الاستعمار الصهيوني في البلاد والحاجة لإثبات الذات

الاستعمار الصهيوني في البلاد والحاجة لإثبات الذات

لا تقتصر محاولات التطبيع التي تنتهجها بعض الدول العربية (وغير العربية) مع الاستعمار الصهيوني في فلسطين على المنفعة الاقتصادية، بالرغم من مركزيتها في أهمية العملية هذه، بل إنّها تأخذ بعدًا، بالنسبة لإسرائيل، لا نخطئ إن قلنا عنه، نفسيًا. فإسرائيل ما زالت تحاول، حتى اليوم، وعلى كافة الأصعدة، أن تشرعن ذاتها كدولة، وكحق تقرير مصير حصري لليهود في كل العالم؛ إنها تستغل كل خرم إبرة حتى تأكد عبره ذاتها لنفسها وللآخرين، فالكمّ الرهيب من الأعلام المنتشرة في الشوارع، والتحشيد الضخم من أجل الاحتفال باستقلال الدولة، أو حتى تواجد الجنود في الحيز العام (وغيرها من مظاهر الدولة) بشكل شبه دائم، يدلنا على هذه العقد، إن صح التعبير، وقد بات ظهور العلم الإسرائيلي في مباريات كرة القدم العالمية في المدرجات أمرًا شبه دائم.

إنّ هذا السلوك ليس مفهومًا ضمنا إطلاقًا عند الدول الديموقراطية التي تعتمد في علاقتها مع السكان على عنصر المواطنة، وهذا ما تدّعي إسرائيل اعتماده. وعمومًا في أيّامنا، فإنّ الدول في شكل علاقتها مع مواطنيها (وأقول "شكل" لأن هذه العلاقة هي في أساسها مبنية على نمط الإنتاج الذي بحسبه هذه العلاقة تتمظهر) تأخذ بعدين، أو لنقل إنّ الدولة تحددهما بعلاقتين، الأول هو نمط ليبرالي يعتبر الفرد قائما بذاته كذرة اجتماعية لا يحمل في علاقته بالدولة إلا مواطنته، دون أي انتماء وطني أو ديني أو حتى طبقي، كفرنسا مثلا؛ فيما الثاني مبني على الوحدة الوطنية والتركيز على القومية كعلاقة عابرة للأديان والطوائف والطبقات، وهو الذي ترتكز إليه الدول التي تحاول فرض سيادتها على وعي المواطن، كروسيا مثلا.

في حين أرادت إسرائيل اكتساب شرعية دولية فإنها تأخذ تصدير ذاتها كدولة تتبنى العلاقة الأولى، حتى تفرض ذاتها على المجتمع الدولي الذي معظم الدول المركزية فيه هي دول من النمط الأول، بينما ممارسة إسرائيل، على أرض الواقع، مختلفة تماما. ولعلنا نرى في "قانون القوميّة" تأكيدًا على هذه الحاجة لإثبات الذات، فإن التأكيد على يهودية الدولة، وعلى أن اليهود في إسرائيل هم مواطنون درجة أولى، إذا نظرنا إليه من وجهة نظر يهودية فإنه يتعدى التعدي على حقوق الفلسطينيين في العيش، ذلك لأن هذه أمور باتت مفروغًا منها أساسا، بل إنه إثبات من الدولة لهم على أنها ملكهم وحدهم، هذا بعد أكثر من 70 عاما تكرّست عبرها محاولات جمّة تصب في هذا التأكيد النفسيّ.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تركيز دعاية نتنياهو الانتخابية على الجهود التي بذلها هو كي يضع إسرائيل على المنصة الدولية، وتصويت فئة لا يستهان بها كتقدير لها –أي الجهود-، هو أمرٌ يستحق منا الوقوف عنده. وبكلمات أخرى، إذا كانت إسرائيل دولة طبيعية وإن كان الشعب اليهودي مؤمنا بها دولة وبذاته شعبا، ما الحاجة لهذا التركيز الإعلامي على هذه الجهود، وأقول هذا لأننا لم نر مثل هذه الأمور في أي حملة انتخابية لأي مرشح رئاسة لأي دولة في العالم. وكأن لسان حال نتنياهو يقول "لقد قمت بتفكيك عقدة نقصك يا شعب إسرائيل، فانتخبني".

