سنــة كبـيـسـة..

سنــة كبـيـسـة..

لا علاقة للسنة الميلادية بالسياسة. وهي ليست سنة سياسية كما السنة المالية أو السنة الدراسية. لا يبدأ حدث سياسي مع بدايتها، ولا ينتهي حدث على رأس السنة، أي عند أخمص قدم السنة الجديدة، أو عند قاعها (يتوقف اختيار مفردة تدل على عكس الـ «رأس»، على مزاج القائل أو الكاتب). أو نبدأ السنة بالعكس: من الرأس نزولا؛ فما أن يحلّ يوم 31 من كانون الأول إلا ونحن في أسفل العام... على كل حال، مهما فردنا السنوات التي في جعبة هذا العمر وتفحّصناها فلن نجد بداية أو نهاية لحدث يرتبط بها، إلا ملايين التعساء أو المُتلهين الذين قرروا أنهم سوف يبدؤون يوم 1 كانون الثاني نظامًا غذائيًا لتنزيل الوزن، أو سيُقلعون عن التدخين، والملايين ممن سوف يُعيدون الكرّة في العام المقبل.

تبدأ سنة ذات معنى للملايين، هي السنة الدراسية، مع بداية أيلول. ونقصد هناك حيث يقف الناس على أرجلهم شمال الكرة الأرضية، أما في جنوبها حيث يقفون على رؤوسهم؛ فحسنا تبدأ السنة الدراسية في يوم آخر في استراليا والبرازيل وغيرها، وبقية العام كرنفال. ويعرف من يقرأ هذا الكاتب، الذي يصرّ على لقب مستهجن هو «كاتب عربي»، مُتحملا السؤاليْن ثقيليْ الظل: «لماذا يقول عربي؟ ولماذا لا يقول فلسطيني؟»، أنه يتشاءم من أيلول، ليس فقط لأنه لم يُحبّ اليوم الأول في المدرسة، مهما تذكر باحثا عن «ثقافة الفرح» فيه، بل أيضا لأنّ السياسيين يميلون لارتكاب الحماقات في أيلول، لا لسبب إلا عودتهم من العطلة الصيفية، ولأنّ كثيرين ممن يُحبهم ماتوا في أيلول، رغم أنّ بعض من يُحبهم وُلدوا فيه، ولأنّ 11 أيلول ومجزرة صبرا وشاتيلا مثل أيلول الأسود وقعت في أيلول، ولأنّ افتتاح الهيئة العامة للأمم المتحدة تجمع كُلّ مُتوسّطي الذكاء في العالم في قاعة واحدة غير متوسطة في أيلول، ويخطب فيهم بداية رئيس الولايات المتحدة. ولأنّ الموعد قريب من 11 أيلول فلا بدّ أن نسمع نظرياته عن الديمقراطية والإرهاب والإسلام، وغيرها من القضايا التي سوف تحدد مفردات طلبات جمعيات كثيرة في «بلاد العُرب أوطاني من الشام لتطوانِ»، للتمويل من السوق الأوروبية للعام المقبل.

أما الظاهرة السياسية الثقافية التي قلما ينتبه إلى توقيتها أحد بارتباطها بعشية رأس السنة فهو تزايد عدد المؤتمرات. والسبب أنه يجب أن تُصرف ميزانيات مرصودة في بعض المؤسسات ولم تصرف، وأفضل طريقة لصرف سريع هو عقد مؤتمر سريع يدعونك للحديث فيه قبل أسبوع أو أسبوعين من انعقاده. ويصعب أن نجد سببا أوجه لعقد مؤتمر، أو لديك ظاهرة معكوسة هي شحّ الميزانية؛ فمؤسسات أخرى صرفت كلّ ما لديها، فتأخر دفع راتب شهرين. ويقع هذا التأخير عشية الأعياد «الكبيسة» التي سوف تكبس على جيب الناس طيلة أسبوعين يحتويان الطواف حول الكعبة والطواف حول بيت لحم مهد المسيح عليه السلام (بسبب الجدار)، كلهم حُشروا أو كُبسوا سوية هذا العام، لا فضل على رأسه لمسيحي على مسلم إلا بالشكوى.

