن أفضلِ اقتصادٍ وأفضلِ سياسةٍ خارجيّةٍ للبلد، ولا الاتِّفاقُ على محاصصةٍ توافقيّةٍ، وإنّما المقصودُ هو الاتّفاقُ على قواعدِ الديمقراطيّةٍ؛ التي بموجِبها هي فقط، يتنافسون ويُعارضون ويصدرون الصّحفَ. ونعني بذلك التّواطُؤَ على نظام الحريّة، ما دامت الحريّةُ هي الهدفُ، وعلى النِّظامِ الذي تُحفَظ فيه الكرامةُ ما دامت الكرامةُ هي الغايةُ، وعلى النِّظامِ الذي يمنع الفساد والاستبداد، إذا كان هذا هو المُبتغى. لم يكن بإمكان الأحزابِ والتيّاراتِ السياسيّةِ العريقةِ في إسبانيَا إطلاقًا، أن تحقِّق مثلًا انتقالًا سلميًّا نسبيًّا إلى الدّيمقراطيّة بين عاميْ 1978 و1979، بعد أربعة عقودٍ شبيهةٍ بتلك التي عشناها، لولا أنّها توصّلتْ إلى معاهدةٍ دستوريّةٍ بينها، جرى الاتِّفاقُ فيها على مبادئ الدّستور، ثمّ أمكن الاتِّفاق على الدّستور نفسه في البرلمان عام 1979. وبعد ذلك، وقع تنظيمُ التّنافسِ والاختلافِ والخلافِ والمعارضةِ، بموجب قواعدَ يتّفقُ عليها الجميع. وعندها أيضًا، يَحتَمِل تيارٌ سياسيٌّ رئيسٌ أن يكونَ في المعارضةِ؛ لأنّه يدركُ أنّ الحزبَ الحاكمَ ملتزمٌ بالمبادئِ المشترَكةِ المتَّفقِ عليها، والتي لا تتغيّرُ موسميًّا وبأكثريّةٍ عاديّةٍ، وإنّما تتغيّر في فتراتٍ زمنيّةٍ طويلةٍ وبأغلبيّةٍ غير عاديّةٍ.

ولا يهمُّ طولُ هذه المدّةِ التي يجب أن تتوافقَ فيها الأحزاب قبل أن تتنافسَ، فالمهمّ هو تحقيقُ هذا التّوافقِ الذي يمكِّن من التّنافسِ. وفي بلداننا، بدأ التّنافسُ قبل تحقيق هذا التّوافق. وسرعان ما تحوّلَ إلى خصومةٍ. ومنذ تلك اللّحظةِ، لم يعُدْ الحكم على أيِّ شيءٍ موضوعيًّا، بل أصبح همُّ كل حزبٍ أن يثبت قدرته على إدارة البلاد وحده، وكأنها فرصته التاريخيّة ليثبت نفسه. وأصبح الحكمُ على الحكوماتِ المنتَخَبة حزبيًّا، ويجري من منطلَقٍ حزبيٍّ ضيِّقٍ يهدف إلى إفشالِها. كما صار الحكمُ على دورِ الجيشِ حزبيًّا، والحكمُ على ضروراتِ تحقيق النموّ فئويًّا، والحكمُ على التحوّل الدّيمقراطيِّ ذاتِه حزبيًّا. في هذه اللحظة أيضًا، تمكّنتْ فلولٌ من النِّظام من استعادة شرعيّتها؛ لأنّ الهدفَ لم يعدْ تصفيةَ النِّظام القديمِ وبناءَ نظامٍ جديدٍ، وإنّما صار إلحاقَ الهزيمة بالحزب المُنافس وإن كان مشاركًا في الثّورة. فأصبح التّحالف مع عناصر النّظامِ القديمِ مسألةً ثانويّةً جائزةً.
وأخيرًا، وبعد فترةٍ من الذّهول الدّولي من الثّورات العربيّة، فسح هذا التّنافسُ غيرُ المنضبطِ بين الأحزابِ، المجالَ من جديدٍ للدّول الأجنبية ذات الأجندات، للعبث بقواعد اللّعبة الدّيمقراطيّة، من خلال دعم هذا ضدّ ذاك؛ ومنها دولٌ عربيّةٌ عارضتْ الثّورات وعمِلتْ ضدّها.