ومن جهة أخرى، يقول ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان" إنّ للسلبطة والتسلط أسبابًا كثيرة، معظمها تنبع من حاجة المتسلبط لكي يبقي على ذاته مهيمنا، ذلك لأنه في داخله يعيش حالة من الخوف مشتقة من ماض وتجارب كثيرة، وعليه، فإنه يواجه أي محاولة "تمرد" بعنف عالي الوتيرة.

ويمكننا أن نرى هذا في إسرائيل بشكل واضح، فإن سياسات تأكيد الذات تعلو وتيرة ممارستها بعد كل محاولة فلسطينية "للتمرد" على واقع فيه إسرائيل مسيطرة. ولا يمكننا، مثلا، أن نتجاهل شرعنة "قانون القوميّة" بعد مرور 5 سنوات فقط على حراك برافر، وأقل من ذلك على انتفاضة القدس؛ ونرى ذلك، أيضًا، في كم العنف الذي انتهجته إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية المستعمَرة منذ 1948 في الانتفاضة الثانية، حيث ارتقى 13 شهيدا، مقابل حراك فلسطيني كان مداه الأقصى بضع مظاهرات واحتجاجات وليس حراكا منظما، يتسق إلى وعي علمي، بشكل مسبق.

خلاصة:

إنّنا من هذا نستنتج ثلاث نقاط، من الضروري علينا أن نأخذها بعين الاعتبار إذا ما أردنا أن نواجه المرحلة القادمة من الصراع.
الأولى: إذا كانت إسرائيل ذاتها لم تقتنع بوجودها كأمر طبيعي ومسلم به، فكيف لنا نحن الفلسطينيين أن نضفي عليها هذا الطابع؟ أي أننا، في مواجهتنا لهذا الجسد الاستعماري الاستيطاني، لا يعقل أن يتشكل تصور في اللا وعينا أن إسرائيل قد باتت معطى قائما بذاته، مستقلًا، ولا يقبل أيّة قسمة.
الثانية: إن من يطبّع مع إسرائيل، سواءً أكان بعض الفلسطينيين تحت مظلة أوسلو أو الدول العربية ليسَ مجموعة من الناس أصحاب الوعي المفوّت أو الزائف وما إلى ذلك، بل إنّ الطبيعي لديهم هو أن يطبّعوا مع إسرائيل، ذلك لأن هذه الدول والمجموعات تشبه إسرائيل في بحثها عن شرعية لوجودهم، بالإضافة إلى الكثير من أوجه الشبه التي لا مكان للخوض بها هنا.

الثالثة، وهي الأهم برأيي: إنّ الفرق بين هذه الممارسات التي تقوم بها إسرائيل، وبين ما نقوم به نحن الفلسطينيون، يكمن في كون الأولى هي محاولة لإضفاء شرعية على وجود استعماري، بينما نحن نتعدى ذلك في بعض الأحيان ونتأخر عنه في أحيانٍ أخرى، لكنّنا، في جميعها، نشكّل نقيضًا له. بمعنى، في بعض الأحيان نقوم نحن بالتأكد على وجودنا ذاته، دون أن نتجاوز حقيقة كونه قائما، وهذا تأخر عن إضفاء الشرعية للوجود ذاته، كما أنه نقيض له من حيث المعنى والهدف، ومن جهة أخرى، ما نقوم به، في مسيرة العودة أو في أعمال طلابية وشبابية تطوعية، هو التواصل مع المكان في علاقة تضمن ديمومة الذاكرة الجماعية للوعي بجوهر هذا الصراع. وإننا نناقض في هذا إسرائيل، في كون تواصلنا مع المكان لا ينحصر في كون المكان أرضًا مجرّدة، بمعنى تراب وأحجار، أو بصفتنا ملّاك الأرض بالمعنى الأناني الشوفيني للكلمة، بل بصفتنا أصحابها وسكانها الأصلانيين، الأمر الذي يترتب عليه تاريخ صراع شعب لأجل حريته.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية