النظام السوري والتطبيع يثيران عاصفة جدل حول "قرطاج السينيمائي

النظام السوري والتطبيع يثيران عاصفة جدل حول "قرطاج السينيمائي

أحاطت عاصفة من الجدل بمهرجان قرطاج السينيمائي قبل انطلاق دورته الـ28، لا سيما في موضوع التطبيع مع إسرائيل، لمشاركة المخرج اللبناني زياد دويري، ومحاولة تلميع صورة النظام السوري والدعاية له.

"الصدمة" يلقي بظلاله على "القضية 23"

وبدأ الجدل في تونس منذ الإعلان عن لائحة الأفلام الطويلة المشاركة بالمسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية، المقامة حاليا بتونس في دورتها 28.

ومن بين الأفلام، ظهر فيلم "القضية 23"، الحائز على جائزة أفضل ممثل (الفلسطيني كامل الباشا) في الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي، والمتوج بـ"النجمة الفضية" بالدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي.

جملة من التتويجات لم تشفع لمخرج الفيلم اللبناني زياد دويري لدى عدد من الناشطين التونسيين المناهضين للتطبيع مع إسرائيل، ممن تعالت أصواتهم مستنكرة مشاركة من شأنها أن تمنح انطباعا بفتح تونس مجالها الثقافي لسينمائيين "طبعوا مع إسرائيل".

ورغم اختيار إدارة المهرجان التونسي فيلما فلسطينيا بعنوان "كتابة تحت الثلج" لمخرجه رشيد مشهراوي، ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة، إلا أن حضور الدويري وفيلمه "القضية 23"، أثار ردود أفعال غاضبة.

غضب بدأ قبل تونس، إذ أوقفت السلطات اللبنانية، في أيلول/ سبتمبر الماضي، دويري في مطار بيروت الدولي، فور عودته من العاصمة الفرنسية باريس، قبل إحالته إلى القضاء العسكري.

دويري كان، حينذاك، عائدا إلى بلاده لحضور العرض الأول لفيلمه الجديد "قضية رقم 23"، إثر تصوير مشاهد من فيلمه "الصدمة" (2012) في إسرائيل، وتعامله مع طاقم عمل إسرائيلي، وفق تقارير إعلامية.

غير أن المخرج نفى جملة التهم الموجهة إليه، وقال، ردا على سؤال المحكمة بهذا الخصوص: "أنا لم أطبع (مع إسرائيل) (..) أنا ناضلت من أجل القضية الفلسطينية"

جدل "التطبيع" على إيقاع المهرجان

اعتبر المتحدث باسم "الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني"، غسان بن خليفة، أن "دويري مطبع، حيث زار إسرائيل وعاش فيها 11 شهرا، وتعامل مع منتج وتقنيين إسرائيليين".

وأضاف، أن "للمخرج اللبناني مشاركات في وسائل إعلام إسرائيلية، وأن الأخير يعتبر إسرائيل بلدا عاديا يمكن التعامل معه".

وتابع أن "إدارة المهرجان تدفعنا لاعتبار الفيلم المشارك 'القضية 23' بعيدا عن جميع أشكال التطبيع، في حين أن اسم مخرجه كاف لطرح هذه القضية وإثارة الجدل حولها".

ولفت الناشط التونسي إلى وجود "سياسة كاملة ممنهجة للتطبيع" في بلاده، لافتا إلى "وجود اثنين من الوزراء المطبعين بالحكومة التونسية، وهما وزير الخارجية خميس الجهيناوي، ووزيرة السياحة سلمى اللومي"، على حد قوله.

وفي تصريحات سابقة، نفى الجهيناوي تهمة التطبيع الموجهة إليه، مؤكدا أنه لم يقم بأي عملية تطبيع مع إسرائيل عند عمله في مكتب تل أبيب في تسعينات القرن الماضي.

واعتبر خليفة أن "جميع الحكومات المتعاقبة على تونس لم تتبن موقفا واضحا حيال القضية الفلسطينية، متعللة، في كل مرة، بالتزامها باتفاقات دولية تجبرها على التعامل مع كل الدول".

ولفت إلى أن "جميع السياسيين غير معنيين بسيادة فلسطين، وأن كل حديثهم عن هذا البلد لا يتجاوز كونه مجرد شعارات غير واقعية، مع أنه كان بإمكانهم تمرير قانون يجرم التطبيع، لكنهم لم يجرؤا على ذلك".

