أسبوع في القدس: لا صوت يعلو فوق صوت الحركة الطلابية

أسبوع في القدس: لا صوت يعلو فوق صوت الحركة الطلابية
أعضاء كادر التجمع الطلابي الديمقراطي في القدس

هل مدينة القدس حاضرة في مشهدنا الإعلامي بما فيه الكفاية مقارنة بما يجري على أرض الواقع من أسوأ حالة أبرتهايد في تاريخنا لهذه المدينة التاريخية؟ سؤال يتبادر في الذهن، يلحّ عليك ويَجعلك تُلغي برامجك لهذا الأسبوع كي تتوجه خصيصا الى القدس لإعداد بعض التقارير الخاصة، وتختار العيساوية لتبدأ مشروعك الصحفي بعد أن تحولت الى مركز الأحداث هذه الأيام من مواجهات واعتقالات بفعل اضراب ابنها التاريخي سامر العيساوي عن الطعام لأكثر من 220 يوم.

تمر في الطريق منطلقا من الشمال لتقل الصديق خليل غرة من قرية جت، الذي يدرس في الجامعة العبرية والذي سيساعدك في بعض الارشادات ووتعريفي على الأشخاص الذين سأحدثهم، بعد أن اخبرك في محادثة سابقة عن وجع هذه المدينة وعن غضبها الوارد انفجاره في اي لحظة. قبل أن نخرج  من بيت خليل تودّعه أمه وتقول له "دير بالك ع حالك"، وهي نفس الجملة التي سمعتها من والدتي قبل أن أغادر،  وكأنه مشهد متكرر او كما قال خليل مازحا "كل الإميات ماخذات نفس الكورس"، نضحك قليلا على خوف امهاتنا الدائم ونمضي نحو القدس.

في الطريق نتبادل آخر الأخبار عن القدس من مواجهات أخيرة واعتقالات طالت النساء والأطفال، وسياسة الشرطة والبلدية القامعة بشكل قلّ نظيره ولا نراه في اي مكان آخر، للقدس خصوصية هذا الصراع تُلخص كل صراعنا مع الهيمنة الصهيونية والإحتلال الاسرائيلي وسياسة المُستعمِر،  يحدثني خليل عما يعايشه في القدس كطالب اختار الا يكون كما يُراد لطلابنا العرب أن يكونوا، فالجامعة بالنسبة لخليل ورفاقه في الحركة الطلابية ليست مصنعا للشهادات كي نُعلقها على الحائط بعد التخرج، بل ميدانا مهما لبناء حياة حرة وكريمة ترفض الذل والخنوع وبناء شعب ناجح ومتعلم ومسؤول ومدرك لواقعه السياسي حاملا هموم شعبه ولا يتمترس داخل أسوار الجامعة فقط، ويرفض مشهد الانسان العربي الخائف القابل بالفتات على أرض وطنه المسلوب.

يخبرني خليل أن الشرطة اتصلت به مرتين خلال الأسبوع الأخير تطلبه للمثول الى التحقيق دون أن يخبروه حول ماذا سيحقق معه، يرفض خليل المثول بهذه الطريقة، ويخبرهم أنه لا يأتي دون ارسال استدعاء رسمي. نصل غرفته في مساكن الطلبة "رزنك" ويلاحظ أن صورة الأسير وليد دقة التي كانت بجانب الباب في الخارج غير موجودة، فيعلم أنهم اتوا الى هنا باحثين عنه.

في المساء نجلس مع الرفيقة حلا مرشود ونغوص أكثر في التحليل حول ما يجري: هل تندلع انتفاضة ثالثة؟ ماذا سنفعل فيما لو نشبت؟ هل تصل الداخل الفلسطيني؟ ماذا نفعل نحن الطلاب العرب هنا؟ كل هذه التساؤلات تترافق مع أنغام الأغاني الثورية خصوصا الشيخ إمام رفيق سهراتنا، وحديث عن نضال الأسرى وهموم الحركة الوطنية وصور كل من جورج حبش، عزمي بشارة ، أبو علي مصطفى، جمال عبد الناصر، جيفارا، ليلى خالد، احمد فؤاد نجم، ومحمد الماغوط تراقبنا في الغرفة وكأنها جالسة معنا الآن وتتحدث عن السجن والمنفى والشهادة.

اعتقال خليل
"هل أنت خليل غرة؟" قالها لي واحد من الأربعة الذين دخلوا الغرفة فجأة. يتأكدون من "الكلا" بفحص هويتي ويسألون "أين هو؟" ويشهرون بطاقاتهم الشرطية. لم يكن هنالك وقت كاف لحلا التي همت بالخروج كي تجلب بطاقة هويتها من غرفتها كي تخبر خليل الذي كان في المطبخ آنذاك بأنهم أتوا، فخليل دخل علينا في تلك  اللحظة وهو يحمل طبق "السمبوسك" المقلي فرحا. "أنت خليل غرة؟"، "أنا خليل". 


- خليل في احدى المظاهرات أمام الجامعة العبرية -

اقتادوه لغرفته، فتشوها تفتيشا دقيقا وصادروا الحواسيب والهواتف النقالة وبعض الأغراض الالكترونية واقتادوا خليل وخرجوا متوسطين رفاق خليل الذين صوروا المشهد بكاميراتهم عبر الهاتف لتوثيق الاعتداء الجديد على الحركة الطلابية في القدس والتي شهدت سلسلة ملاحقات بحق نشطائها في العام الأخير. بدا واضحا خوف الشرطة عندما رأوا هذا التجمهر أمام غرفة خليل مما دفع أحد رجال الشرطة إلى جلب بندقيته من السيارة خلال التفتيش.

ندخل قاعة المحكمة في الصباح، وأول ما تراه هو عينا أم خليل، لتتأكد أننا لا نُدرك في بعض الأحيان مدى قلق الأهل علينا وحبهم لنا. تُقرر القاضية الإفراج عن خليل دون اية شروط، ليتضح أن الشرطة حاولت تلفيق ملف لخليل بسبب «ستاتوس» كتبه على الفيسبوك في احدى المجموعات يعبر من خلاله عن رفضه لمظاهر التجنيد للجيش الإسرائيلي في صفوف المواطنين العرب بإسرائيل.

التهمة جديدة - قديمة
تهمة خليل الحقيقية كانت والتي تخيفهم أنه له دور فاعل في الحركة الطلابية في القدس، فالمؤسسة الاسرائيلية مع كل مظهر من مظاهر الاحتجاج حتى لو كان سلميا ومرخصا، على أنه خطر يهدد العاصمة الأبدية لدولة اليهود، فأزعجهم صوت الحركة الطلابية وحاولون اسكاته، لكن كان الرد كان سريعا، بعد يوم واحد على الإفراج عن خليل، كان هنالك أكثر من مائة طالب عربي في الجامعة العبرية يعتصمون داخل الحرم الجامعي دعما للأسرى وضد الملاحقة المخابراتية.. كان الرد سريعا وقويا خصوصا وأن وجوها جديدة شاركت في الفعالية التي بادر لها التجمع الطلابي الديمقراطي ونظمتها الكتل الطلابية العربية.