ولذلك فعندما توجه إليّ الصديق رئيس التحرير لنظرة «بانورامية» (يا لطيف مَلا بانوراما!!... باللبناني) في هذه المناسبة التي تختلط فيها «ليلة عيد» و»جنجل بيلز» مع «لبيك اللهم لبيك»، وددتُ لو أقول له إنها مجرد «روزنامة غريغورية». وحتى اعتمادها كانت غالبية أوروبا المسيحية تعتبر يوم 25 آذار (يوم البشارة) بداية العام، وقد عاش الناس في بريطانيا من دون هذه «الروزنامة» حتى العام 1715 وفي الأجزاء البروتستانتية من ألمانيا حتى العام 1700، واعتمدتها روسيا فقط بعد الثورة، أي في العام 1918. خُذْ إذًا بُعدا ثوريا أيضا للسنة التي باتت سنة مدنية وليس ميلادية. وترددتُ أن أنصحه بالاستمرار في التدخين في ذلك اليوم الفاتح من لا شيء، والإقلاع بدلا عن ذلك عن عادة السياسة، فهذه وحدها كفيلة بتحويل السنة الميلادية إلى سنة سياسية له ولعائلته ولصحته على الأقل.

كانت هذه مقدمة لا بد منها كي أبرر رفضي الكتابة الموسمية التي لا أتقنها، وكي أدخل في موضوع غير موسمي يرافقنا منذ ما قبل رأس السنة السابقة وسوف يتجاوز على ما يبدو أخمص السنة القادمة أيضا.

في لحظة ما، لا أحد يعرف بدايتها أو نهايتها، ولا حتى في أيّ شهر من العام 2006 وقعت (وهو بالتأكيد ليس يوم 14 كانون الأول عندما صرّح شمعون بيرس المُوحَّد والأبديّ، قائلا: «قلتُ للأمريكيين إنه لا يجوز إرسال طائرة تكلف الملايين لمحاربة شاب يُسقطها بصارخ كتف، كنت سأفعل كل شيء بطريقة معكوسة، ولا يمكن أن نفرض على المسلمين التفكير بأنّ الديمقراطية شيءٌ جيد.»)، انتهت مرحلة التبشير الأمريكي بالديمقراطية في المنطقة العربية. سمِّها عنصرية تفترض تنافرًا بين الديمقراطية و»عقلية» و»ثقافة المسلمين»، أو سمِّها واقعية براغماتية غير مكترثة بهذا النقاش كله، ولكن عاد المحافظون الأمريكيون إلى قواعدهم سالمين بعد أن فقدوا بعض المحافظين الجدد في الحرب على العراق عام 2003 ولبنان عام 2006 وفلسطين منذ القرن الماضي، ونقصد بشكل خاص اجتياح عام 2002 الذي أعقب مبادرة السلام العربية.

انتهت هذه السياسة بعد أن فشلت. ففي دحر العدوان على لبنان الذي حرّر العرب مرة ثانية من عقدة عام 1967 فندت كل التقديرات حول قوة إسرائيل وقوة وعناد المقاومة وإمكانية تقسيم المجتمعات العربية طائفيًا عندما يتعلق الأمر بمقاومة ناجحة ضد إسرائيل. لم يهتم المصريّ المُتوسّط لنوع العمامة التي يلبسها من يقاوم إسرائيل، وكيف يسدل يديه عند الصلاة. وفي فلسطين فشلت التقديرات لفاعلية التهديد الأجنبي على المُصوّت في انتخابات وطنية تتضمن قسمًا مناطقيًا ذا بعد عائلي، وبُعدًا متعلقًا بالفساد، وآخر بشيخوخة حركة تجلّت في صراع شيوخها وشبابها على المناصب، وتتضمن بُعدًا وطنيًا أيضًا. وفي العراق فشل كل شيء. ومع حلّ الجيش من قبل الإمبراطور بريمر الأول وانهيار الدولة، عُدنا لحالة «حرب الكل ضد الكل» الهوبسية، شاملة المحتل البعيد والجار القريب، وبات الدافع إلى الحياة هو الخوف من الموت. وهو الدافع إلى التعاقد لإقامة الدولة عند هوبس. وتحوّل الاجتماعي إلى سياسيّ بفضل قيادات جديدة نصبها الاحتلال ليس لديها رصيد لا اجتماعي ولا سياسي، فوجدت رأسمال طائفيًا رخيصًا من هذا النوع على قارعة الطريق، وضللت الاحتلال وجمعت وأوصلت إليه معلومات انتقائية جعلته يتصرف بموجب أجندتها. وزرعت جرثومة الطائفية التي وقعت على الجسم العراقي بعد انتشار مرض فقدان المناعة، بفعل التشكيك بالهوية العربية الجامعة، وقذفها مع مياه النظام المتسخة، فانتشر وباء الطائفية القاتل في بلد لم يعرفه. وبعد أن تتسرب الأوبئة الفتاكة فإنها تفتك في بلاد لم تعرفها بفاعلية أكبر منها في بلاد خبرتها وطوّرت جهاز مناعة ضدّها.
لم تكن التعددية الديمقراطية تعددية طائفية، لا صراعا ولا وفاقا، في يوم من الأيام.

