عزمي بشارة يتحدث عن الحراك الشعبي في الدول العربية

عزمي بشارة يتحدث عن الحراك الشعبي في الدول العربية

بدا أن نقطة مشتركة رئيسية تربط بين قراءات مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، للانتفاضات الشعبية الجارية في عدد من البلدان العربية، وهي همّ ولادة تيارات وشخصيات وأحزاب من صفوف الحراك الشعبي، تنخرط في عملية الانتقال الديمقراطي لفرضه بالضغط وبالتفاوض على السلطة، وهو ما تظهر ضرورته، خصوصاً في الجزائر اليوم، عشية انتخاباتها الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل.

صحيح أن موضوعات الحلقة الطويلة على شاشة "التلفزيون العربي"، والتي كانت مباشرة على الهواء ومخصصة للإجابة عن أسئلة المشاهدين، جاءت عديدة، إلا أن الحدث الجزائري كان المدخل قبل الانتقال إلى تطورات العراق ولبنان وفلسطين والسودان وتونس وإيران والمصالحة الخليجية.

وتمسّك بشارة برأيه الذي أعرب عنه في مقابلة الأسبوع الماضي أيضاً على شاشة التلفزيون العربي، ويفيد بأنه ربما كان ترشيح الحراك في الجزائر شخصية باسمه للرئاسة، من شأنه تغيير المعطيات وتسريع عملية الانتقال الديمقراطي.

وإجابةً عن سؤال عما إذا كان النظام الجزائري سيسمح بنتائج توصل مرشح الحراك إلى الرئاسة، لو قام بتقديم اسم بالفعل مثلما اقترح بشارة، أجاب المفكر العربي بأنه يجب أن تكون هناك مرونة وقدرة على التفكير الاستراتيجي وقدرة مناورة أيضاً من قبل الحراك، لأنه ليس هناك في حالة الجزائر ديكتاتور متسلط اليوم ليعزله الحراك ويصل إلى الحكم، "لذلك لا سبب للاعتقاد بأنه في هذه الظروف لن تكون الانتخابات نزيهة".

وفي السياق، اعتبر بشارة أن تعيين لجنة جديدة للانتخابات كان خطوة مهمة جداً، و"لو تم ترشيح شخصية من قبل الحراك بشروط الانتقال الديمقراطي، لكان ذلك عملياً دخولاً فعلياً في مرحلة الانتقال الديمقراطي" بما أن قلب نظام الحكم في فعل ثوري واحد غير وارد وهو ما ينطبق كذلك على التغيير بالعنف، وهو الأمر غير المطروح أصلاً.

وأعاد المفكر العربي التذكير بأن الجيش في الجزائر عزل معظم رموز النظام السابق وفتح باب التغيير، "والشعب لا ينوي مواجهة الجيش ولا الجيش ينوي مواجهة الشعب"، مشيراً إلى أن اسم قائد الجيش أحمد قايد صالح "سيدخل التاريخ في حال فتح الباب فعلاً لانتقال ديمقراطي".

وعن غياب قيادة للحراك في الحالة الجزائرية تحديداً، وبقية بقاع الانتفاضات العربية الحالية، أجاب بشارة بأنه يصعب على الحراك أن ينتج قيادة منظمة في فترة قصيرة تقدر بأسابيع، مذكراً بأنه غالباً ما تكون العفوية مصادر قوة الحراك، لكن "إذا استمر ذلك طويلاً، فإما أن يفرز الحراك قيادة، أو يساوم ويفاوض قيادات قائمة موجودة ترغب فعلاً بحصول انتقال ديمقراطي، لأن مصلحتها أصبحت تكمن في الحصول على دور في نظام ديمقراطي، كي لا تخسر كل شيء مثلاً".

كذلك اعتبر بشارة أن على السلطة في الجزائر اجتياز منتصف الطريق لملاقاة الحراك بخطوات مثل إطلاق سراح المعتقلين مثلاً، بدل الإكثار من الخطابات. واختصر توقعاته للانتخابات الرئاسية المقررة الشهر المقبل بالقول إنه "إذا انتخب رئيس بنسبة ضئيلة، سيكون رئيساً ضعيفاً، وبالتالي سيتم تكريس قوة الجيش، بينما لو رشح الحراك شخصية معينة، لكان الرئيس حظي بقوة كبيرة". وأضاف أنه "إما أن يتواصل الحراك في حال أصبح الرئيس الجديد أداة بيد الجيش، أو ينحاز الرئيس المنتخب إلى الشعب عبر عقد مؤتمر وطني مثلاً"، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الحسم هو بيد موقف الجيش، "فإما يسنح للرئيس الفرصة لكي يحكم، أو أن يقرر الحكم من الخلف، وهذا يصعب حسمه من اليوم". ورغم أن بشارة لا يزال يفترض حسن النية في الجيش الجزائري حتى الآن، رافضاً اعتبار الاعتقالات الجارية في الجزائر (رغم أنها مقلقة) دليلاً على حكم عسكري، إلا أنه يقترح عدم الاتكال على حسن النية تلك، بل أن يقوم الحراك "باتخاذ المبادرة باتجاه الانتقال الديمقراطي للتأثير على العملية السياسية".

العراق: انتخاب الرئيس من الشعب

وبالانتقال إلى الملف العراقي، وصف بشارة، رداً على سؤال، موقف السيد علي السيستاني من الاحتجاجات العراقية بأنه كان "موقفاً وطنياً في ما يتعلق بالحراك الحالي، لنواحي رفض العنف والتدخل الأجنبي، ورفض الحديث بنبرة طائفية كممثل عن طائفة". وكرر رأيه لجهة أن من شروط تغيير قانون الانتخابات في العراق أن يكون نسبياً لمنع تحويل الأكثريات في الديمقراطيات إلى أكثريات طائفية، وهنا يندرج خيار الحلول الوسطى كإنشاء مجلسين أو غرفتين برلمانيتين مثلاً تراعي إحداهما حساسيات المناطق والمحافظات.

