عانت من الإعاقة وكرست حياتها للتطوع

عانت من الإعاقة وكرست حياتها للتطوع
تغريد صالح

كرست تغريد صالح (47 عاما) من سكان مدينة الناصرة، حياتها وجهدها في التطوع من أجل الآخرين، وأكثر ما يريحها هو شعور ما بعد العطاء.

لم تترك مؤسسة أو مركز علاجي قربها إلا وطرقته من أجل التطوع والمساعدة وبذل جهد من أجل راحة الآخرين، رفضت العمل مقابل أجر، ولا تطلبه، أنشأت علاقات في كل المؤسسات حتى أصبحت عنوانا ورمزا للتطوع، لدرجة أنها تحرص منذ سنوات طويلة على التبرع بالدم كل ثلاثة أشهر... فهي كما تقول "ولدت من رحم العطاء"، وأكثر ما يثلج صدرها هو تكريمها والاحتفاء بها مقابل ما تقدمه، وتقول "لا أطلب أكثر من ذلك، فجدران بيتي مليئة بشهادات التكريم وهذا شرف عظيم لي وأجده أفضل من كثرة المال".

"عرب 48" التقى المتطوعة الأبرز في مدينة الناصرة، تغريد صالح، والتي رغم إعاقتها السمعية قررت أن تكون الأذن الصاغية لهموم أصحاب الإعاقة السمعية، والبلسم الشافي للمرضى في المستشفيات، والعين الساهرة لراحة المكفوفين.

وروت تغريد صالح لـ"عرب 48" مجريات حياتها منذ طفولتها الأولى: "بدأت دراستي ومعرفة حروفي الأولى في مدرسة راهبات الفرنسيسكان بالناصرة. كنت أحب العلم وتفوقت فيه، لكن القدر لم يترك لي مجالا لمتابعة تفوقي وتمتعي بمعرفة المزيد من العلوم. كان ذلك في سنتي الثانية من المرحلة الابتدائية، عندما أصبحت أجد صعوبة في سماع صوت المعلمة أثناء الدرس، فبدأ تحصيلي العلمي يتراجع تدريجيا، وهو ما لاحظته المعلمة أيضا، وسألتني عما إذا كنت أعاني من مشاكل في البيت أو في المدرسة فقلت لها أن سبب تراجعي هو عدم سماع صوتك وأنت تلقنينا الدرس".

وأضافت: "أثار هذا الكشف اهتمام المربية التي طلبت مني التوجه دون تأخير للفحص، وأجريت الفحوصات اللازمة، فتبين أن لدي صمم جزئي قابل للتدهور، ما اعتبره الطبيب بأنه إعاقة سمعية جزئية، وقال الطبيب إنني بحاجة إلى إجراء عملية حال بلوغي سن الثامنة عشرة، لكن وسط إصراري على إجراء العملية في وقت مبكر، أجريت لي العملية وأنا في سن الثالثة عشرة، لكنها للأسف باءت بالفشل. عانيت الكثير بسبب هذه المشكلة، وكنت أخجل من المحيطين بي والتزمت العزلة. لم أعد احتمل وضعي الصحي، كرهت التعليم وامتنعت عن الذهاب إلى المدرسة، هجرت رفاقي والمجتمع ولم أعد أخرج من البيت، حتى انتابتني حالة من الاكتئاب كادت تنهي حياتي".

أمل جديد

بعد أن انتابتها حالة من اليأس والإحباط، ظهرت في حياتها فتاة متخصصة في موضوع السكرتارية الطبية، كانت قد التقتها في إحدى العيادات أثناء مراحل علاجها، وأعربت تلك الفتاة، وتدعى حنين بيومي، عن استعدادها للتضحية بوقتها وجهدها من أجل إعادة تغريد صالح إلى الحياة والمجتمع بعد أن كانت فاقدة كل أمل.

وقالت تغريد صالح: "وقفت حنين إلى جانبي وقدمت لي المساعدة بلا حدود وبدون أي مقابل، وبدأت تساعدني في دروسي التي غابت عني طويلا، وقدمت لي كل الدعم لكي أتقبل نفسي كما أنا، مع إعاقة سمعية، وشجعتني على العلم وعلى الانخراط بالمجتمع وأخذ مكاني كإنسانة لها حيّز في المجتمع. تدريجيا بدأت أخرج من قوقعتي وأحاول أن أقنع نفسي بأنني إزاء هذا الواقع الجديد سأكون قادرة على التأقلم مع المجتمع بشكل طبيعي. دخلت المدرسة مجددا في إطار مدرسة خاصة للفتيات، ثم انتقلت إلى التعليم الليلي لمدة سنتين أنهيت خلالها تعليمي الثانوي وانطلقت لتحقيق ذاتي من جديد".

درس في الحياة

تعلمت تغريد صالح من خلال صديقتها التي انتشلتها من حالة اليأس والاكتئاب، درسا في الحياة لن تنساه أبدا، وتطرقت لهذا بالقول: "فهمت أننا حين نعزل أنفسنا فإننا نتوقف عن الحياة في حين أن الحياة لا تتوقف عندنا وستبقى سائرة، وكنت ألاحظ أن تلك الفتاة كانت سعيدة جدا بما تقدمه لي رغم أنها لا تحصل على أي مقابل، وهنا بدأت أفهم معنى العطاء، فكان الأجدر بأن أشعر بالسعادة لأنني أحصل على تعليم ومساعدة مجانية، بينما في الواقع كانت هي أكثر مني سعادة بما تقدمه من عطاء".

عندها بدأت تغريد صالح تتذوق طعم العطاء، وانطلقت في مسيرة تطوع منقطعة النظير في جميع المؤسسات والمستشفيات والجمعيات في محيطها، في مسيرة عطاء لا حدود لها.

في تلك الفترة كانت تتعلم مهنة تصفيف الشعر في أحد المعاهد المحلية، فانتابتها رغبة شديدة لتكريس حياتها من أجل الآخرين، فقررت التوقف عن التعليم والانطلاق إلى مجالات التطوع بدافع الرغبة في العطاء المجاني.

وفي هذا السياق، قالت تغريد صالح لـ"عرب 48": "أبلغ من العمر اليوم 47 عاما، ولا أبالغ إذا قلت إنني خلال مسيرتي الطويلة لم أعمل لأكثر من 6 أشهر مقابل أجر. أمضيت أكثر من 30 عاما في التطوع، بدأتها في مخيم للأطفال، مرورا بمؤسسة 'المنارة' لذوي الإعاقات البصرية، ومن ثم انتقلت إلى جمعية مكافحة السرطان، وعملت في إرشاد ذوي الإعاقات على تحصيل حقوقهم من المؤسسات الرسمية، ثم دخلت دورة لتعلم لغة الإشارة للعمل وسط ذوي الإعاقة السمعية من أجل مساعدة الذين يعانون ذات المشكلة التي أعاني منها. كنت مساعدة لزميلتي، نداء أبو آمنة، التي تدير ناديا للصم والبكم، ومنها تعلمت ممارسة لغة الإشارة وتطبيقها في محيط هذه المجموعة، وبدأت تتسع حلقة التطوع وبدأت أساعد الفتيات اللواتي يعانين من إعاقات سمعية في بيوتهن وبذلت جهودا كبيرة لكي أخرجهن من قوقعة الانزواء وخوض غمار الحياة مثل سائر أبناء المجتمع".

صدفة

انتقلت تغريد صالح للتطوع في قسم التنفس الاصطناعي في مستشفى العائلة المقدسة بالناصرة، وشاءت الأقدار أن يصاب والدها بفشل رئوي، ليرقد في القسم الذي تتطوع فيه ابنته. بقيت إلى جانب المرضى ومن بينهم والدها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، لكنها واصلت التطوع في القسم نظرا لاكتسابها المهارة وعززت شخصيتها وثقتها بنفسها.

محطة مثيرة

من بين المحطات الأكثر إثارة في حياة تغريد صالح، أنها لن تتخلى عن الأمل في أن يعود إليها سمعها، وقد خضعت لعملية زرع قوقعة، وتكللت بالنجاح وعاد إليها السمع الذي فقدته لسنوات طويلة. وازدادت حماسا لمزيد من العطاء، فهي اليوم إنسانة عادية تسمع وتتحدث وتكتب وتقرأ، ولم تتوقف عن التعلم والتطوع ليوم واحد. وعن ذلك، قالت: "أصبحت مدمنة على التطوع، لا يمر أي يوم دون أن أعطي لغيري. بعد أن تطوعت في أقسام الجراحة، والتنفس وفي غرف عمليات الولادة القيصرية، أطلقوا عليّ لقب 'دكتور توتو 'وحصلت على شهادة في الإسعافات الأولية، وظلت تتسع دائرة التطوع حيث رافقت المسنين كمضمدة إلى رحلات في البلاد والخارج، ثم انتقلت إلى كفر قرع، لأعمل وسط مجموعة من الصم بالتزامن مع مرافقة الأطفال من مرضى السرطان للتخفيف من معاناتهم بعد العلاجات الكيماوية التي يحصلون عليها".

وجرى تكريم تغريد صالح من قبل عشرات المؤسسات والمراكز الجماهيرية والمعاهد والمستشفيات ومراكز الأمومة والطفولة ومؤسسات حقوق الإنسان والصليب الأحمر الفرنسي وبلدية الناصرة عدة مرات، وكان آخر تكريم لها من نادي "الليونز" في الناصرة.

وأعربت تغريد صالح عن شعورها بالاكتفاء من التكريم أكثر من المقابل المادي، وحين تم تكريمها آخر مرة ودعيت إلى المنصة وقفت، بعزة وفخر، وقالت: "أنا تغريد صالح من مدينة الناصرة أعاني من مشكلة في السمع، لكنني فعّالة في المجتمع، لذلك أتطوع في كل مكان، وأهب جهودي لفعل الخير بإذن الله". وقوبلت كلماتها هذه بتصفيق حار كاد يزعزع أركان القاعة.