وقاد تقويض الوضع القائم في المنطقة بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي إلى فوضى لم تكن بناءة ولا حتى للأمريكان، الذين وجدوا أنفسهم يقوِّضون نظام الدولة القطرية الاستعماري، الذي سبق أن فعلت في أسسه العولمة مِعولها، وفي مكان الدولة القطرية طوائف وفوضى ليس كلها ودودة لأمريكا خلافا لما جرى عليه الاعتقاد المتوارث استعماريًا منذ الصراع مع القومية العربية.

ربما كان عليهم أن يدرسوا ألف باء الاستعمار عند المتقاعدين من السّاسة الانجليز، أو عند شمعون بيرس الأبدي المُوحّد، الذي يجد التقسيم بين حلفاء، يسمون «معتدلين»، وأعداء يسمون «متطرفين»، منذ كيكرو وأيام الإمبراطورية الرومانية، مرورًا بكارل شميت، أكثر وثوقا وأمنا وأمانا من لعبة المفاضلة بين الديمقراطية والديكتاتورية. إذا كان الإرهاب عدوًا عالميًا كما يدّعى، فإن التعامل معه لا يتم بصلف وتكبر على تحالفات أثبتت نجاعتها ضد «أعداء عالميين آخرين» لم يقلوا خطورة عن «الإرهاب الإسلامي»، مثل الحركات القومية في العالم الثالث والشيوعية وغيرها. وكارل شميت لم يقصد ما فهمه طلبة جامعات كانوا يساريين ويقرؤونه بإعجاب كأنهم يقرؤون نيتشه أو هايدجر؛ لا لم يقصد كارل شميت بـ «جدلية الصديق والعدو» إنشاء ديمقراطية تهدد النظام في مصر أو السعودية وتنتخب حماس في فلسطين وأخرى في العراق تحقق انجازات لإيران أكثر مما للحراب التي في ظلها تجري الانتخابات، كما لم يقصد بالتأكيد قانون انتخابات ديمقراطية في لبنان يستخلص فعلا من هي الأكثرية من المواطنين، أو حتى في داخل كل طائفة، وذلك بغضّ النظر عن عدد المؤتمرات الصحافية التي يعقدها كل طرف، وما إذا كانت ملاءَمة البروشيت في الجاكيت ترتبك مع ملاءَمة المانشيت في الجازيت (أقصد الصحيفة).

في العام 2006 عاد المحافظون الأمريكيون إلى قواعدهم سالمين، بعد أن فقدوا عددًا من المحافظين الجدد بين قتيل وجريح في مغامرة أوقعهم فيها هؤلاء، واطمأنوا ومعهم إسرائيل إلى وضع الأنظمة العربية التي كادت تستغيث بإسرائيل أن تعقلن الإدارة الأمريكية التي تضغط عليهم في ظل المحافظين الجدد. وعادت للصدور الأوامر والنصائح لإسرائيل بعدم التدخل وعدم فضح الجهة التي تقف إلى جانبها في فلسطين ولبنان، لأنّ في ذلك إساءة للطرف الذي تقف معه، وكأننا لم نفهم الرمز، وكأنه عام البلاهة الدولي، وبلادنا عاصمة البلاهة الدولية.

ولكنهم عادوا إلى حلفائهم العرب القدامى من محافظين عرب، وإلى التحالف مع إسرائيل كلها، وليس مع يمينها فقط كما في حالة المحافظين الجدد. حصل هذا بعد أن اشتعلت البلاد في غياب إطفائية مُخوّلة. وهي كما يبدو لن تعود إلى سابق عهدها حتى لو خمدت نيرانها أو أخمدت.

