طريقُ العائدين إلى بيوتهم من أهالي الرقّة مليئة بالألغام

طريقُ العائدين إلى بيوتهم من أهالي الرقّة مليئة بالألغام
توضيحية من الأرشيف

تحرّرت الرقة من قبضة "داعش" هذا ما أعلنه التحالف الدولي بقيادة واشنطن في تشرين الثاني من عام 2017. وراح الأهالي المهجّرون يعودون إليها، وكلّهم أمل باستعادة حياتهم الماضية فيها.

بعد نحو سبعة أشهر على طرد تنظيم داعش من مدينة الرقة السورية، على أثر أسابيع من العمليات العسكرية التي حوّلت أجزاءً كبيرة من المدينة إلى ركام علقت وسطه عشرات الجثث، ما زالت الألغام والعبوات الناسفة والمفخخات المختلفة تتوزّع في عددٍ من المساحات. في ظل هذا الواقع، عاد أكثر من 40 في المائة من أهل الرقة إليها، بعدما كانت قد خلت من سكانها، ليواجهوا صعوبات كثيرة في حين يعيدون الحياة إلى مدينتهم.

لم يحتمل ابن الرقة الخمسيني أبو عمر العيش في مخيّمات النزوح أكثر، فكان من أوائل الذين عادوا إلى مدينته. هناك، وجد منزله مدمّرا جزئيا، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد". يضيف: "من منزلي المؤلّف من 10 غرف موزّعة على طبقتَين، استصلحت غرفتَين في الطبقة السفلية لأعيش فيهما مع زوجتي وأبنائي، وأحدهم متزوّج ولدَيه طفلان. لكنّ الأمر والحمد لله يبقى أفضل بألف مرّة من العيش في خيمة". ويتابع أبو عمر: "نعيش هنا على الرغم من تردّي الخدمات، فالكهرباء نحصل عليها عبر اشتراك الأمبير (مولدات الكهرباء الخاصة) والمياه عبر الصهاريج. أمّا شبكة الصرف الصحي فمدمّرة في مناطق كثيرة، ما يجعل الناس يعتمدون على طرق بدائية". ويلفت إلى أنّ "الخبز والمواد الغذائية متوفّرة، لكنّ تردي وضعنا المادي يجعل الحصول على ما تحتاجه العائلة أمرا غير يسير".

قلق وتضييق
من جهتها، تبدو أم قصي الثلاثينية التي عادت مع عائلتها إلى الرقة قبل أسابيع، قلقة على أطفالها من اللعب في البيوت المدمرة والتجوّل في الحيّ. وتوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "ثمّة منازلَ كثيرة مدمرة وشوارع تحتوي على ألغام وعبوات مفخخة، وقد قُتل عدد من الأهالي من جرّاء تلك الألغام والمفخخات". إلى ذلك، تقول: "كأننا نعيش في كوم من الرمال، فالغبار ينتشر في الأجواء مع أولى الرياح التي تهبّ، في حين أنّ عمليات لترحيل الأنقاض تجري في مكان قريب منّا".

أمّا محمد وهو ثلاثيني، فيقف أمام منزله في الرقة ويتفقد الدمار الكبير الذي لحق به، قائلا: "لا مجال لإصلاحه أو حتى استصلاح غرفة واحدة منه". يضيف لـ"العربي الجديد" بسخط واضح: "دمّروا البلد ووعدونا بتعويض وبإعادة إعمار، وحتى اليوم لم نرَ شيئاً. أينما ذهبنا نرى دمارا ونشمّ رائحة جثث متفسخة تحت الأنقاض". ويقاطع أبو ياسين السبعيني محمد قائلا لـ"العربي الجديد": "أمس، وصلنا إلى الرقة. المنزل شبه مدمّر وفي حاجة إلى ترميم، وأنا لا أملك المال. أنا في حاجة إلى من يساعدني في ترميم المنزل، وإلى تخفيض سعر الخبز وإصلاح الشوارع. كذلك نريد كهرباء وماءً".

إلى ذلك، يشكو جابر العشريني من "التضييق"، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد". ويوضح أنّ "قوات سورية الديمقراطية تراقب صالات الإنترنت وتعتقل كل شخص ينتقدها أو ينقل ما يحدث في المدينة، الأمر الذي يجعلنا نعيش بتخوف دائم من أن نتلفظ بكلمة قد تثير حفيظتها". يضيف جابر: "أشعر بأنني مراقب بصورة دائمة. وكلّ الوعود التي قدّمت للأهالي لم نرَ منها شيئا حتى اليوم، في حين أنّه لا تتوفّر فرص عمل ولا دراسة".

الوضع ليس بهذا السوء
في المقابل، لا يرى المصوّر الصحافي عبود حمام الوضع بهذا السوء. وحمام ابن الرقّة والمقيم فيها، صار أحد المصادر الرئيسية لنقل ما يحدث من داخل مدينته، وذلك عبر ما ينشره من صور على صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك" وكذلك في عدد من وسائل الإعلام. يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "المواد الغذائية متوفّرة في الرقة. وفي ما يخصّ الخبز، ثمّة أفران عدّة منتجة للخبز السياحي. أمّا المياه، فتوزَّع في بعض الأحياء من خلال صهاريج المجلس المدني، في حين أنّ هذه الخدمة لا تغطّي أحياء أخرى". ويتحدّث حمام عن "مستوصفَين تابعَين لمنظمة أطباء بلا حدود عند أطراف المدينة، في حين فُتح مستشفيان خاصّان بالتزامن مع عودة عدد من الأطباء إلى المدينة. كذلك، فتحت مدارس عدّة".

ويلفت حمام إلى أنّ "الغبار وبقاء طرقات عدّة مغلقة بسبب ركام المباني المدمّرة هما من الصعوبات التي يعاني منها الأهالي يوميا. كذلك، وعلى الرغم من التآلف والتقارب بين الأهالي، فإنّه لا يتوفّر أيّ نشاط اجتماعي في المدينة بسبب انشغال الناس بهمومهم الحياتية اليومية". إلى ذلك، ينتقد "الوتيرة البطيئة لانتشال الجثث من تحت الأنقاض. ثمّة جثث كثيرة ما زالت مطمورة تحت الأبنية المدمّرة، في حين أنّ الألغام ما زالت منتشرة. ونحن كنّا ظننا أنّها لم تعد موجودة، غير أنّنا نسمع انفجار لغم هنا أو هناك".

من جهته، يقول أحد أبناء الرقة الذي يعمل في أحد مواقع الأخبار المحلية، وقد طلب عدم الكشف عن هويته لـ"العربي الجديد"، إنّ "كثيرين رجعوا إلى الرقة، لكن وسط غياب إعادة الإعمار. والعائلات تحاول اليوم إصلاح ما تبقى من منازلها، فهذه ترمم جدارا وتلك سقفا وثالثة نوافذ وبابا، وكلّ ذلك بجهود ذاتية ومن دون أيّ دعم". ويذكر أنّ "المجلس المدني التابع لمجلس سورية الديمقراطية أصدر قرارا يقضي باستصدار ترخيص للترميم ودفع مبالغ مالية مقابل ذلك".

يضيف ابن الرقة نفسه أنّ "ثمّة محلات تجارية وأفران خبز خاصة جرى فتحها، في حين أنّ الأسعار مرتفعة بسبب قلة البضائع التي تأتي من مناطق سيطرة النظام. ومن المتوقع أن تنخفض الأسعار مع اقتراب فصل الصيف وموسم الخضار في ريف المدينة". ويلفت إلى أنّ "النظام يستعد لفتح كل مؤسساته في المدينة، وقد أصدر المحافظ تعميما يطلب فيه من الموظفين العودة إلى المدينة". إلى ذلك، يوضح أنّ "القسم الأكبر من الأهالي ما زال في تركيا وفي عدد من المخيمات، وهؤلاء ليس لديهم أمكنة يعودون إليها. كذلك، فإنّ الكهرباء والماء والصرف الصحي غير متوفّرة في المدينة، وكلّ هذا يتسبّب في ضغوط كبيرة على الذين عادوا والذين لا يجدون فرص عمل". بالنسبة إليه، فإنّ "الدافع الأكبر للعودة هو تعب السوريين عموما من النزوح وإصرارهم على التمسك بأرضهم وبيوتهم.

عودة يومية
في السياق، يقول مسؤول الإعلام في مجلس مدينة الرقة المدني مصطفى العبد لـ"العربي الجديد"، إنّ "الأهالي يعودون بصورة يومية إلى المدينة المدمرة بشكل شبه كامل، وثمّة حركة تجارية لكنّها ما زالت ضعيفة". يضيف أنّ "المدارس تأمّنت في الريف وغطّته بصورة تامة، في حين أنّ المدارس غير المدمّرة في المدينة أعيد فتحها وعددها نحو 29 مدرسة، وهي تحت إشراف لجنة التربية والتعليم في المجلس. كذلك، ثمّة جهود لترميم المدارس المدمّرة جزئيا، في حين أنّ العدد الأكبر هو مدمّر كليا".

وعن الألغام ونزعها، يوضح العبد أنّ "هذه المهمة هي من مسؤوليات لجنة إعادة الإعمار في المجلس التي يدعمها التحالف الدولي. وقد جرى فتح الشوارع الرئيسية ونزع الألغام منها، وثمّة خطة جديدة تشمل الطرقات الفرعية الباقية". ويشير في سياق متصل إلى أنّ "الأهالي يرمّمون منازلهم بأنفسهم في غياب الجهات الداعمة، وهؤلاء يعملون في الزراعة وتربية الأغنام والتجارة"، نافيا "فرض أيّ رسوم على الراغبين بترميم منازلهم". يضيف أنّ "المجلس يسرع في المعاملات ويساعد في إزالة الأنقاض وعلى نفقته". ويذكر أن "لجنة الخدمات والبلديات تعمل على إعادة شبكات الكهرباء والماء إلى المدينة، لكنّ العمل في شبكة الصرف الصحي سوف يتأخّر بسبب الدمار".

من جهة أخرى، يوضح العبد أنّ "الحياة الاجتماعية معدومة بعد غياب الشمس، بسبب الواقع الذي تعرفه المدينة اليوم، فلا زيارات ولا سهرات تجمع الأهالي وكل عائلة تلزم بيتها. وتحتاج العائلة بالحدّ الأدنى إلى 200 دولار أميركي لتأمين احتياجاتها الأساسية".

وعن عملية انتشال الجثث، يؤكد أنّها "مستمرة، وقد فاق عدد المنتشلة منها 200 جثة، وبحسب المتوقع فإنّ هذا العدد هو نصف عدد الجثث التي ما زالت تحت الأنقاض". ويتابع أنّ "أهل الرقة يحتاجون إلى العيش كسواهم من البشر، وأن تُسرّع عملية انتشال الجثث، لا سيّما مع اقتراب فصل الصيف، بالإضافة إلى إنشاء شبكة صرف صحي. لكنّ الدعم ما زال ضعيفا".