احترام إنسانية العامل هي الصيغة الأفضل لإثراء أماكن العمل

احترام إنسانية العامل هي الصيغة الأفضل لإثراء أماكن العمل
توضيحية (pixabay)

يقضي الناس نحو نصف ساعات اليقظة من يومهم، في العمل، وهو المكان الذي يوفر لهم قوت يومهم، ويشكل تعريفهم لأنفسهم في أحيان كثيرة، لكن كثيرون يتذمرون من العمل.

ورغم أن الشخص لا يستطيع إنكار أهمية العمل في حياته، إلا أن كثيرون يعبرون عن عدم محبتهم لأماكن عملهم، خصوصا إذا انتهجت الأخيرة، ممارسات تنتزع إنسانيتهم، عبر ممارسة ضغط هائل عليهم.

وفي مقال نشره موقع "بيغ ثينك" لأخبار العلوم، يوثق الكاتب سكوتي هندريكس، ادعاء الفيلسوف نوعم تشومسكي، الذي قارن فيه بين أماكن العمل الحدثية، والأنظمة الاستبدادية الأكثر قمعا لمواطنيها.

ويقول تشومسكي في هذا الصدد أن أماكن العمل الحديثة قد تكون "أكثر وحشية وتدميرية من الدولة الشمولية، فإذا كنت تعيش في دولة شمولية، ففيها لا يخبرك أحد (عادة) بأنك ممنوع من دخول الحمام.. أو أنه لا يمكنك إجراء حديث مع شخص ما، أو أنه عليك ارتداء نوع محدد من الملابس، وغيرها من الأمور. ويمضي الناس حياتهم العملية تحت نظام استبدادي يُمكنك أن تُعجب بما ينتجه، لكنك تحتقر ماهيته".

واستشهد الكاتب بكلمات تشومسكي، ليشدد على أن أماكن عمل كثيرة تمارس سيطرتها على ما يقوله عمالها، وما يفعلونه في أوقات فراغهم أيضا.

وأضاف: "بطريقة أو بأخرى، أصبح من الشائع افتراض أنه مقابل مبلغ صغير من المال، من المتوقع منا، أن نترك إنسانيتنا عند دخولنا من باب المكتب. وأن علينا أن نفعل بالضبط كما طلب منا دون أسئلة، بغض النظر عن مدى بلاهة أوامر المدير، وإلا تعرضنا للطرد".

ويُعادي هذا التوجه في أماكن العمل، فكرة أن الفرد هو كائن يحظى بكرامة، وأنه يستحق الاحترام والسيطرة على نفسه.

وأوضح هندريكس أن هذه الطريقة في التعامل مع العمال ليست حتمية، مشيرا إلى أن هناك العديد من المنظومات المتنوعة التي تمنح العمال سيطرة أكبر على مكان عملهم وإحساس أقوى بالملكية والاستقلال، مما يجعل مكان العمل أكثر إنسانية وأكثر فاعلية.

وقدم الكاتب ثلاثة نماذج لذلك:

خطة سكانلون

ابتكر النقابي الأميركي، جوزيف إن سكانلون، خطّة لتحسين أداء أماكن العمل خلال فترة الكساد الكبير في الولايات المتحدة، واُتبعت لفترة قصيرة قبل إيقاف العمل بموجبها.

وتنطوي الخطة على إنشاء نظام مشاركة للأرباح يُشجع الموظفين على تقديم اقتراحات من شأنها تحسين أماكن عملهم، إلى لجنة منتخبة تراجع مدى قابلية تطبيقها، ومن ثم نقلها للإدارة.

وفي حال قبولها، تعتمد الشركة هذه الأفكار بحيث يُترجم أي مكسب ناتج في المبيعات أو الإنتاجية من هذه الاقتراحات إلى زيادة في الأجور أو الرواتب وفقا لجدول محدد مسبقا.

وتكمن قوة هذه المنظومة بأنها تكافئ العمال بشكل مباشر إزاء عملهم على تحسين إنتاجية الشركة، وتُشجع انخراطهم فيها، بالإضافة إلى أنها توفر طريقة حقيقية وعملية لتنفيذ الاقتراحات، مما يمنح الموظف إحساسا أكبر بالملكية أو الانتماء، مدفوعا بإحساسه بالسيطرة على بيئة عمله.

وأشار الكاتب إلى أن عدة دراسات أظهرت أن خطة سكانلون فعالة للغاية بما تحدده. ورغم أن هذه المنظومة ترتبط غالبًا بالمطاحن والمصانع، إلا أنها تعمل جيدا في بيئات البيع بالتجزئة؛ حيث أشارت دراسة حديثة إلى أنها ساهمت في زيادة كبيرة في مبيعات الشركات التي اعتمدتها.

مشاركة العامل

تعمل هذه المنظومة التي طُورت في ألمانيا وساهمت بازدهار اقتصادها، على تحسين فاعلية العامل، وزيادة شعوره بإنسانيته.

وتمنح العمال حق التصويت في المجالس التنفيذية للشركات من خلال ممثلين منتخبين، ما يوفر للعمال قدرا معينا من التحكم في أماكن عملهم.

ولفت الكاتب إلى أن العديد من الدراسات أظهرت أن هذه الطريقة تزيد من إنتاجية العامل، وتخفض من الاستبدال العمالي، وتمنح العمال قوة حقيقية للتأثير على أماكن عملهم.

تعاونيات العمال

تشجع هذه المنظومة أماكن العمل على تبني الديمقراطية على شكل تعاونيات يلعب فيها العمال دور المالكين والموظفين في آن واحد.

وتُنفذ العمليات التجارية بطريقة ديمقراطية، حيث يتم تقاسم الأرباح وفقا لما يراه العمال على أنه توزيع عادل.

وتعمل شركة "موندراغون كوربوريشن" الإسبانية بهذه الطريقة، حيث توظف 75 ألف عامل (مالك)، وتجني 10 مليارات يورو سنويًا.

ولفت الكاتب إلى أن الدراسات تُشير إلى أن التعاونيات العمالية تتمتع أيضًا بإنتاجية أعلى من الشركات الأخرى، وتؤدي إلى زيادة رضا الموظفين بالتوازي مع تقليل احتمال الفشل إلى حد كبير، لأن الجميع يشترك بعملية الإنتاج.

وأنهى هندريكس مقاله، مشيرا إلى أن الشركات حول العالم باتت أكثر اتباعا لنماذج عمل تهتم للعامل، لزيادة إنتاجيته، مشددا على أن أفضل طريقة لحث العمال على الإنتاج هي احترام إنسانيتهم أولا، بغض النظر عن الطريقة المتبعة في ذلك.