إنها نفس المعركة في فلسطين والعراق ولبنان. وإذا نُظر إليها طائفيا فسوف يجد المراقب نفسه مع أمريكا تارة وضدها تارة أخرى؛ فلو كانت زاوية النظر "سنية" طائفية فستكون مع أمريكا في لبنان وضد أمريكا في العراق. وجهة النظر هذه إذا مُربكة ومشوشة بحكم تعريفها.

لا توجد مثابرة أمريكية في التحالف أو العداء مع "السنة"، والتحالف مع أحزاب طائفية شيعية في العراق يتحوّل إلى شروط عليها أن تستقل عن التحالف مع إيران التي تعاديها أمريكا، وألا تفكر حتى بـ "حزب الله". لا توجد خارطة طائفية تشمل المقاومة العراقية وحماس وحزب الله وسورية في جهة، والأنظمة العربية "المعتدلة" الفرحة التي تستظل الشعوب بفرحها، خاصة حول العواصم المتضخمة وفي الهوامش الريفية وأحياء الفقر التي تنتج كل هذا "الفرح". ولا يوجد اعتدال سني وتطرف شيعي، ولا تطرف سني واعتدال شيعي برابط جوهري يُحوّل الكلمتين إلى مفهوم أو مصطلح.

الاشتعال الحالي "الداخلي" في فلسطين والعراق ولبنان هو استمرار للصدام مع إدارة المحافظين الجدد بوسائل أخرى. ولذلك فإنّ آخر المحافظين الجدد هم جزء من المجموعة التي تحيط بالرئيس الفلسطيني وترفض حتى الحلول الوسط الداخلية على أساس حدود الرابع من حزيران، وتصرّ على الشروط الأمريكية الإسرائيلية، ولم تعجبها وثيقة الوفاق الوطني لأنها لا تصلح، للتفاوض مع إسرائيل، "نون ستارتر".

وراهنت على العدوان الإسرائيلي لتلقين حزب الله وكل من يحذو حذوه درسا، وحزنت وتحزن لانتصار المقاومة اللبنانية، وتطالب أوروبا وأمريكا بألا تزيل الحصار المفروض على الحكومة المنتخبة والمُعوَّل عليه للعودة إلى الحكم. المحافظون الجدد المتبقون هم جزء من قيادات "14 آذار" الذين اعتبروا تقرير "بيكر هاملتون" خسارة لهم، والذين يخشون حوارًا أمريكيًا مع سوريا وإيران، والذين رفضوا وقف إطلاق النار إبان الحرب على لبنان، قبل أن تفرض شروط بعد العودة إلى ما قبل 12 تموز، كأنهم هم الذي يطلقون النار. والقوى العراقية التي تقيّد حتى المالكي من تقييد أيدي الميليشيات ومن الحوار مع قوى حقيقية في العراق، وتحول مؤتمرات المصالحة إلى "عملية تحريك" يمكن لبوش أن يستخدمها للادعاء أنّ تغييرًا ما يحصل، وإلى مؤتمرات ناجحة بالبيان الختامي فاشلة في نوايا التنفيذ من نوع العمليات الجراحية التي يصحّ فيها القول: "العملية نجحت، ولكن المريض مات".

ما أتعس اللقاء بين طرف فلسطيني محافظ جديد مع "القوات اللبنانية"، ولا أتعس من أوساط فلسطينية تُستَخدم أداة للتأكيد على عروبة طرف في بلد آخر يتظاهر بالتمسّك بمُمثلي "القضية" ضد الشعب الفلسطيني وضد المقاومة في بلده. هذه القوى جميعها تدفع نحو المواجهة، فهي تريد الحسم الآن، لأنها تعرف تمامًا أنّ هذه آخر مرحلة مُواتية لها، فليست هنالك قوة دولية قادرة على التدخل عسكريًا مباشرة لصالحها في المستقبل؛ فكم جنديّ إسرائيلي أو أمريكي سيكون مستعدًا للموت في سبيلها في المستقبل.

إنها نفس المعركة لفرض تقسيم عروبة العراق وشرذمة حتى عراقية العراق ولإملاء تبعية كاملة لمصالح الولايات المتحدة، ولنقل لبنان إلى الحظيرة الأمريكية بالكامل، ولفرض شروط التسوية الأمريكية الإسرائيلية في فلسطين المتمثلة بشروط الرباعية و"رسالة الضمانات" من بوش إلى شارون، بدلا عن حكومة الوحدة الوطنية، تمامًا كما تفضل نفس نوع الشروط على الوحدة الوطنية التوافقية في لبنان. وفي كل حالة من الحالات الثلاث، نجد موقفا معاديا للمقاومة فيها جميعًا.

