حوار | نتائج امتحان "بيزا"... بين الهوية والانتماء

حوار | نتائج امتحان "بيزا"... بين الهوية والانتماء
توضيحية

لم تفاجئ نتائج الامتحان الدولي لتقييم الطلبة (بيزا) للعام 2018 رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي المنبثقة عن لجنة المتابعة، د. شرف حسان، وقال لـ"عرب 48" إن "هذه النتائج أكدت عمق الفجوة بين الطلاب العرب واليهود كما كان متوقعا ولم تفاجئنا. كنا قد أرسلنا للوزارة كتابا بيّنا فيه الحاجات الماسة للإصلاح الجذري في جهاز التعليم العربي".

وكانت نتائج الامتحان الدولي لتقييم الطلبة (بيزا) للعام 2018 قد أظهرت فجوة عميقة بين الطلاب العرب واليهود لصالح الطلاب اليهود، إذ انخفض تحصيل الطلاب العرب في لغة الأم 144 نقطة، وفي الرياضيات 111 نقطة، أما في العلوم فانخفض تحصيل الطلاب العرب 114 نقطة عن الطلاب اليهود، وفي حين بلغ الطلاب اليهود معدل 506 في لغة الأم، ما يعني تفوق الطلاب اليهود على المعدل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وهو 487 نقطة، انخفض معدل الطلاب العرب البالغ 362 في لغة الأم عن معدل الدول النامية بـ108 نقاط.

شرف حسان (أرشيف "عرب 48")

تراجع مستمر

وعن أسباب التراجع عن الامتحان السابق، قال رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي: "نحن نتحدث عن تراجع مستمر وازدياد تعميق الفجوة منذ 15 عاما. هناك مشاكل كبيرة في التعليم العربي لم تعالج بشكل جذري من قبل وزارة التربية والتعليم، ومن الطبيعي عندما لا تعالج هذه المشاكل فإن التراجع يصبح أمرًا طبيعيًا، وكنا كتبنا ورقة عمل عن تحديات التعليم وعمق الفجوة بين التعليم العربي واليهودي".

"عرب 48": تتحدث عن مشاكل أشرتم إليها، ما هي؟

حسان: هناك 3 مشاكل تتفرع منها مواضيع فردية. أولا، ما يتعلق بالاستثمار فهناك فجوة كبيرة بين جهازي التعليم العربي والتعليم اليهودي قدرها مبالغ كبيرة نراها في مستوى الصرف على الطالب اليهودي والعربي، وتصل هذه الفجوة في المراحل الثانوية إلى ما يقارب 19 ألف شيكل لصالح الطالب اليهودي. نحن نتحدث عن فئة المستوى الاجتماعي الضعيف. ثانيا، النقص الحاد في عدد الغرف الدراسية في جهاز التعليم العربي. نتحدث عن نقص 1,200 غرفة تدريس في النقب لوحده. ثالثا، نقص في ساعات التدريس، هناك نقص 140 ألف ساعة تدريس في التعليم العربي عن مثيله في التعليم العبري. أضف إلى ذلك الفجوة بين الموارد البشرية للطاقم، فالاستثمار في تأهيل المعلمين والإرشاد في التعليم اليهودي أعلى بكثير عنه بجهاز التعليم العربي. وما لا يقل أهمية عن كل ما سبق أن مناهج التعليم العربي لا تلبي احتياجات الطالب العربي بشكل خاص في كل ما يتعلق بالتربية على الهوية والانتماء. هناك تجاهل تام لانتمائنا وهويتنا، وهذا كله كنا قد أشرنا إليه، وهو ما يؤدي إلى حالة اغتراب لدى الطالب العربي.

"عرب 48": لربما يقول البعض إن عدم التربية على حب الانتماء يمكن أن يؤثر سلبا على التحصيل في لغة الأم، فكيف من الممكن أن يؤثر على التحصيل بالعلوم والرياضيات مثلا؟

حسان: لغة الأم هي المفتاح لكل مواضيع التعليم. القضية ليست مجرد لغة الأم وإنما التربية على الانتماء والهوية، وهي عمليا روح المدرسة، بمعنى أن يكون للطالب رسالة خدمة مجتمعه، فالتربية أثناء التعليم متعلقة بكل مركبات الهوية، ولدى الطالب اليهودي هناك تربية على القيم اليهودية وهي تدخل في كل مجال، أما في التعليم العربي فتتحول العملية إلى مصنع للعلامات، بغياب قضايا الانتماء والهوية، ويتركز بشكل كامل في قضية التحصيل العلمي.

"عرب 48" أسألك كأب لديه أبناء في المدارس، عندما نلاحظ أن المدارس العربية تتجاهل تعليمات الوزارة فيما أشرت إليه "مصنع العلامات" وكثافة الامتحانات، ألا يدل هذا على إشكال ما في مدارسنا؟

حسان: هناك فجوة كبيرة ما بين ما تعلن عنه الوزارة وبين التطبيق على أرض الواقع. ليس صدفة أن تركز الوزارة على 5 وحدات في المواضيع العلمية، ونرى أن هناك تركيزا على التطبيق في المدارس اليهودية، أما في مجتمعنا العربي وبغياب التربية على الهوية والانتماء يحدث فراغا وهذا الفراغ يُملأ من خلال التركيز أكثر على التحصيل، ونحن نتحدث عن مكانة التعليم العربي في الوزارة، فليس هناك تعليم عربي في وزارة التربية والتعليم وإنما تعليم للعرب، فالتعليم العربي لا يتمتع باستقلالية أسوة بالتعليم الديني اليهودي. لا توجد سكرتارية تربوية عربية تمثل أهداف التعليم العربي كما نراها نحن أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد. هناك أهداف تم صياغتها في لجنة متابعة قضايا التعليم العربي في لجنة المتابعة والمجلس التربوي، ولا يوجد أي انعكاس لها في التعليم العربي، فتجاهل أهدافنا وانتمائنا إلى جانب ما ذكرته لها تأثيرها السلبي على جهاز التعليم العربي.

"عرب 48": ادعت الوزارة أن هناك زيادة بالميزانيات في السنوات الماضية، وعلي أن أشير أن هذا الأمر صحيح نسبيا على الأقل فيما يتعلق بجوانب خطة 922، ومع ذلك لم ينعكس الأمر على النتائج إيجابا؟

حسان: نعم، هناك ارتفاع في الإنفاق في السنوات الماضية خاصة في التعليم الابتدائي، على أساس تفاضلي بعد نضال طويل، ولكن الفجوة ما زالت كبيرة في جميع المستويات، من الابتدائي ولغاية الإعدادي وخاصة في المراحل الثانوية، فرغم الزيادة في الميزانيات لا زالت الفجوة كبيرة وممتدة منذ النكبة عام 1948. بعض هذا التصحيح لا يمكن أن يحل مشكلة كل هذه السنوات، وهناك أرقام واضحة تظهر هذه الحقائق أبرزها كما أشرت في التعليم الثانوي الذي انخفض فيه الإنفاق على الطالب العربي إلى 19 ألف شيكل عن الطالب اليهودي. نعم، تم ضخ ميزانيات في التعليم اللامنهجي، ولكن رغم ضخ هذه الميزانيات لا زالت الفجوات كبيرة، فهذا التعليم له بنية جذورها قبل قيام الدولة في التعليم اليهودي ولا زالت البرامج المقترحة في التعليم العربي لا تلبي الاحتياجات الخاصة بنا كمجتمع فيما يتعلق بقضايا التعليم وغيرها.

"عرب 48": قد يكون شعوري خاطئ، ولكني أشعر تراجع دوركم في التعليم العربي في الأعوام الأخيرة؟

حسان: وصفك غير دقيق. هناك ارتفاع كبير بمستوى البرامج والمشاركة، ومنذ عامين نتبنى إستراتيجية في لجنة متابعة قضايا التعليم العربي تضع قضية العمل مع القاعدة كأمر جوهري وليس فقط مقارعة الوزارة، وأخذ مسؤولية ومنها إعلان عام اللغة العربية، إقامة منتديات المعلمين، وحضورنا أكبر مما سبق في السنوات السابقة خاصة وأننا نتوجه مباشرة للمدارس وليس فقط من خلال السلطات المحلية. السياسة التي نتبعها أخذ مسؤولية للتأثير على أنفسنا، وأنت كصحافي رافقتنا في عدة محاور كان لنا تدخل مباشر فيها، والهدف من هذه البرامج تأطير المعلمين العرب وغرس وعي جديد لدى المعلم العربي فيما يتعلق بدوره في التربية على حب الانتماء والهوية، وهي مشاريع جديدة أطلقناها في السنوات الأخيرة ولم تكن في السابق. أضف إلى ذلك الحقائب التربوية التي تهدف إلى تعزيز التربية على الهوية وتطوير أدواتها، وهذا إلى جانب عملنا مقابل الوزارة والسلطات المحلية العربية، ونحن نعمل على تطوير منتدى لرؤساء أقسام التربية والتعليم، لأننا نريد أن تأخذ السلطات دورها في التأثير على مضامين التربية في التعليم، وهناك وصول لأكبر عدد من المعلمين والمدارس وهذا ينعكس في السنتين الأخيرتين بمدى تبني برامجنا، وهذا تجلى في تكريم المبادرات في عام اللغة العربية والذي أظهر اشتراك أكثر من 150 مدرسة في هذه المبادرات، ولا بد لنا أن نشير هنا إلى أن عمل لجنة متابعة قضايا التعليم يتم من خلال ميزانية متواضعة جدا ومعظم عملنا هو عمل تطوعي. أنا شخصيا متطوع، ولتعزيز دورنا يجب تعزيز لجنة متابعة قضايا التعليم والتفاعل أكثر مع برامجها وتأطير المعلمين العرب. ونشير هنا إلى أن هذه اللجنة لا تحظى بميزانيات من السلطات المحلية العربية رغم أن انعكاس نضالنا نتيجته جلب ميزانيات للسلطات المحلية العربية، فبناء هذه اللجنة وتطويرها أيضا من خلال ميزانيات من السلطات المحلية يمكن أن يطور عملنا.

"عرب 48": كيف ترى الحلول للخروج من المأزق في جهاز التعليم العربي؟

حسان: أي حل يجب أن يتطرق للمشاكل التي ذكرتها أعلاه. أن يتم السعي إلى سد الفجوات، تغيير مناهج التعليم، رفع مكانة التعليم في العربي في وزارة التربية والتعليم من حيث المبنى التنظيمي، وعلينا كمجتمع عربي ألا ننتظر التغيير الجذري الآتي من سياسات عليا في الدولة، وتحمل مسؤولية لوضع التعليم ونبادر أكثر، فهناك الكثير مما يمكن فعله على مستوى السلطات المحلية العربية والمدارس العربية والمعلمين العرب، وعلينا أن نأخذ زمام المبادرة، فنجاح مبادرتنا في عام اللغة العربية وفي مبادرات أخرى يعطي أملا بالذات، قضايا تأطير المعلمين تعطينا أملا بأننا مجتمع قادر على تحمل المسؤولية في جهاز التعليم، وبإمكاننا التأثير رغم كل الصعوبات المتعلقة بالوزارة وتلك المتعلقة بمجتمعنا.