أبو عصبة: التنمر غير منفصل عن مشهد العنف العام

أبو عصبة: التنمر غير منفصل عن مشهد العنف العام
(Pixabay)

باتت ظاهرة التنمر في المدارس تقلق الكثيرين من الأهالي والمهتمين بالشأن التعليمي والتربوي لما لهذه الظاهرة العدوانية من إسقاطات خطيرة على العملية التربوية وآثارها النفسية والاجتماعية والتعليمية على الطلاب الأمر الذي يستدعي معالجة هذه الظاهرة السلوكية الخطيرة، قبل أن تتزايد في ظل استشراء العنف والجريمة في المجتمع العربي بالبلاد.

وأجرى "عرب 48" حوارا، حول ظاهرة التنمر، مع المحاضر والباحث في العلوم الاجتماعية التربوية، بروفيسور خالد أبو عصبة.

"عرب 48": ظاهرة التنمر بين الطلاب في المؤسسات التعليمية باتت مشكلة سلوكية مقلقة، كيف ومن أين تنامت هذه الظاهرة؟

أبو عصبة: علينا، أولا، أن نحدد ماذا نقصد حين نستخدم مصطلح التنمر، فالتنمر هو شكل من أشكال العنف، فقد يكون جسديًا أو لفظيًا. نعم، نلمس بالسنوات الأخيرة أن ظاهرة التنمر بين الطلبة في المدارس وكذلك خارجها آخذة بالاتساع، وهذا بلا شك أمر مقلق، وهي تؤثر على المناخ التربوي والاجتماعي في المدرسة كما تؤثر على العلاقات الاجتماعية بين الطلبة، مما يعيق العملية التربوية والتعليمية. أما كيف نشأت الظاهرة؟ فهذا يعيدنا للسؤال كيف انتشر العنف في واقعنا المجتمعي وكذلك في مؤسساتنا التربوية، فقد تعود الأسباب إلى انعكاس العنف المجتمعي على باقي المؤسسات المجتمعية ومنها المؤسسات التربوية، حيث أنه من غير الممكن عزل المدرسة عن محيطها الاجتماعي، رغم توقعنا بأن المدرسة تحتكم إلى القوانين والأنظمة المدرسية والتي تحدد السلوكيات، إلا أن هذه القوانين والأنظمة لا تستطيع أن تمنع التنمر بجميع أشكاله، فمثلا هناك تنمر شبكي (إلكتروني) بين الطلاب من الصعب اكتشافه، خاصة في ظل تطور التكنولوجيا واستخدامها من قبل الطلبة أيضًا.

بروفيسور خالد أبو عصبة

"عرب 48": ما هي الآثار التي قد تتولد لدى الطالب الذي يتعرض للتنمر؟

أبو عصبة: للتنمر إسقاطات وانعكاسات على مجالات كثيرة في حياة الطلبة، حيث تدل نتائج دراسات أُجريت في العالم وكذلك بالبلاد أن المجالات الأكثر تأثرًا من التنمر هي العلاقات الاجتماعية بين الطلبة وكذلك المجال الشعوري والسلوكي للضحية. وصرح عدد من ضحايا التنمر عن ضوائق نفسية كالإحباط والحزن واللامبالاة والوحدانية والتقييم الذاتي المتدني والميل إلى التفكير بالضرر الذاتي. وتدل النتائج أن مثل هذه الضوائق يمكن أن تدفع الضحايا إلى التعامل بالعنف والإجرام. وأشارت دراسات عديدة إلى أن هناك علاقة مباشرة بين مدى التعرض للتنمر بشكل متواصل وبين ظهور المشاكل السلوكية والنفسية لدى الضحايا. كما أن التنمر يضر بالمناخ المدرسي ويؤثر على قيام الطالب الضحية بواجباته المدرسية ويضع الضحايا أمام أخطار جدية على صحتهم النفسية وأمانهم الشخصي، ما يؤدي في نهاية الأمر كذلك إلى تدني التحصيل وحتى إلى التسرب الظاهر والخفي. ومن المهم، في هذا السياق، أن يعرف ويدرك الطاقم المدرسي مدى خطورة هذا الأمر ومحاولة منعه قبل فوات الأوان، وكذلك من خلال رصد حالات كهذه خلال اليوم الدراسي ووضع خطط توعوية وعلاجية عند الحاجة. 