في فلسطين لم يُعترف من اللحظة الأولى بنتائج الانتخابات، وجرت محاصرة حكومة منتخبة يرافقها تعويل قوى فلسطينية على هذا الحصار الخارجي التجويعيّ لإفشال حكومة مُنتخَبة. وطُرح سؤال حقيقي حول حدود الموقف الوطني ومتى يغادر، وكيف يمكن أن تحقق ديمقراطية لا قاع ولا سقف وطني لها يمكن من التعددية فيه... كما طرح عام 2006 سؤالا عمليا حول معنى التبشير الأوروبي بالديمقراطية وحول جدوى الجمعيات والمؤسسات والمؤتمرات المتكاثرة كالفطر تبشيرًا ووعظًا، هي لن تربح أية انتخابات، ومن يُموّلها لا يعترف بمن فاز في الانتخابات، وتحالف مع الفساد ضد من صوّت ضد الفساد.

القوميون فقط ما زالوا يتحدثون برومانسية عن توحيد الموقف العربي، بدل التقاط الديمقراطية معركة قومية ضد السياسة الأمريكية بعد أن تخلت عنها الأخيرة وأزلامها في المنطقة حتى لفظا واستيرادا وتصديرا. لدى القوميين رواسب أوهام عن التضامن العربي تشمل النظام الرسمي. والأخير يتضمن حلفاء لأمريكا لو رغبوا بأن يفعلوا شيئا لآن أوان دورهم، لأنّ الولايات المتحدة بعد فشل المحافظين الجدد عادت تحتاجهم. ولكنهم لا يفعلون لأنهم يرون أنفسهم طرفا في المعركة في كلٍّ من العراق ولبنان وفلسطين إلى جانب القوى التي تريد أن تحسم المعركة بشكل غير توافقي والتي يعتمد حسمها على تعاون أمريكا وأوروبا ودول عربية وإسرائيل.

لقد تبلور هذا المحور، وهو يشمل تضامن عرب ضد العروبة، بأكثر من التضامن العربي القومي الذي ما زال بعضه أسيرَ رومانسية ترفض الربط بين القومية ثقافة ومواطنة وبين الديمقراطية، وتصر على اعتبارها حسرة على ضياع وحدة الموقف. ويبقى الصراع قائما في كافة الأقطار، وهو يتكثف في البؤر الثلاث، ولا يغطي عليه لا التضامن العربي من جهة ولا التشرذم الطائفي من جهة أخرى. فالقومية العربية إطار وحدوي للحداثة والتعددية الديمقراطية في إطارها. والتيار القومي العربي ليس الوعاء بل هو صاحب موقف من بين هذه المواقف. وهو الموقف الأنجع ضد الطائفية. وإذا لم يكن كذلك تصبح الهوية العربية أداة تستخدم مرة من أعداء القومية العربية ضد إيران والمقاومة اللبنانية وغيرها، ومرة بيد المقاومة العراقية واللبنانية ضد الاحتلال وضد تقسيم العراق ولبنان. لا معنى للعروبة من دون مضمون وحدوي يُمكّن من التصدي للاستعمار والتخلف ويُمكّن من الحداثة والتعددية الديمقراطية في داخله. وينطبق ما نقول على اليسار الذي انحل إلى مُنظِّرين ومُثقفين وجمعيات تبرر وتنظر لأحد الطرفين في بؤر الصراع الثلاث. وليس أتعس من حجج يسارية النص والصياغة تساق من يساريين سابقين لتبرير السياسة الأمريكية. يُغيَّب اليسار كطرف أو كموقف، فيتوزع على الطرفين على شكل نوع معين من الحجج التي تساق في خدمة هذا الطرف أو ذاك. وما زالت هنالك استثناءات تدافع ببسالة عن موقع متميز بين هذه المواقف فتقف مع المقاومة ضد الاستعمار من منطلق ثقافة الحرية وسعادة الإنسان التي تجمع بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولا غنى عن دخول هذه الاستثناءات القومية واليسارية والديمقراطية في حالة حوار وإثراء متبادل مع تيار المقاومة.

"ستارتر" للعام الجديد بدل الـ "نون ستارترز" المألوفة.



"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018