الحراك الشبابي ودوره‏/ محمد عمر كبها

الحراك الشبابي ودوره‏/ محمد عمر كبها

إن التحرك الحاصل هذه الأيام في الداخل الفلسطيني هو حراك شبابي عفوي لا يقوده تيار أو حزب معين، ويعبر هذا التحرك عن ارتقاء في الوعي لدى هذه الشريحة الهامة من الشعب الفلسطيني، جيل الشباب، وعلى وجه التحديد الجيل الرابع أو جيل ما بعد أوسلو الذي تخلت عنه منظمة التحرير التي كانت تعتبر في مرحلة ما الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أطيافه.

إن ما نراه اليوم هو تفاعل وتحرك هذا الجيل مع قضايا شعبه معتبرا إياها قضاياه الخاصة.

لقد أراد المشروع الاستعماري الصهيوني تجزئة شعبنا مستخدما كافة السبل، لكن وبرغم كل خططه المدبرة والميزانيات الطائلة التي أنفقها نظام الأبارتهايد لتعزيز قوته وتكريس التجزئة والتشتت والشرذمة، وإشغال فصائل الشعب الفلسطيني كل منها بقضايا تختلف عن الأخرى، متبعا سياسة فرق تسد، لإشغالنا عن القضية الأساسية والأهم وهي التحرر والانعتاق من المشروع الصهيوني الاستيطاني، ذلك رغم تخاذل وغدر من كان من المفترض أن يقود الشعب الفلسطيني في مشروعه التحرري وصولا إلى حقه في تقرير المصير، فإننا نرى اليوم كيف ينجح الشباب الفلسطيني في إجهاض هذه الخطط والسيناريوهات الواحدة تلو الأخرى.

هذا الجيل، ومنذ رأت عيناه النور، لم يعرف سوى العنصرية والتهميش والقمع والعنف والجريمة المتفشية، فلا يرى أي أفق في ظل هذا النظام الظالم، سيما حينما ينظر الى جيرانه في المستعمرات اليهودية فلا يرى أي مقارنة بين حاله الذي يرثى له في أحياء الفقر بدون أي بنى تحتية أو خدمات أو مؤسسات، وبين حالهم، ليستشعر عمق الأسى الذي يعيشه.

إن عنصرية وفاشية نظام الفصل العنصري الصهيوني دفعت هذا الجيل إلى التلاحم مع باقي فئات شعبه، فأصبح واضحا بالنسبة له أن هذا النظام الإسرائيلي لن ينصفه ولن يعطيه حقه بشكل طوعي، وبأن هذا النظام لا يفرق بين أبناء الشعب الفلسطيني، سواء كان هذا الفلسطيني يسكن في نابلس أو غزة أو الناصرة أو القدس أو عرعرة، فقد صنفهم سويا في خانة العدو، وأرادهم جميعا عبيدا يخدمون مشروعه الاستيطاني.

إن هذا الجيل أصبح يعي كل ذلك بعد أن تعلم واستخلص العبر من التاريخ النضالي الطويل للأجيال الفلسطينية التي سبقته، يدرك الآن بأن السبيل الأوحد لنيل حريته هو الالتحام مع بقية فئات شعبه والتكتل حول مشروع واحد واضح المعالم والأهداف، هو بمثابة مشروع تحرري إنساني وأخلاقي يتحدى جبروت وطغيان المشروع الصهيوني المدعوم من قوى الشر الإمبريالية، ليقيم الشعب الفلسطيني دولته الديمقرطية المنشودة على أرض فلسطين التاريخية. 

إن الجيل الرابع يدرك تماما بأنه لن ينال كل ذلك من خلال استعطاف واسترضاء عدوه أو عن طريق تقديم التنازلات من خلال مفاوضات عبثية يتم فيها المساومة على حقه في نيل حريته وعيشه الكريم كما يحدث منذ عقود مضت، بل ينتزع حقه انتزاعا من أنياب الوحش، سيما أن هذا الوحش آخذ في الضعف والوهن والهزل يوما بعد يوم، وما حالة الهستيريا والإرباك التي تمر بها إسرائيل إلا دليلا يدعم ذلك. فقد فقدت هذه الدولة صوابها ومعها كل مؤسساتها ودخلت في حالة من الهيجان. فعلى سبيل المثال ما قال المدعي العام للشرطة الإسرائيلية الذي اتهم نشطاء من جيل الشباب في الداخل الفلسطيني قبل أيام بأنهم يخططون لأعمال إرهابية، مستدلا على ذلك وهو دليله الذي قدمه للقاضي بأن النشطاء تبادلوا رسائل بينهم دعوا المشاركين في المظاهرات إلى التزود بالبصل.

إن الكيان الصهيوني الذي يحاول منذ لحظة قيامه، وبكل السبل والوسائل المتاحة، قمع وترهيب الفلسطيني أينما كان، يواجه اليوم جيلا جديدا من الفلسطينيين كسر حاجز الخوف لأنه يدرك بأن سكوته على ما يحصل من اضطهاد وتضييق وإعدامات ميدانية يراها بأم عينه يوميا، ستكون نتائجه كارثية عليه وتزيد من حالة الخنق والقتل والتهجير التي يعيشها لو بقي صامتا، وهو الذي استخلص عِبر الماضي ولن يسمح لمخططات التهجير والتطهير العرقي أن تمر مجددا.

لم يتصور قادة المشروع الصهيوني في أسوأ سيناريوهاتهم لدى وضعهم خطط الأسرلة والتركيع إبان فترة الحكم العسكري، بأن الشباب الفلسطيني في الداخل أبناء الستة عشر عاما سينزلون إلى الشوارع في عام 2015 بالتزامن مع نزول إخوانهم من مناطق فلسطين الأخرى رافعين نفس الشعارات ويهتفون نفس الهتافات ويرفعون نفس المطالب.

لم يتخيلوا أبدا بأن الفتاة النصراوية شيماء أحمد، ابنة الخامسة عشر، والتي نزلت إلى الشارع جنبا الى جنب مع رفيقاتها ورفاقها لترفع صوتها عاليا وتعبر عن غضبها وسخطها في وجه النظام الظالم، لم يتخيلوا تلك البسمة التي سترتسم على محياها حين اعتقلها جنود 'اليسام'. وطبعا لم يتخيلوا بأن والديها الشابين سيرفعان رؤوسهما عاليا فخرا بابنتهما حين التقياها في اليوم التالي في المحكمة.

وبناء عليه على شعبنا الآن أن يستثمر هذه المرحلة وأن يعمل على فرز قيادات حكيمة شريفة لا تفرق بين فلسطيني وفلسطيني ولا تساوم على أي حق من حقوقنا، كما وينبغي أن يكون للشباب الواعي دورا هاما في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني المستقبلي.

إننا وفي هذه المرحلة الحاسمة أشد ما نحتاج إلى قيادة واعية تعرف كيف تدير المعركة الميدانية، وتدرك أيضا كيف تستثمر المتغيرات التي تشهدها السياسة العالمية.

ففي الوقت الذي تتجه إسرائيل بشكل مطرد ومتزايد الى التطرف والفاشية، نرى أن السياسة العالمية تنعطف يسارا، فارضة معها قيم الحرية والعدالة، وقد لاحت في الأفق بشائر التغيير في الغرب، وهو ما سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى تخلي تلك القوى عن الرأسمالية والنيولبرالية، ما قد يشكل صنوًا للتغيير في موازين القوى العالمية الذي حصل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكانت نتيجته تحرير جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري.

ويتوقع محللون بأن صعود اليسار سيعني تخلي هذه الدول عن الهيمنة الإمبريالية التي تعتبر المشروع الصهيوني رأس حربتها، فما عاد العالم يحتمل نظام أبرتهايد جديد، ولن تكون إسرائيل الطفل المدلل أكثر من ذلك.

أنظر مثلا حملة مقاطعة اسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) في الغرب وتعاظم الدعم الشعبي للحملة وهو ما يثبت هذا كله، فقبل أشهر قليلة انضم اتحاد طلاب الجامعات البريطاني الذي ينضوي تحت لوائه أكثر من خمسة ملايين طالب، إلى نداء المقاطعة.

وكذلك حركة Jewish Voice for Peace - JVP)) التي تمثل الجيل الثالث والرابع بعد المحرقة، من يهود الولايات المتحدة الذين لا يشعرون بأي انتماء إلى إسرائيل ومشروعها الاستيطاني، وهذه الحركة قد تصبح قريبا موازية للوبي الداعم لإسرائيل American Israel Public Affairs Committee – AIPAC (اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة- والذي يتشكل بمعظمه من أبناء الجيل الثاني بعد المحرقة من يهود الولايات المتحدة).

ويمثل اتحاد الطلاب البريطاني وال-JVP سياسيو وإعلاميو ورجال أعمال المستقبل في هذه الدول المؤثرة، وهذه أمثلة بسيطة فقط.

إننا وفي هذه المرحلة أمام منعطف هام في تاريخ البشرية وعلينا كفلسطينيين أن نحسن التعامل معه.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018