الأمر الثاني هو أنّ الثّورات العربيّةَ قد انتقلت في بعض البلدان إلى الانتخابات وبناء النّظامِ الجديدِ، قبل أن تنتهي ثوراتٌ في بلدان أخرى. ومثلما أسلفنا، إنّ الفضاءَ العربيَّ هو فضاءٌ يصلنا بالآمال والخيبات، وبالأحلام والآلام. وكما أثّرتْ الثّورةُ التي حصلتْ في بلدٍ مثل تونس في الوجدانِ، أكثر ممّا أثّرت في العربِ الثّوراتُ الواقعةُ في إندونيسيا وإيرانَ والتحوّلاتُ الديمقراطيّةُ في جنوب أوروبّا وأميركا اللّاتينيّة، كذلك أثّرت أيضًا المشاكلُ التي أعقبت ثوراتٍ عربية في ثوراتٍ الأخرى الجارية.

من هنا، رأينا أنّ هناك مشكلةً تتمثّل في عدم عمق الرّؤية المتعلّقةِ بالمسؤوليّةِ عن المرحلةِ الانتقاليّةِ وبناء الديمقراطيّةِ، من حيث أنّها مسؤوليّةٌ عابرةٌ للأحزاب، ويتحمّلُها الجميعُ. كما أنّ هناك إشكالًا يتمثّل في عدم الوعي بأنّ المسؤوليّةَ تخرج عن نطاق البلد الواحدِ؛ بمعنى أن تدرك القوى السياسيّةُ في كلِّ بلدٍ من بلدان الثّورة أنّها مؤثِّرةٌ في الشّعوب العربيّة الأخرى، وأنّ هذه المسؤوليّةَ شرفٌ عظيمٌ، وليستْ عبئًا.

ويتمثّل الأمر الثّالث - الذي هو مرتبطٌ بالثّاني - في سرعة تحوّل الصِّراع بين المواقف إلى صراعٍ بين هويّاتٍ وثقافاتٍ دينيّةٍ وعلمانيّةٍ. وما زلت أعتقد أن هذا استقطابٌ ينبغي تجنُّبه. وفي حالة المشرق العربي، يسهل الانقسام إلى طوائفَ؛ وهي كارثةٌ للتعدّدية الدّيمقراطية. وذلك شأنٌ يحتاج إلى وقفةٍ طويلةٍ في موضعٍ آخر... فهناك شعرةٌ تفصِل تحويلَ الثّورةِ إلى صراعِ هويّاتٍ عن الاحتراب الأهلي، أو عن نموذج تختلط فيه الثورة مع الاحتراب الأهلي، أو حتى حربٍ أهليّةٍ تختلف أخلاقُها وقيمها ومآلاتها تماما عن قيم الثورات ومراميها، وتجعل الحسمَ القيميَّ بالانحيازِ شبهَ مستحيلٍ.

هذه إشكاليّاتٌ راهنةٌ، قد تُطيل الطريقَ وتعيق التحوُّلَ، ولكنّها لن تمنعَهما. والضمان الرئيس المتوفر حاليًّا هو مشاركة المجتمعات في السياسة والمجال العام إلى درجة تجعل إدارة عجلة التغيير إلى الخلف غير ممكنة. قد يتعلّمُ الإنسانُ من أخطاءِ الآخرينَ وتجارِبِهم، وقد يتعلّمُ من أخطائِه هو وتجربتِه. والطّريق الثاني أطولُ من الأوّل وأكثرُ إيلامًا، ولكنّها  في النِّهايةِ شعوبٌ خرجتْ لاستبدال استبدادٍ بنظامٍ من الحقوقِ والواجباتِ، وتغييرِه بنظامٍ يحفظ حريّةَ المواطنِ وكرامته، وليس استبدالهُ باستبدادٍ من نوعٍ آخرَ. وهذا ما سيكون بالثّورةِ أو بالإصلاح في العالم العربي. وليس سرّا أنّنا منحازون إلى هذا التّغيير؛ فالانحيازُ إلى الثّورة هو التّذكرة لنقدها. أمّا من وقف ضدّ التغيير وضد الثّورة، ويقف حاليًّا ضدّ الانتقال الدّيمقراطي، فلا يُعَدُّ موقِفُه نقدًا، بل حربًا على التّغيير، وتمسّكًا بالماضي، أملًا في استدعاءِ لحظةِ الانقلابِ على الثّورة؛ وهذا هو معنى الثّورةِ المضادّة.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018