المخدرات في المجتمع العربي: انتشارها يزداد وأعمار المستخدمين تقل

المخدرات في المجتمع العربي: انتشارها يزداد وأعمار المستخدمين تقل
(pixabay)

تحولت حياة الشاب عبد بين عشية وضحاها إلى جحيم يزداد لهيبه يوما بعد الآخر بعدما أصبح مدمنًا على المُخدرات. عيناه الداكنتان، كانتا تجسدان التعاسة في حياة تحولت إلى خليط من الذنب والألم والنشوة والضياع.

كان يسند عبد جَبينه بكف يده، سارحًا في أفق بعيد وكأنه يعيش في عالم آخر، يستدعي من مآسي ذاكرته إلى ذهنه مشهدا مشهدا وصورة صورة، معظمها كئيب، حين أصبح يخجل من نفسهِ أمام زوجته وأولاده، بينما كان يسعى لتأمين جرعة مخدر، ليحرم أولاده من لقمة تسكت قرقرة بطونهم.

ويقول عبد بعصبية واضحة خلال حديثه لـ'عرب 48'، موجها رسالة شديدة اللهجة إلى تُجار المخدرات، 'اتقوا الله فينا يا تجار المخدرات، واعلموا أن أولادكم وبناتكم هم من سيدفع ثمن أعمالكم، إن لم تكفوا عن تدمير العائلات، أنتم تهدمون المجتمع، انتظروا حتى ترون ذلك على أجسادكم'.

المخدرات متاحة للجميع

لا يقتصر تعاطي المخدرات على شريحة معيّنة، كما عهدنا في السابق، إذ كانت الشريحة الأكثر عرضة للدخول في عالم المخدرات والإدمان هي التي تعاني من الفقر والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. لكن مع انتشار السموم والمخدرات بصورة كبيرة خصوصًا في المجتمع العربي، أصبح الولوج إلى عالم المخدرات متاحا للجميع وظروفه مهيأة، ولم يعد الشباب والفتيات القصر، تحت سن الـ18، وطلاب جامعات، وشباب من بيئة اقتصادية جيدة، استثناء في آفة التعاطي.

وقال مصدر من سلطة مكافحة المخدرات لـ'عرب 48'، إن المجتمع العربي يشهد ازديادًا حادًا في عدد حالات الإدمان على المخدرات، لا سيما المخدرات المصنعة كيميائيا والتي تعد خطرة جدا على متعاطيها والتي تنتشر في أوساط الشباب بعدة أسماء وأشكال منها ما يعرف بالـ'نايس غاي' والـ'جوكر' والعديد من الأنواع الأخرى.

المخدرات تهدم الإنسان

وقال مدير مركز الفطام في مدينة الطيبة، إيهاب يحيى، إن 'تأثير السموم والمخدرات، سلبي على جسم الإنسان، من الناحية العلمية هنالك أنواع من السموم تستخدم في العلاج الطبي، وهنالك سموم تستخدم لأغراض تجارية. وتقسم السموم إلى عدة أنواع، هنالك سموم مكونة من الأعشاب والنباتات الطبيعية، وهناك سموم نصف طبيعية، نصفها مكون من النباتات والنصف الآخر من مواد كيميائية مدموجة، وهناك أنواع سموم ومخدرات المصنّعة كميائيا والتي تنتشر كثيرا بين الشباب'.

وتابع: 'المخدرات المنتشرة اليوم ليست كالمخدرات التي كانت رائجة في سنوات العقود الماضية، السموم الأكثر انتشارا اليوم مصنعة من مواد كيميائية، وهي عبارة عن خليط من الأعشاب والمواد الكيميائية الخطيرة جدا على الجسم، وعلى الحالة المزاجية للمتعاطي، فقد تدمر المتعاطي من الجرعة الأولى'.

وتحدث يحيى عن السموم الكيميائية قائلا: إنها 'منتشرة في عدة أنواع وأشكال، مثل: 'نايس غاي'، 'جوكر'، 'سبايس' و'الهايدرو' وكلها أسماء مستعارة وتجارية تهدف إلى تسويقها بين الشباب، ويعود انتشارها إلى سهولة تصنيعها دون رقابة، وتتميز بأضرارها غير القابلة للحصر'.