ورأى بشارة أنه في الحالة العراقية، "ربما يجدر التفكير بانتخاب رئيس من الشعب بنظام مختلط لناحية الصلاحيات بينه وبين رئيس الوزراء، لعله يستطيع أن يكون رمزاً لتوحيد العراقيين"، وذلك من ضمن أفكار الخروج التدريجي من النظام الطائفي والممارسات الطائفية، وهو ما يريده الشعب العراقي، على حد تعبير مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

بومبيو وعرفات

وصودف أنه خلال مقابلة بشارة مع التلفزيون العربي، صدر تصريح وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو عن أن واشنطن لم تعد تعتبر المستوطنات غير شرعية، فعلّق بشارة قائلاً إن هذا الموقف غير مفاجئ نهائياً بالنسبة لإدارة دونالد ترامب اليمينية الصهيونية، وهو ما يندرج برأيه في إطار خطة القرن التي تنفذها واشنطن أصلاً منذ تسلمت الحكم في كل قضايا الحل الدائم، بدءاً من اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود.

كذلك فلسطينياً، وأيضاً رداً على سؤال، أوضح بشارة أن إسرائيل قتلت ياسر عرفات من دون شك، لإفساح المجال أمام إعادة بناء المؤسسات الأمنية للسلطة الفلسطينية على قواعد جديدة وبعقيدة قتالية لا تعتبر إسرائيل عدواً.

التعايش مع إيران

على صعيد آخر، استبعد بشارة أن تكون الاحتجاجات الحالية في إيران نتيجة تأثر بانتفاضتي العراق ولبنان، ذلك أن تقليد الاحتجاج في إيران قديم وظروف الاحتجاجات متوفرة، اقتصادياً، وفي الفجوة الحاصلة مع السلطة، والفجوة الأخرى الموجودة بين الريف والمدن، وفق تحليله.

واعتبر بشارة أنه يصعب تقدير متى قد ينفجر الوضع الداخلي الإيراني بشكل كامل، لأن النظام يعرف كيف يتعاطى بشكل قمعي مع الاحتجاجات، ولديه القاعدة الاجتماعية (الباسيج) المكلفة بالتعاطي مع الغليان في الداخل. وختم بالقول إن "المؤكد أن مهمة تغيير النظام ليس مسألة عربية مثلما يتوهم بعض العرب المتحمسين لتغيير النظام، ذلك أن إيران دولة جارة يجب التعايش معها".

لبنان: المعركة طويلة

وتركز عدد من الأسئلة حول الحدث اللبناني والانتفاضة الحاصلة فيه، فكرر موقفه من أن ما حصل في لبنان تاريخي، نظراً لعمق الطائفية ونظامها في المجتمع اللبناني. لكن بشارة حذر من أن النفور من السياسة والأحزاب أمر مقلق لأنه يشجع على الظواهر الديماغوجية على المدى البعيد. وشدد على أن النخبة في لبنان اليوم أمامها فرصة للخروج إلى الضوء، والبناء على الوعي اللاطائفي الذي ولد، "مع أن المعركة ضد النظام الطائفي طويلة جداً".

وعن احتمال استخدام حزب الله السلاح في الداخل، أعرب بشارة عن شكه في احتمال حصول ذلك، واعتبر أن الوضع السياسي لحزب الله صعب اليوم، لأنه يعتبر أن الانتفاضة موجهة ضده ونظراً لما يحصل في إيران حالياً أيضاً.

ونبّه إلى أن في لبنان "مراكز قوى متعددة، لذلك لن تنتهي الانتفاضة إلى زوال صانع القرار، لأنه متعدد في لبنان، حاله كحال العراق"، ويبقى الفعل السياسي وولادة أحزاب وتيارات وشخصيات من الانتفاضة، برأي بشارة، مهمّاً للقدرة على العمل والتفاوض لتغيير قانون الانتخابات بالدرجة الأولى، فالأطراف الموجودة "لن تذهب" على حد تعبيره، بل على ممثلي الانتفاضة الدخول سياسياً للضغط وممارسة الفعل السياسي بتنظيم حقيقي لاحقاً.

السودان وتونس والخليج

في السودان، وعن أداء حكومة عبد الله حمدوك، اعتبر بشارة أنه من المبكر تقييم ذلك، "ففي الداخل الوضع معقد للغاية، لذلك ربما يكون مفيداً تخفيض سقف الوعود والتوقعات، لكن ما يظهر حتى الآن هو نجاح خارجي في انتظار رفع العقوبات عن السودان".

أما عن تونس، وآخر تطورات وصول قيس سعيد وراشد الغنوشي والحبيب الجملي إلى رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة، اعتبر بشارة أن هناك أزمة حياة حزبية ومشكلة ثقة بالأحزاب في تونس، بحاجة لحل طارئ، "لكن بكل الأحوال النموذج التونسي يحقق إنجازات في بناء الديمقراطية، خصوصاً إقليمياً إذ أصبح هذا النموذج جاذباً لاهتمام" المنطقة والعالم.

وختم بشارة حواره التلفزيوني بالرد على سؤال حول احتمال حصول مصالحة خليجية، فقال إن هناك بالفعل "ملامح مصالحة خليجية"، ولفت إلى أن الطاقات "أهدرت على قضايا مختلقة وغير صحيحة". لكن بشارة استبعد أن تهرول القيادة القطرية باتجاه مصالحة لا تقوم على رفع الحصار والاحترام المتبادل واستقلالية السياسات الداخلية والخارجية.