اعتقدت  لوهلة أن القضية انتهت هنا، وعُدت أُحضر من جديد مشروعي الصحفي لهذا الأسبوع على ضوء المعطيات الجديدة: لا أملك كاميرا ولا حاسوب، والشرطة ترفض الإفراج عنهما. أتوجه لمحطة الشرطة في أول شارع صلاح الدين في البلدة القديمة كي أستعيدهما فيعيدون الكاميرا أما الحاسوب فهو مطابق للون ونوع حاسوب خليل، ولا يستطيعون معرفة اي منهم لي حتى لو قلنا لهم نحن ذلك، او حاولنا اثبات ذلك بشتى الطرق، فكما يعلم الجميع الشرطة في القدس تتصرف حسب القانون دائما، قانون يسمح بإعتقال غالبية أطفال سلوان، قانون يخطف النساء باستخدام المستعربات، قانون يدفع الكلاب المدربة بالهجوم على الناس ومزودة بكاميرات خاصة، قانون يراقب كل حركة داخل البلدة القديمة، وقانون لشق بيت صفافا من خلال شارع أربعة، وقانون يهدد مئات العائلات المقدسية بالعيش بالعراء وبالتهجير وسحب الهويات والبناء على المقابر الإسلامية والاعتداء على المقدسي من قبل المتطرفين دون اي محاسبة.. والقائمة تطول، ألا تريدون منهم أن يطبقوا القانون أيضا على حاسوب نقال لصحفي..؟!

وطبعا لا ننسى «القانون» الذي يتجاوز كل السلطات، حتى سلطة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي نفسه( الذي لم ينفِ تعذيب الأسير الشهيد عرفات جرادات خلال استجواب النائب جمال زحالقة له في الكنيست يوم الأربعاء)، هذا «القانون» هو سلطة «الشاباك»، وبكلمات أخرى: "شاباك له دولة".

جولة ثانية
لم يكتفوا بجولتهم الأولى فأعادوا الكرّة مرة أخرى، هذه المرة ضد الطالب مجد حمدان من قرية الرينة، والناشط في التجمع الطلابي الديمقراطي في داخل الجامعة العبرية والناشط أيضا في الفعاليات والإحتجاجت الأسبوعية في القدس. يتصلون إليه  من رقم سري ولا يجيبهم، فيتصلون على غادة زحالقة واسامة أبو عصبة وينقلون التهديد باعتقال مجد من مساكن الطلبة إذا لم يمتثل للتحقيق.

يرفض مجد أن ينام في غرفة غير غرفته أو أن يبقى أحدا معه، يتصرف بشكل عادي وطبيعي فهو واثق من نشاطه وخطه، وفي اليوم التالي (أمس) يتصلون مجددا على غادة ويهددونها هي نفسها بأنها إذا لم تتعاون معهم وتخبر مجد رسالهم فسوف يعتقلونها من الحرم الجامعي. يتصل المحامي علاء محاجنة الذي وقف الى جانب الحركة الطلابية في المحاكم في العام الأخير، بمحطة الشرطة "شاليم" في صلاح الدين ليستفسر ان كان هنالك دعوة لتحقيق بحق مجد، فيقولون له لا يوجد! وأنه كان هنالك خطأ ما.

الجولة الثانية أيضا لم تخف كادر التجمع الطلابي الذين يسطّرون تاريخا مشرفا للحركة الطلابية الفلسطينية وللعمل الطلابي عامة، من خلال نشاطاتهم الناجحة في العام الأخير، ومن خلال مجموعة الطلاب المتزايدة يوما بعد يوم التي تريد الانضمام للتجمع الطلابي أو بالأحرى الى هذا المشروع المتحدي والمعتز بهويته وحامل قضايا شعبه وملتحم مع آلامه وآماله.

لم يتسنّ لي الذهاب الى العيسوية بسبب الأحداث غير المتوقعة هذا الأسبوع والمتسارعة والتي من الممكن أن تزداد او قد تخبو، لكن زيارة نشطاء الحركة الطلابية في الجامعة العبرية بالقدس تكفي لكي تدرك أن شعار المرحلة هو "القدس في خطر" و "أهل القدس في خطر"، كما انه من المؤكد أنني سأعود في أقرب فرصة كي أكتب قصص معاناة أهل القدس، ومعايشة زمن  الشباب الثائر وزمن الحركة الطلابية.


- في أول يوم من بداية الفصل الثاني: الطلاب العرب يقفون مع الأسرى -
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018