دراسة: السجن لا يساهم بتقليل العنف!

دراسة: السجن لا يساهم بتقليل العنف!
توضيحية (Pixabay)

كشفت دراسة حديثة أنّ عقوبات السّجن لا تساهم في التّخفيف من معدلات جرائم العنف، مفنّدةً بهذه النتيجة الاعتقاد المؤسّس لفكرة السّجون، والّذي يرى أنّ تقييد حرّيّة الأشخاص بسجنهم بعد الإدانات بالجرائم الجنائية يزيل فرص السلوك الإجرامي، أو يوفّر فرصة لإعادة التأهيل، ويردع الأشخاص عن التفكير بارتكاب الجرائم عبر تهديد مبطن بعقوبة السّجن.

واعتمدت الدراسة المنشورة في العدد الأخير من مجلّة "نيتشر هيومان بيهيفيور"، على عينة بلغت 111.110 أشخاص من ولاية "ميشيغان" الأميركية، ممن تمت إدانتهم في جرائم جنائية في الفترة من 2003 وحتى 2006، حيث تمّت المقارنة بين معدلات الجرائم العنيفة التي يرتكبها المحكوم عليهم بالسجن مع المحكوم عليهم بقضاء فترات مراقبة خارج السجن من خلال تتبُّع ما قام به المشاركون من عينة البحث في عام 2015.

(Pixabay)

ووفق نتائج الدّراسة، فإنّ قضاء عقوبة السّجن لم يساهم في ردع المسجونين من ارتكاب الجرائم لاحقًا، إذ استمرّ المجرمون في ارتكاب الجرائم بعد الإفراج عنهم، بنفس معدّل من قضوا عقوبة المراقبة خارج السجن.

كذلك تبيّن النّتائج أنّ قضاء أشخاص غير مدانين بارتكاب جرائم عنف لعقوبة السجن زاد من احتمالات عودتهم إلى السجن بنسبة 20% في غضون 5 سنوات فقط من إطلاق سراحهم، وهي النسبة التي بلغت 15% بالنسبة للسجناء الذين قضوا عقوبة السجن لارتكابهم جرائم عنف.

مناقشة الفرضيّة المؤسّسة لفكرة السّجن

ووفق ما نقلته مجلّة "ساينتفيك أميركان" العلميّة عن رئيس قسم العلوم الاجتماعية بجامعة كاليفورنيا بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية، والباحث الأول في الدراسة، ديفيد هاردينج، فإنّ الدراسة تناقش فرضية ما إذا كان السجن سيزيد العنف في المجتمع أو يقلله.

وتعتمد مناقشة هذه الفرضيّة على فحص ثلاث فرضيّات تتفرّع منها، الأولى هي الفكرة القائلة بأن السجين لا يُمكنه ارتكاب أعمال عنف ضد الناس في المجتمع خلال قضائه عقوبة السجن، والثانية تشير إلى أن السجن كعقوبة تردع غير المسجونين وتجعلهم يُفكرون في نتائج ارتكابهم للعنف، أما الفكرة الثالثة فتدور حول مصطلح إعادة التأهيل من خلال حصول الأفراد على برامج علاجية تتناول الأسباب النفسية الكامنة وراء السلوك العنيف، وتحاول إصلاحها.

إلا أن نتيجة فحص الإحصائيات والبيانات أشارت إلى أنّه بدلًا من إعادة التأهيل، زاد السجن من ميل الأشخاص إلى ممارسة العنف، وبيّن الباحثون أنّه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأمراض العقلية أو يُسبب مشكلات جديدة يُمكن أن تزيد من مخاطر الانخراط في العنف، إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن الأشخاص المدانين يشعرون بعدم الثقة بأنظمة العدالة، مما يجعل علاقتهم مع القانون أكثرَ عدوانية.

(Pixabay)

إذ تشير الدراسة إلى أن الآثار الناجمة عن العنف في الولايات المتحدة الأميركية وحدها تُكلف الدولة نحو 5 مليارات دولار سنويًّا. وهناك أيضًا مجموعة من الآثار على الصحة العقلية؛ إذ يتأثر مرتكبو العنف بمجموعة من الاضطرابات النفسية الناجمة عن ذلك الفعل.

وبحسب الدّراسة، يؤدي السجن أيضًا إلى تآكل الشبكات الاجتماعية، والابتعاد عن الأهل، ويزيد من إحساس العزلة، ما يجعل المسجون ينضم بعد إطلاق سراحه إلى شبكات اجتماعية مؤيدة للجريمة ومرتكبة للعنف.

ويبيّن الباحثون في دراستهم أنّ النتائج تعني أنّ السجن لا يؤثر على احتمالية منع ارتكاب المجرمين جرائم في المستقبل بعد إطلاق سراحهم، معتبرين أنّها نتيجة صادمة.

وأثيرت مؤخرًا العديد من المناظرات حول الحد من عقوبة تقييد الحريات، والتي تُثير مخاوف بشأن سلبية آثار السجن على الصحة العقلية والبدنية، والقدرة على العمل، والرفاه الاجتماعي. بالإضافة إلى التكلفة المادية العامة الهائلة للحفاظ على مستويات الأمن في السجون. ويرغب هؤلاء الذين يدعون إلى الحد من سجن الأشخاص في استخدام عقوبات بديلة، كالخدمة العامة للمدانين بارتكاب جرائم غير عنيفة.

(Pixabay)

تطرح نتائج الدّراسة السؤال مجدّدًا: فإذا كان السجن يولِّد المزيد من العنف المستقبلي، كيف يُمكن للسلطات مُعاقبة المتهمين بالجرائم العنيفة؟

يقول هاردينج لـ"ساينتفيك أميركان" إنّه لا يعلم الطريقة التي يُمكن من خلالها معاقبة المتهمين بالعنف، لكنّه يرى أنّ مجموعةً من الإجراءات يُمكن أن تسهم في تخفيض نسبة العنف المرتكَب، مثل استهداف الأطفال وصغار الشباب ببرامج تأهيلية تمنع ممارسة العنف المنزلي، ومساعدة المراهقين والشباب الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة بوسائل سلمية تُعزِّز حل النزاعات بينهم باستخدام الحوار، كما يُمكن أيضًا وضع مجموعة من التدابير والسياسات التي تحد من الوصول إلى الأسلحة.