عزمي بشارة: اليمين لن يخسر الانتخابات الإسرائيلية

عزمي بشارة: اليمين لن يخسر الانتخابات الإسرائيلية
عزمي بشارة في اللقاء

أطلّ المفكر العربي، الدكتور عزمي بشارة، مساء أمس الإثنين، ضمن سلسلة من الحوارات المعمقة على شبكة "التلفزيون العربي"، متحدّثًا فيها عن قضايا تتعلّق باعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على كل من الجولان والقدس المحتلين، في ظلّ اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية مع التّصعيد في غزّة مؤخّرًا وسط استمرار الانقسام، كما تحدّث عن أسئلة حشود التطبيع مع إسرائيل.

واستحوذت قضيّة الانتخابات الإسرائيلية الّتي تجري يوم الثلاثاء القادم الموافق 9 نيسان/ أبريل الجاري، حيث توصّل بشارة لاستنتاج جازم بأن "اليمين لن يخسر في إسرائيل مثلما يتوهّم (رئيس السلطة الفلسطينية) محمود عباس"، مؤكّدًا أنه سيحكم سواء كان الفوز عدديًّا من نصيب الليكود وحلفائه، أو معسكر الجنرالات، مؤكّدًا غياب أيّ احتمال جدّيٍّ لفوز "اليسار" (الصهيوني) ومعسكره، وأنّ الوسط سيضطر إلى التحالف مع اليمين، على أشكاله وأنواعه (ديني أو علماني)، ليتمكن من تأليف حكومة.

ورأى بشارة، الذي كتب العديد من المؤلفات والمقالات والدراسات حول المجتمع الإسرائيلي والسياسة والتاريخ فيه، أنّ "حتى لو خسر الليكود بالأصوات، فهذا لا يعني فقدان القدرة على تشكيل الحكومة، أو يشكل الجنرالات الحكومة ويحتاجون للتحالف مع الليكود"، في إشارة من قبله إلى احتمال التناوب على رئاسة الحكومة ربما بين بنيامين نتنياهو وبني غانتس، محذّرًا من تجمّع الجنرالات في التحالف الانتخابي الذي يتصدره رئيس أركان جيش الاحتلال السابق، بني غانتس، معتبرًا أنّهم "قد يكونون أكثر تشددًا تجاه غزة وأكثر اعتدالًا تجاه السلطة الفلسطينية".

وحول التّصعيد العسكري الأخير ضد قطاع غزة، قال مدير "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، إنّه "بغضّ النظر عن الصاروخ الأخير (الذي سقط شمال تل أبيب الأسبوع الماضي)، أكان أُطلق عن طريق الخطأ أو خلاف ذلك، فالمقاومة لم تعد تقبل بأن يبقى الحصار على حاله وأن تظل التزامات ما بعد حرب 2014 بلا تنفيذ"، معتبرًا أنّ المقاومة غير معنية بحرب، بل بفك الحصار.

ورأى بشارة أنّ فصائل غزة تُتقن "لعبة الشد والرخي"، وتعرف أن نتنياهو عشية الانتخابات "لا يستطيع أن يصمت تجاه المقاومة، ولا أن يندفع حربيًّا خشية تكبّد خسائر كبيرة قد تغير المعادلة الانتخابية"، مشيرًا إلى أنّ انضباط فصائل المقاومة في الجولة الأخيرة من التصعيد، "حال دون امتداد القصف إلى حرب حقيقية شاملة".

لكنه حذّر، في المقابل، من أنه "لاحقًا، أي بعد انتخابات إسرائيل، قد ينشأ وضع عدم استعداد إسرائيلي بأن تبقى غزة مسلحة بهذا الشكل الرادع، وقد تحصل حرب حقيقية شاملة"، وأوضح أن "الردع لا يعني توازنًا عسكريًّا" بين طرفين، بل أن يكون أحد الجانبين مستعدًّا "لدفع ثمن كبير، لأن لا شيء كبيرًا يملكه لكي يخسره" (قطاع غزة في هذه الحالة)، في مقابل أن يكون لدى الطرف الآخر (الإسرائيلي) الكثير ليخسره، وهو ذلك المجتمع الاقتصادي ما بعد الصناعي و"المتطور" اقتصاديًّا.