والأربعاء الماضي، نظمت "الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني" وقفة احتجاجية أمام قاعة سينما "الكوليزي"، بالعاصمة التونسية، حيث عرض فيلم "القضية 23".

وطالب المحتجون بمنع عرض الفيلم، فيما قال القائمون على الوقفة الاحتجاجية إنها ترمي إلى "توعية المتفرجين وجمهور السينما عموما بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني".

"الدعاية للنظام السوري"

انسحاب المخرج السوري، سامر عجوري، من مهرجان أيام قرطاج السينمائية احتجاجًا على مشاركة فيلم "مطر حمص" لمواطنه المخرج جود سعيد، أثار أيضا جدلا واسعا.

عجوري سبق وأن أوضح في بيان، الإثنين الماضي، أنه "تلقى دعوة، منذ نحو شهر، للمشاركة في مهرجان قرطاج، ضمن مسابقة الأفلام القصيرة، خارج المسابقة الرسمية".

وأضاف "ومنذ أيام، صدرت قائمة الأفلام المشاركة في جميع مسابقات المهرجان، ومن بين الأفلام الروائية المشاركة، ظهر فيلم 'مطر حمص' لمخرج النظام السوري، جود سعيد".

وتابع أن "فيلم 'مطر حمص' يستغل فيه مخرجه، بشكل سافر، حطام مدينة كاملة دمرت تحت قصف طائرات جيش النظام السوري ونيران دباباته، ليستخدمها خلفيات سينمائية، بطريقة لا يمكن وصفها إلا بأنها تمثيل وتشنيع بجثة حمص".

وتعقيبا عن الموضوع، قال المخرج التونسي، منجي الفرحاني، إن "الجهة المشرفة على السينما في تونس لا تزال هي نفسها منذ سنوات".

وأضاف أن هذه "الجهة تنتمي بالأساس إلى اليسار الفرانكوفوني (الناطق بالفرنسية) الثقافي، ممن يتبنون توجها معينا نختلف معه حتى في نوعية الأفلام".

وبحسب الفرحاني، فإنه "كان من المفترض أن تعرض في تونس بلد الثورة أفلام تتماهى مع خط الثورات، غير أن المعادلات تختلف، ومن المؤسف أن نرى في قاعاتنا أفلاما تساند النظام السوري".

واعتبر أن انسحاب المخرج السوري سامر عجوري "موقف مشرف، ولكنه كان بإمكانه البقاء ليثبت وجوده، ويدافع عن وجهة نظره بطريقة أخرى، من خلال انتقاد الطرف المقابل والتعبير عن رأيه".

ويعتبر الفرحاني أن "التوجه العام في تونس بعيد عن تبني الثورات، فهم (بعض السياسيين والمثقفين) مستعدون للذهاب إلى إسرائيل، غير أن ما سيمنعهم هو أن الثورات ستبقى حية في قلوب الشعوب".

كما رأى أن "السياق يشجع أكثر على التطبيع مع الكيان الصهيوني في سبيل البقاء في السلطة وفي الواجهة"، مشيرا أن "التطبيع في السينما التونسية ظاهرة موجودة رغم مقولة أن الفن بعيد عن السياسة".

وتابع: "طالما أن المشهد الثقافي والسينمائي على وجه الخصوص لا يمسكه فنانون شرفاء وأحرار، فلن يكون بإمكاننا صنع ثورة ثقافية حقيقية".

وللفرحاني، قبل الثورة التونسية في 2011، تجربة واسعة في الإخراج في هولندا التي يحمل جنسيتها، ومن أعماله الفيلم الروائي "رسالة إلى أبي" الذي يتناول قضية المهاجرين المسلمين والعنصرية التي تستهدفهم في الغرب.

وله أيضا الفيلم الوثائقي "الشرارة" الذي أخرجه سنة 2011 تزامنا مع الثورة التونسية، وفيلم "تيماء" (2014) و"شاعر من رحم الثورة" (2015).

من جانبها، ترفض إدارة مهرجان "أيام قرطاج السينمائية" الخوض في الاتهامات الموجهة إليها.

فيما قال مصدر من الإدارة نفسها، تحفظ عن ذكر اسمه، إن "المهرجان ثقافي بالأساس، وبعيد كل البعد عن الصراعات السياسية".

وتشهد الدورة 28 للمهرجان الذي انطلق السبت الماضي ويتواصل حتى الغد، مشاركة 180 فيلمًا تونسيًا وعربيًا وأجنبيًا، من أكثر من 20 بلدًا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018