"عرب 48": كيف يمكن للأهل معرفة أن ابنهم تعرض لتنكيل وما هي المؤشرات التي تدل على ذلك?

أبو عصبة: بالطبع، يستطيع الأهل معرفة إذا كان ابنهم/ ابنتهم يتعرض للتنكيل التنمري وذلك من خلال متابعهم لأي طارئ يلمسوه في تغيير سلوكه، ومن خلال الحديث والحوار مع الأبناء (فتح قنوات تواصل مهم). علينا أن نعلم أن للأهل الدور البالغ في معرفة ما يحدث مع الأبناء إذا كانت العلاقة في التواصل سليمة بينهما. كما أنه علينا أيضًا أن نعلم أن الأبناء لا يكشفوا عادة ما يحدث معهم وما يتعرضوا له إلا القليل، لذا على الأهل مراقبة ومتابعة الابن/ البنت خصوصا في فترة ما يسمى بجيل المراهقة، دون المساس بخصوصيتهم.  وفي حالات لجوء الابن/ البنت إلى تكرارية التغيب عن المدرسة بدون عذر مرضي، وفي حالة انزواء الابن/ البنت جانبًا أو التحدث بصوت منخفض مع الأصدقاء أو المكوث في الغرفة الخاصة به/ بها لمدة طويلة، أو اللجوء لسرقة الأموال من البيت وكذلك مؤشرات أخرى عديدة وغير مألوفة في السلوك سابقًا، فهذا يدل أن أمرًا ما قد حدث مع الابن/ الابنة، وهنا على الأهل محاولة الوقوف على الأسباب بطريقة لبقة.

"عرب 48": كيف يمكن رصد الظاهرة وعلاجها ومن هي الجهات المنوط بها هذا الدور سيما وأن هذه الظاهرة مع تزايدها باتت تقلق الكثيرين من الأهالي؟

أبو عصبة: الجهات المنوط بها التعامل مع الظاهرة، منذ مرحلة الرصد الأولي وحتى العلاج، هي جهات مختلفة وعديدة. وأعتقد أن الجهة المركزية هي الأهل، وذلك دون إغفال دور المؤسسة التربوية خاصة إذا كان التنمر في نطاق المدرسة أو من قبل الأتراب في المدرسة (وقد يكون هذا التنمر هنا شبكيًا). حين نقول بأن للأهل الدور المركزي فذلك لأنهم بعلاقة مباشرة مع الأبناء أكثر من أي جهة أخرى إلا أننا نلاحظ وجود اختلاف كبير بين ردة الفعل الصحيحة للأهل في التعامل مع ظاهرة التنمر، فالبعض من الأهالي يأخذ الموضوع محمل الجد ويبدأ بالبحث عن حلول، والبعض الآخر لا يكترث كثيرًا ربما لعدم وجود قنوات اتصال سليمة مع الأبناء أو لعدم إدراكهم لدورهم التربوي، حيث يكتفون بالرعاية في حدها الأدنى. على الأهل، في كل الحالات، تقديم الدعم النفسي والعاطفي للابن/ البنت والطمأنينة والتأكد على أن سلوكه هو الصحيح، وأنه لا ينبغي أن يُجَر إلى العراك مع الأشخاص المتنمرين، وأن ما يقوم به هؤلاء هو فعل غير سوي، وأنهم سيعملون معًا (الأهل وطاقم المدرسة والابن/ البنت) لإيجاد طريقة لإيقاف الشخص المُتَنمر. هذا الدعم والطمأنينة يمنحان الابن/ البنت شعورًا بالقوة، وأنه لم يرتكب خطأ، كما سيطمئن أنه مُحاط بأسرة وأشخاص يحبونه وهم قادرون على حمايته.