سهولة الحصول على المخدرات

وأشار يحيى إلى أن الإحصائيات تؤكد أن 9% من المجتمع العربي يتعاطى المخدرات، إلا أنه يضيف، 'أنا شخصيا أقول إن الإحصائيات ليست دقيقة، نرى اليوم أن نسبة التعاطي تتزايد، وبالأخص في صفوف الشباب والطلاب'. وعن تجربته الشخصية ذكر، 'نظمت الكثير من المحاضرات في المدارس عن مخاطر المخدرات، وتفاجأت كثيرا من مدى معرفة الطلاب في أنواع السموم الموجودة، وأماكن بيعها وكيفية تعاطيها'.

وتابع يحيى أنّ 'البيئة المحيطة تجعل أبنائنا منكشفين ومنفتحين جدا على كل ما يتعلق بموضوع المخدرات، بتنا نستقبل في المركز حالات لم نكن نتوقع أنها سوف تصل إلينا في يوم من الأيام، على سبيل المثال، شباب في سن الـ13 وما فوق يتعاطون المخدرات، وشباب في الجامعات، وشباب وضعهم الاقتصادي جيد، وآخرون من عائلات مرموقة في المجتمع، وأهاليهم أصحاب مناصب ووظائف عليا'، التصور القائم للمدمن والمتعاطي الكلاسيكي لم يعد دقيقا.

وأضاف أنّ 'المشكلة في الجيل الصغير، في بداية إدمانهم على المخدرات، عدم تقبلهم لفكرة الاعتراف بالإدمان ما قد يقود إلى مباشرة العلاج، نحن نواجه صعوبة معهم، كثير منهم يتعالج لفترة قصيرة ومن ثم يترك العلاج'.

ونوه يحيى، أن 'تعاطي المخدرات هو هروب من واقع معين ومن مشاكل معينة، ويجب علينا أن نرشد الشباب كيف يتعاملون مع الواقع ومع تلك المشاكل، وألا ينجروا إلى عالم التعاطي المخدرات'.

التعاطي الإيجابي بالاعلام شرعت استعمال السموم

وعن نظرة الشباب للمخدرات قال يحيى: 'الموجة الإعلامية والسياسية التي حصلت في الآونة الأخيرة في البلاد، من خلال تشريع بعض أنواع المخدرات، تؤثر في نظرة الشباب للمخدرات وتعطيهم تشريعا لتعاطيها'.

وتابع أن 'انتشار المقاهي في المجتمع العربي يؤثر سلبا، ويعطي موافقة ضمنية من الأهل للأبناء على التدخين، والكثير من الشباب بدأت بتدخين النرجيلة ومن ثم تدرجت شيئا فشيء إلى عالم السموم والمخدرات'.

وتطرق يحيى إلى سهولة الحصول على المخدرات في المجتمع العربي وقال: 'هنالك سهولة كبيرة في الحصول على المخدرات، لدرجة أن السموم أصبحت تصل إلى البيوت كما تصل طلبيات الطعام، وقسم منها يباع في دكاكين بحارات وأزقة المدن والقرى العربية'.

وعن الصعوبات والتحديات، أكد يحيى أن 'الشباب العرب لا يستقيمون في العلاج ونفسهم قصير، وذلك نتيجة إلى العقلية السائدة في المجتمع العربي. العائلة تحتضن ابنها، كما هو معلوم في مجتمعنا، مهما كانت حالته، والتعامل العاطفي مع المتعاطين يضر في العلاج، هذا بالإضافة إلى عدم الاعتراف بالمشاكل التي تواجه المتعاطي، منها عدم مواجهة الحقيقة والاعتراف بها إذ لا يصنفون أنفسهم كمدمنين. كما أن السلطات المحلية العربية التي تفتقر للأطر العلاجية الراعية لهذه الشريحة'.

وعن تعامل الشرطة، قال يحيى لا نستطيع إلا أن 'نلقي اللوم على الشرطة، هناك تقصير يتمثل بسهولة الحصول على المخدرات والذي يدل على عدم تكثيف الجهود في محاربة ظاهرة انتشار تجارة المخدرات، يجب على الشرطة أن تكثف العمل من أجل الوصول إلى جميع بؤر تجار المخدرات، ولا نعفي المواطنين والسلطات المحلية من المسؤولية، الذين، بدورهم، يغضون أبصارهم عن هذه الظاهرة'.

