جدل "فرنسة" التعليم بالمغرب: حاجة علمية أم مشروع مسيّس؟

جدل "فرنسة" التعليم بالمغرب:  حاجة علمية أم مشروع مسيّس؟
كاريكاتير حول جدل التعريب وفرنسة المناهج المغربية (فيسبوك)

أثار قرار وزارة التربية الوطنية المغربية بتدريس بعض المواد العلميّة باللّغة الفرنسيّة جدلًا جديدًا وردود فعل متباينة، بين الغضب من القرار واعتباره تهديدًا للغتين الرّسميّتين في البلاد، العربيّة والأمازيغيّة، وبين الدفاع عنه باعتباره مواكبةً للتطوّر التكنولوجيّ والرّهانات الاقتصاديّة العالميّة.

وكانت وزارة التربية والتعليم المغربية قد عمّمت مطلع موسم الدّراسة الحاليّ قرارًا بتدريس المواد العلمية والتقنية في المرحلة الثانوية بالفرنسية، بالتّزامن مع مناقشة النّواب في البرلمان المغربي لقانون "الإطار للتربية والتكوين"، وهو قانون لإصلاح التعليم، سبق أن صادق عليه المجلس الوزاري في آب/ أغسطس الماضي.

وتعود فكرة هذا القانون إلى عام 2015 حين أصدر وزير التربية الوطنية السابق رشيد بلمختار مذكرة طالب فيها مسؤولي الوزارة الجهويين بـ"تعميم تدريس المواد العلمية والتقنية في المرحلة الثانوية باللغة الفرنسية"، لتعلل الوزارة آنذاك قرارها بأنه "تصحيح للاختلالات التي تعرفها المنظومة التعليمية".

ويلقى القانون الكثير من المعارضة، إذ يراه عديدون متناقضًا مع مبدأ "التناوب اللغوي" الذي جاءت به الرؤية الاستراتيجية التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، والذي يعني استفادة المتعلمين من ثلاث لغات: العربية والأمازيغية والفرنسية في التعليم الأولي والابتدائي، تضاف إليها اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول الإعدادي، ويختار الطالب لغة أجنبية تكميلية في الصف الأول الثانوي.

إلا أن عددًا من الباحثين يرون أن وزارة التربية الوطنية تريد فرض الفرنسية، بمفردها وتدعي أن ذلك في إطار التناوب اللغوي.

واعتمد المغرب سياسة تعريب التعليم منذ عام 1977، لكن هذه السياسة ظلت متعثرة، وبقيت المواد العلمية والتكنولوجية والرياضيات تدرس باللغة الفرنسية في التعليم الثانوي بالبلاد، إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث تقرر تعريب جميع المواد حتى نهاية الثانوية العامة، مع استمرار تدريس العلوم والاقتصاد والطب والهندسة باللغة الفرنسية في جميع جامعات المغرب حتى اليوم.

سيادة اللّغة ولغة السيادة

ونقلت وكالة "الأناضول" عن الباحث المغربي سلمان بونعمان قوله إنّ "رفض فرنسة التعليم لا يتعلق برفض الفرنسية بحد ذاتها، ولكن رفض السياسة اللغوية التي تريد فرض الفرنسية عن طريق القسر والإكراه والثقافة والاقتصاد".

وأوضح بونعمان، وهو صاحب كتاب "النهضة اللغوية وخطاب التلهيج الفرنكفوني" أنّ "لا خلاف حول أهمية تعليم اللغات الأجنبية الأكثر تأثيرًا وتداولًا وأهمية في البحث العلمي، بما فيها الفرنسية، لكن جوهر المشكل هو الانفتاح الأحادي على لغة بذاتها على حساب اللغتين الوطنيتين (العربية والأمازيغية)".

ودعا الباحث المغربي إلى "أن تحظى اللغتين الرسميتين للبلاد بالمكانة اللائقة بهما دستوريًّا وقانونيًّا كما تنص على ذلك كل تجارب الأمم التي تحترم لغتها وتعتبرها جزءًا من السيادة"، مضيفًا أنّ "المعركة ليست إبعاد الفرنسية ولكن احترام السيادة والوعي بتحولات العصر".

مشروع مسيّس

في المقابل، قال قال الباحث المغربي في قضايا التعليم، الحسن حما، إن "تقدم ونهضة الأمم لا يجب أن يكون خارج منظومتها اللغوية"، معتبرًا أنّ "اللغة مدخل النهضة الحضارية ولا يمكن لبلد أن يتقدم بعيدًا عن لغته الأم"، وأنّ "المشكل أن موضوع اللغة في المغرب مسيس بالكامل، فيما النقاش يفترض أن لا يكون فيه مزايدات سياسية".

ودعا حما إلى "جعل موضوع لغة التدريس نقاشًا وطنيًّا يشارك فيه الجميع، وإخراجه من التسييس والأدلجة"، مؤكّدًا أنّ "الأساسي هو تحقيق العدالة في التعليم، بأن يخضع أبناء الشعب لتعليم بنفس المستوى والمواصفات، خاصة أن المخرجات لها أثر على مستوى الواقع الاجتماعي".

تعديل لمصلحة الوطن

على الجانب الآخر يقول المدافعون عن تعميم وزارة التربية الوطنية المغربية، إن الكثير من الطلاب المغاربة يتعثرون في دراستهم الجامعية بسبب عدم إتقانهم اللغة الفرنسية، وهو ما دفع الحكومة إلى السعي لإعادة اعتماد الفرنسية لتدريس العلوم والرياضيات والمواد التقنية في المدارس العليا الثانوية.

كما تبنّى هذا الطرح أيضًا رؤساء الجامعات المغربية الذين أوصوا في بيان لهم مؤخرًا بتدريس العلوم بالفرنسية من أجل "مصلحة الوطن" ولمواكبة التطور التكنولوجي والرهانات الاقتصادية، وأبرز البيان ضرورة تعزيز تدريس اللغات الأجنبية، وإعطائها الأولوية منذ التعليم الابتدائي، بغية تكريس التعدد اللغوي المنشود والاندماج المهني.