ووافق بشارة على أنّ الخلاف السياسي أساس في الانقسام الفلسطيني بين فتح و"حماس" إلّا أنّه رأى أنّ ما يسبق الخلافات على أوسلو والتطبيع والمقاومة العسكرية وخيار المفاوضات مع إسرائيل وغيرها، "صراع على السلطة"، ما زال محرك استمرار الانقسام برأيه اليوم؛ واستشهد بشارة بعدّة أطروحات كتبها قبل عقود، لشرح ما يحصل اليوم، ومفادها أن أكبر أزمة خلقها مسار أوسلو أنه اخترع "سلطة بلا دولة"، فدخلت الساحة الفلسطينية صراعًا على السلطة والرواتب والأمن والوظائف "ونسينا الدولة"، على حد تعبيره، مع أن السلطة تتأسس عادة بعدما تنشأ الدولة لا قبلها. 

وقال بشارة إنّه "عندما قررت حماس المشاركة في انتخابات 2006، وقعت في فخ السلطة مثلما وقعت فتح قبلها"، معتبرًا أنّ الأخطر اليوم هو أن الصراع لم يعد محصورًا على صعيد غزة والضفة، "بل أيضًا هُمّشت منظمة التحرير" التي يرى أنّها تبقى إنجازًا حقيقيًّا لحركة التحرّر الفلسطينية، واقترح في هذا السياق تسليم "المنظمة" للشعب الفلسطيني في الشتات ربما، لأنه لا يجب التفريط بإنجاز المنظمة، وفق تعبير بشارة.

وخلص بشارة، في توزيعه المسؤوليات بين قيادتي سلطتي الضفة وحماس، إلى أن "محمود عباس لا يتصرف كرئيس سلطة ولا كرئيس دولة، بل كرئيس طرف هو تنظيم فتح في الضفة حصرًا"، معتبرًا أنّ ثمّة جانبًا إيجابيًّا في "عناد" في "عناد" عباس، هو تمسكه بموقفه ضد الإدارة الأميركية الحالية، ورفضه التوقيع على الاستسلام الذي يُلخص اليوم بخطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، المسماة بـ"صفقة القرن". 

في المقابل، رأى بشارة أنّ الجانب السلبي لـ"عناد" عباس هو تمسّكه باحتمال "إقناع إسرائيل" بالعدول عن تطرفها بالأساليب الناعمة، بالإضافة لاستمرار توهمه أنه رئيس دولة وعدم اعترافه بفشل خطه السياسي، إلى جانب عدم اعترافه بغزة كجزء من بلده، وحصر تمسكه بالسلطة وبأن تنضوي حماس تحت حكمه. ومع أن "حماس" مذنبة، وفق بشارة، بتمسكها بالسلطة أيضًا، لكنها، بحسبه، "أقل طلبًا بالتفرد بالسلطة وقد تقبل بالشراكة".

وفي حديثه حول اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان والقدس، عاد بشارة ليصف الرئيس الأميركي بـ"الرجل الذي يتصرف في السياسة بمنطق تاجر العقارات"، حيث لا يرى إلا عناصر القوة الأميركية في الصراع العربي ــ الفلسطيني، إلى جانب اعتباراته الأخرى المعروفة التي تقف خلف قراراته الأخيرة، مثل حساباته الانتخابية ومحاولات إرضاء جمهوره اليميني الإنجيلي المتطرف الذي يلتقي مع اليمين الإسرائيلي.

كذلك فبرأي بشارة، فإنّ وجود المجموعة التي سلّمها ترامب ملف الصراع العربي ــ الإسرائيلي (خصوصًا الثلاثي جاريد كوشنر ودايفيد فريدمان وجايسون غرينبلات) التي تعتقد بوجوب تصفية قضيتي الجولان والقدس الآن، خلال وجود ترامب في البيت الأبيض، يعدّ أحد اعتبارات ترامب في اتخاذ قراراته بالشأن الفلسطيني.

ووصف بشارة حديث وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، من الأراضي المحتلة عن أن "الله أرسل ترامب من أجل إسرائيل"، بأنه "تصريحات داعشية". ولم يقلل بشارة من خطورة قرارات ترامب في السياسة الخارجية عامّةً، وفي ملف الصراع العربي الإسرائيلي خاصّةً، لأن قضية الجولان خصوصًا ستصبح، وفق رأي بشارة، عبئًا على أميركا وإسرائيل في قضايا السلام مستقبلًا.

وفي نهاية تعقيبه اقترح بشارة على العرب، نخبًا وحكامًا بشكل خاصّ، أن يعيدوا النظر في التمييز الذي يقيمونه بين الأراضي المحتلة عامي 1948 و1967 منذ حرب يونيو من ذلك العام، وهو ما تجسد في مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وذلك لأن كلًّا من إسرائيل وأميركا تخلتا عن التمييز بين هاتين الفئتين من الأراضي.

وبخصوص الحدث في الجولان على وجه التّحديد، بدا بشارة مطمئنًّا إلى أن سورية لن تبقى إلى الأبد كما هي اليوم منهكة وضعيفة بسبب النظام والحرب، بالتالي فإن موضوع الجولان سيبقى مادة تُقلق تل أبيب وواشنطن.

وتطرّق بشارة في نهاية اللقاء للحديث حول تهافت العديد من الحكام العرب، خاصّةً في منطقة الخليج، إلى التّطبيع، معتبرًا أنّ هذا السلوك يزيد الاحتلال تطرفًا، ويضيف من تطلبه للمزيد من التنازلات، ويعزّز من دعم أميركا له؛ مشدّدًا على خطورة أولئك الحكام لعواصم بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي، لا تحتاج إلى التطبيع ولا يطلب منها موقفًا حتى من الصراع، وترى مسؤوليها يندفعون في الإعراب عن إعجابهم بإسرائيل مجاناً بإثباتات تاريخية كاذبة، وفق تقديره.

وعن حجة مواجهة إيران لتبرير التحالف مع إسرائيل، وفق الرواية السعودية ــ الإماراتية، ذكّر بشارة بأن تحالف بعض العرب مع إسرائيل "لم يجعل إيران تنكمش رغم مرور 10 سنوات على هذا النمط"؛ مشيرًا إلى أن سياسات إيران التوسعية يجب إفشالها بالفعل عبر جهد عربي جماعي، غير أنه جزم بأن "لا علاقة لذلك بإسرائيل، إذ إن العلاقة بإسرائيل لا تحجّم إيران بل تُضعف العرب وتقوي إسرائيل التي لن تحارب إيران من أجل أحد".

وكان بشارة قد قدّم يوم الإثنين الماضي، ضمن الحلقة الثانية من المقابلة التي يجريها حول قضايا سياسية مختلفة؛ تحليلًا لصعود اليمين المتطرف في الغرب وأسبابه، مستشهدًا بالحادثة الإرهابية في نيوزلندا، التي أودت بحياة 50 مسلمًا، معتبرًا أن ما حصل ليس جديدًا من ناحية وجود جماعات وخلايا شبيهة تدعو للتفوق العرقي.

وأعطى بشارة أمثلة تاريخية عديدة على هذا النمط من الإرهاب، مؤكدًا أن النزعة العنصرية عند ترامب، تأخذ طابعيْن؛ فأما الأول فهو طابع مغامر تدخلي تحريضي، وأما الثاني طابع انعزالي لا يرغب بالتدخل في الدول الأخرى، محاولًا التأقلم بين هذين العنصرين المتناقضين.

وذكر بشارة أن معظم التحليلات قللت من شأن ترامب في البداية، باعتباره شخصًا شعبويًا مهووسًا بالظهور والنرجسية، غير أنه تبين أن هؤلاء النرجسيين الذين يبدون غير مهمين في البداية، يصيرون خطيرين عندما يحوزون على سلطة.

وفي الحلقة الأولى من سلسلة المُقابلات، تحدّث بشارة عن التطورات السياسية على الساحة العربية، والاحتجاجات العربية والانتقال الديمقراطي، مؤكدًا أن هناك مرحلة جديدة عربيًا، بدأت في عام 2010 مع انطلاق ثورات الربيع العربي لكنها لم تنته بعد. وهي ما يراها "مرحلة واحدة مع صعود وهبوط ومع ارتدادات، وربما انتكاسات". والتي يعتبر أنها تمثل نهوضًا للمجتمعات العربية، لتلتحق بشعوب العالم الديمقراطية من حيث احترام كرامة الإنسان وحريته، بما في ذلك حقوقه السياسية والاجتماعية والمدنية، وتشمل حق المجتمعات العربية في تقرير مصيرها، وإدارة شؤون حياتها.