صرخات الأمهات... نسمعها كل يوم

وعن الحلول المتاحة لمحاربة انتشار تعاطي المخدرات، قال يحيى: 'يجب أن تكون هناك فعاليات تقدم للشباب الأدوات اللازمة لمواجهة المشاكل والضغوطات الحياتية، وكيفية الابتعاد عن أصدقاء السوء الذين يعتبرون العامل الأخطر الذي يدفع الشباب للدخول إلى عالم المخدرات، وكيفية الامتناع عن التعاطي والسيطرة على الرغبات'.

وخلص بالقول: 'تؤلمني جدا مآسي وصرخات الأمهات التي نسمعها بصورة يومية، أمهات تدفع دم قلبها لمستقبل ابنها وفجأة تكتشف أنه مدمن على المخدرات، حالات كثير منتشرة، لا يوجد كلمات تصف الشعور الذي ينتابك عندما تستمع لإحدى هذه الحالات، وأن ترى وتطلع على هذا القدر الهائل من المعاناة التي يعيشها الأهالي. هناك من وصل به الأمر إلى أن يبيع ذهب زوجته وحليب أطفاله من أجل الحصول على جرعة مخدر، وحالات أخرى وصلت إلى المستشفيات وهي تعاني من أمراض نفسية وعصبية جراء المخدرات المصنعة التي اعتادوا على تعاطيها'.

السموم هدمتني

ويشرح عبد (52 عاما) المتزوج والأب لـ3 أولاد، لـ'عرب 48' الطريق التي سلكها وأوقعت به في درك الإدمان على المخدرات، 'كان دخولي عالم المخدرات من بوابة تدخين السجائر، ثم انتقلت إلى الحشيش ثم إلى السموم المصنّعة كالـ'نايس غاي' والتي تقتل خلايا العقل بصورة خطيرة'.

وتابع عبد: 'لا زلت أذكر أول جرعة تعاطيتها في حياتي، سعادة لا توصف، شعرت أنني أملك العالم، هكذا هو السموم في البداية، لكني لم أدرك حينها أنني في طريقي نحو الإدمان'.

وأضاف: 'في إحدى الأيام تعاطيت المخدرات بجرعات كبيرة، فقدت وعيي ونمت على يدي اليمنى على أحد الأرصفة في البلدة، التف الناس من حوليّ، كان منهم من يعرفني، لم أدرك في البداية ما الذي يحدث، لكن بعدما أوصلوني إلى البيت واستفقت من الغيبوبة، تذكرت ما حل بي، وكنت محرجًا جدًا من هذا الإذلال الذي حل بي، خاصة وأنني دخلت إلى البيت، حينها، أمام أولادي وزوجتي، شعرت بالإحراج، نظر أولادي نحوي باحتقار، هنا تمنيت أن تنتهي حياتي'.

واسترسل عبد: 'كنت أغضب من كل شيء وبسرعة، لا أستطيع التحكم بأعصابي، صرت أتساءل ما الذي يحصل لي، كانوا يخبروني أن كل هذا من السموم. كانت السموم تعزلني عن الحياة الطبيعية، كنت أكرّس حياتي فقط للسموم، لم أشعر أني كباقي البشر، وكان ذلك يدفعني إلى السرقة... صنعت المستحيل من أجل توفير وجبة السموم'.

وقال عبد: 'تعاطيت مخدر 'النايس غاي' كاد الأمر يصل بي إلى حد الموت. الحصول على السموم في المجتمع العربي سهل جدا، وبالأخص السموم المصنعة، فهي منتشرة ومتاحة للجميع'.

ووجه عبد نصيحة إلى الشباب، أن 'ابتعدوا عن الأماكن المشبوهة لأن الوضع اليوم في المجتمع العربي يزداد سوءا، حتى لو جرب أحدكم المخدرات، وبدأ يتعاطى على سبيل التجربة والمعرفة بالشيء، لا تيأسوا ولا تخجلوا وباشروا في العلاج'.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية