تقليل أيام العمل يزيد من إنتاجية العمال لا العكس!

تقليل أيام العمل يزيد من إنتاجية العمال لا العكس!
توضيحية (pixabay)

ينتشر في مناطق كثيرة حول العالم نموذج العمل لخمسة أيام أسبوعيا على أنها المنظومة الأنجع للإنتاج، لكن البعض يرى اليوم أن هذا الافتراض خاطئ.

وكتب مراسل مجلة "ذي ويك" الأميركية، للشؤون الاقتصادية والتجارية، جيف سبروس، مقالا فصّل فيها كيف باتت عدّة شركات حول العالم تتبنى نموذج عمل لأربعة أيام أسبوعيا، كونه يزيد من إنتاجية العامل مقارنة مع العمل لمدّة خمسة أيام.

وارتكزت الفكرة التي يشجعها الكاتب، على نموذج عمل اتبعه الفرع المحلي لـ"مايكروسوفت" في اليابان، حيث منح موظفي الشركة إمكانية العمل لأربعة أيام، لمدة خمسة أسابيع متتالية، لينجم عن ذلك، قفزة في المبيعات التي أجراها كل موظف بنسبة 40 بالمئة، خلال هذه الفترة. كما وفرت الشركة على نفسها، أوقات الاجتماعات، واستهلك المكتب موارد أقل، وقال الجميع تقريبا إنهم راضون عن البرنامج الجديد.

وأوضح سبروس أن "مايكروسوفت" ليست الشركة الأولى التي ازدادت إنتاجية موظفيها نتيجة لنموذج العمل هذا، مضيفا أن العمل لمدّة أربعة أيام أسبوعيا من شأنه أن يحسن الإنتاجية وتقليل الضغط، وتوفير حياة أكثر سعادة للعمال، وزيادة العدالة الاقتصادية.

وذكر أنه في الثلاثينيات من القرن الماضي، توقع الخبير الاقتصادي جون ماينارد كينيز، أن أسابيع العمل ستنخفض في النهاية إلى 15 ساعة، أو ما يعادل يومين في الأسبوع، نتيجة تقدم التكنولوجيا ما يعني أن الاقتصادات تُصبح أكثر إنتاجية. ولفت إلى أن هذا المنطق بسيط للغاية، فإذا زاد المجتمع من مقدار الثروة التي يمكن أن تنتجها ساعة واحدة من العمل، يمكن للناس أن يستفيدوا من ذلك بإحدى الطريقتين؛ إما أن يعملوا أكثر ويحصلوا على المزيد من الدخل، أو أن يحافظوا على دخلهم والعمل أقل.

وشدد سبروس على أن هذه الفرضية لم تنجح، فقد خفضت الاقتصادات المتقدمة مقدار الساعات التي يمضيها عمالها سنويا، لكن بخلاف هولندا التي تحافظ على أسبوع عمل مدته أربعة أيام تقريبًا، لا تقبل معظم الدول المتقدمة هذا النموذج.

واستخدم سبروس بلاده، الولايات المتحدة، ليُثبت هذا الادعاء، موضحا أن العامل الأميركي هو الأكثر عملا من بين عمال الدول المتقدمة رغم كونه الأكثر إنتاجية من حيث معيار الناتج المحلي القومي، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لم تستخدم هذه الإنتاجية العالية لدفع مواطنيها إلى إمضاء أوقات فراغ أكثر.

ما الذي الحدث؟

قال سبروس إن إحدى أسباب عدم تحول الاقتصادات المتقدمة إلى تقليل ساعات العمل باضطراد مع زيادة إنتاجية الفرد، هو أن الفرد فضل استخدام فائض الإنتاجية كمزيد من الدخل، حيث أن الثروة الفردية للأميركيين وسكان دول متقدمة أخرى، أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق.

مع ذلك، فإن سبروس لا يتهم الفرد وحده، بل يوجه لومه لانعدام المساواة الاقتصادية المتزايدة في الدول الغربية، مشددا على أن قدرة الناس على الحصول على مزيد من الدخل لنفس ساعات العمل، أو الدخل ذاته لساعات أقل، لا تتم إلا إذا تم تقاسم المكاسب الناتجة عن الإنتاجية بالتساوي، لكن ارتفاع عدم المساواة الاقتصادية يعني أن هذا لا يحدث على أرض الواقع، فإن الكثير من الأميركيين العاملين مثلا، يعملون بجد أكثر من أي وقت مضى ولكن أجورهم تبقى راكدة.

وذكر في هذا الصدد أيضا أن أميركيين كُثر يعملون لـ40 ساعة أسبوعيا ليس لأن شركتهم بحاجة إلى ذلك، بل لإنه ببساطة يحتاجون إلى الحصول على دخل كاف لإعالتهم. ما يعني أنه من الممكن اقتصاص ساعات عملهم، ومنحهم المقدار ذاته من المال دون أي خسارة تُذكر للشركات.

وعدد سبروس عدّة شركات عالمية جربّت تخفيض ساعات عمل موظفيها لقاء نفس أجورهم السابقة، لتجد أن إنتاجيتهم ازدادت بدل أن تنقص، خصوصا أن حالتهم النفسية تحسنت.

وأشار إلى أنه بحسب معايير الربح والخسارة، فإن تبني الشركات لهذا التوجه بشكل مُنفرد قد يؤذيها في منافستها أمام الشركات الأخرى، خصوصا أن الشركات التي أجرت تجارب على نموذج العمل لأربعة أيام أسبوعيا، هي شركات ثرية ويُمكنها المجازفة بذلك، لذا يقترح سبروس أن تفرض الاقتصادات، أي الدول، نموذج العمل هذا.

وقال إن على الدول الإبقاء على ساعات العمل لمدّة ثمانية ساعات يوميا لأربعة أيام أسبوعيا، دون إجهاد الموظفين لساعات إضافية بعد تقليل يوم العمل، وذلك سيحتاج زيادة الأجر للساعة الواحدة لضمان عدم فقدان أي شخص بعض الأموال لعمله لساعات أقل، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع بالأجور عامة، وتأسيس نقابات أكثر قوة، وإرساء سياسيات أقتصادية لتحقيق العمالة الكاملة والمحافظة عليها.

وحذر سبروس من أن ذلك لن يُعجب النخبة الثرية، فهذا يعني أنها ستخسر سلطتها على المال، وقد يفضل بعض (أو معظم) أرباب العمل في الواقع أن يكون العمل هو محور حياة موظفيهم، فإن قلة وقت الفراغ ترتبط ارتباطًا جوهريًا بانعدام المساواة.