العامل الفلسطيني، محمود شواورة، اعتقل في الصباح، وبعد الظهر عثر عليه مربوطاً إلى بغلته ورأسه مهشم!!!

العامل الفلسطيني، محمود شواورة، اعتقل في الصباح، وبعد الظهر عثر عليه مربوطاً إلى بغلته ورأسه مهشم!!!

في صباح يوم الأحد من الأسبوع الماضي، خرج العامل محمود شواورة (43 عاماً) راكباً بغلته من بيته في قرية النعمان من أجل البحث عن عمل في القرية المجاورة، أم طوبا. وفي الساعة التاسعة صباحاً قامت قوة من حرس الحدود باعتقاله.

طلب حرس الحدود من شواورة الصعود إلى الجيب العسكري، إلا أنه رفض ترك بغلته في المكان، وكانت الساعة قد قاربت التاسعة والنصف، وهي المرة الأخيرة التي شوهد فيها شواورة معافى وبصحة جيدة!

وفي الساعة الرابعة بعد الظهر شاهد أحد سكان قرية أم طوبا، محمد حمدان، بغلة تركض مسرعة باتجاه القرية وتجر شيئا ما خلفها، وعندما اقتربت منه البغلة أصابته حالة من الذهول لدى رؤيته أنها تجر خلفها إنسانا مثخناً بالجراح والكدمات، تبين أنه محمود شواورة الذي تربطه به علاقة جيدة.

كان شواورة مربوطاً إلى عنق البغلة بحبل بيده اليسرى، وقد فقد وعيه ولا يكاد يقوى على التنفس، في حين كان رأسه ووجهه مهشمين من الجهة اليسرى وتنزف منه الدماء بغزارة، وتمكن من النطق ببضع عبارات متقطعة غير مفهومة قبل أن يتنهد ويتوقف عن التنفس!

أسرع حمدان إلى حل يده اليسرى المربوطة وبدأ بالضغط على صدره لإعادة النفس إليه قبل أن تهرع سيارة إسعاف إلى المكان لتقوم بنقله إلى عيادة طبية في القرية التي تقع ضمن منطقة نفوذ بلدية القدس، ومن هناك تم نقله إلى مستشفى "هداسا" عين كارم، حيث مكث مدة خمسة أيام فاقداً لوعيه توفي في نهايتها تاركاً وراءه تسعة أولاد...

كيف قتل شواورة؟ هل قام حرس الحدود بالتنكيل به ومن ثم ربطه إلى دابته وإخافتها وطردها لتقوم بجره خلفها، وبالنتيجة يتعرض رأسه للإصطدام بالصخور؟ هل قام حرس الحدود بضربه وعندما فقد وعيه ربطوه بالدابة وطردوها من المكان؟ أم صحيح ما تدعيه وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة (ماحاش) بأنه توفي نتيجة حادث سقوط عن الدابة بعد أن ربط نفسه إليها؟؟!!!

في قرية النعمان يقولون أن "عادة" قيام رجال شرطة حرس الحدود بربط الذين يمكثون بشكل غير قانوني بإسرائيل إلى دوابهم هي عادة معروفة للجميع!! ولذلك فإن سكان القرية على قناعة تامة بأن شرطة حرس الحدود أقدموا على قتل شواورة.

وقد اعتاد سكان القرية على رجال حرس الحدود يكمنون للعمال الباحثين عن عمل ويقومون بالتنكيل بهم، وحتى أثناء تشييع جثمان شواورة، يطل عليهم جيب حرس الحدود بشكل استفزازي، بيد أن سكان القرية الصغيرة (لا يتجاوز عدد سكانها 170 نسمة) يحافظون على أعصابهم منضبطة، شأنهم كشأن سكان الجبال، يقلون من الحديث ويخشون أعمال التنكيل المستمرة.

وتقع قرية النعمان في الطرف الجنوب إلى الشرق من مدينة القدس المحتلة، وهي ضمن حدود بلدية القدس، على بعد مئات الأمتار شمال بلدية بيت ساحور المجاورة لمدينة بيت لحم حيث لم يستكمل بعد بناء جدار الفصل العنصري، وتصل قوات حرس الحدود يومياً إلى القرية، ولذلك يخشى سكانها الحديث عن الموضوع. ولذلك فمن المستبعد أن تقوم عائلة شواورة بتقديم شكوى (عبثية) إلى وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة.

في يوم الحادث، يقول شقيق محمود شواورة، داوود، أنه (أي داوود) خرج من بيته في الساعة السابعة والنصف صباحاً مشياً على الأقدام باتجاه قرية أم طوبا من أجل البحث عن عمل في البناء أو الزراعة. وبعد ساعة من وصوله قام عدد من شرطة حرس الحدود باعتقاله مع مجموعة أخرى من العمال، وأخذوا منهم بطاقات هويتهم الشخصية وطلبوا منهم التوجه إلى مركز الشرطة في القرية.

بعد ذلك بوقت قصير، وصل محمود شواورة راكباً على بغلته للبحث عن عمل في القرية، كعادته كل صباح، وقام حرس الحدود باعتقاله، ولما طلبوا منه الذهاب إلى مركز الشرطة، رفض أن يترك بغلته في المكان خشية ضياعها أو سرقتها خاصة وأنه لم يسدد ثمنها بعد.

ويتابع داوود أنه تم نقله إلى مركز الشرطة في حين بقي شقيقه محمود في المكان برفقة قوة من حرس الحدود.

وتدعي وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة (ماحاش) صحة رواية الشرطة بأنهم قاموا بإطلاق سراحه لمجرد أنه رفض الصعود إلى الجيب العسكري، (رغم أنه من الصعب أن نصدق أن رفض معتقل فلسطيني الصعود إلى سيارة الإحتلال العسكرية يدفع رجال شرطة حرس الحدود إلى إطلاق سراحه!!!)

بعد تحقيق قصير، وبعد إلزامهم على التوقيع على تعهد بعدم الدخول مرة ثانية إلى قرية أم طوبا، تم اقتياد داوود، الشقيق، مع باقي العمال إلى معبر "راحيل" الجديد على مدخل مدينة بيت لحم وأطلق سراحهم. لم ير داوود شقيقه بعد ذلك مطلقاً، وعندما وصل القرية كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة والنصف ظهراً.

وفي الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر اليوم نفسه، رأى محمد حمدان البغلة مسرعة لا تلوي على شيء وخلفها سحابة من الغبار على الطريق التي تهبط إلى قرية أم طوبا...

لا يبعد مكان العثور على جثة شواورة سوى بضعة مئات من الأمتار عن المكان الذي اعتقل فيه، كما لا يبعد مركز الشرطة في أم طوبا، المكان الذي شوهد فيه في المرة الأخيرة سوى بضعة مئات من الأمتار عن مكان العثور عليه مقيداً وجريحاً، بمعنى أن المسافة كلها لا تزيد عن كيلومتر واحد. أما الفارق الزمني الذي يصل إلى ست ساعات، فيمتد من التاسعة والنصف صباحاً وحتى الرابعة والنصف ظهراً، ولا أحد يعرف ماذا جرى لشواورة بالضبط في هذه الساعات....

حاول حمدان تتبع آثار الدماء على الطريق إلا أن الأمطار التي هطلت أزالت بقع الدماء ولم تترك لها أثراً...

جلس الرجال على سفح الجبل ينظرون إلى الطريق بنظرات حزينة في انتظار سيارة الإسعاف، في حين انهمك الفتيان بتعليق أعلام فلسطين على أسطح المنازل وعلى السياج المحيط بالمقبرة.

وأطلت القافلة من السهل في مقدمتها سيارة إسعاف فلسطينية بأضوائها الحمراء المتقطعة، في حين كان جيب عسكري يراقب ما يجري عن بعد على الطريق الأمني الذي تم شقه مؤخراً على طول مسار جدار الفصل الذي يحيط بالقدس (غلاف القدس).

لا يعرف أحد من سكان القرية أين يقع الخط الفاصل بين "الأراضي الفلسطينية" و "القدس"، فقريتا النعمان وأم طوبا، كلتاهما، تقعان داخل الجدار كجزء من القدس، بيد أن معظم سكان النعمان لا يحملون بطاقات شخصية زرقاء، الأمر الذي يجعلهم من ضمن "الماكثين بشكل غير قانوني" في أرضهم، مثلما يجعلهم ضحايا التنكيل اليومي لرجال شرطة حرس الحدود...، أما قرية أم طوبا المجاورة فهي أيضاً تقع ضمن نفوذ بلدية القدس، ولا يحمل جميع سكانها البطاقات الشخصية الزرقاء...

ولدى إخراج الجثة من سيارة الإسعاف إلى داخل البيت، تمت تغطية الوجه بسرعة بعد أن تكشفت الجروح العميقة في الوجه.

وفي حين يطالب المحامي داوود درعاوي، من جمعية فلسطينية تعنى بشؤون الطفل بتحقيق دولي في ظروف مقتله، يروي المحامي حادثتين مشابهتين؛ الأولى وقعت في القرية المجاورة دار صلاح، حيث دهس أفراد شرطة حرس الحدود حماراً كان يركب عليه المدعو وليد عمية وأسقطوه أرضاً إلا أنه نجا من الموت. والحادثة الثانية وقعت في وادي الحمص القريب، حيث قام حرس الحدود بربط فلسطيني إلى الحمار ودفع الحمار إلى العدو به!

ويتابع درعاوي أن حرس الحدود لا يغادرون المكان منذ شهرين وقد ارتفع عدد حوادث التنكيل بحق العمال الذين يحاولون الخروج إلى العمل في القرية المجاورة.

ومن جهته يقول الناطق بلسان وزارة القضاء، يعكوف غالنتي، بإسم وحدة التحقيق، أنه بعد التحقيقات التي أجرتها الوحدة تبين عدم وجود علاقة بين ممارسات حرس الحدود في المنطقة وبين ما حدث لمحمد شواورة، ويضيف أنه يبدو أن البغلة التي امتطاها متوحشة وأنه قام بربط نفسه إليها وسقط عنها!، كما يتابع الناطق أنه حتى الآن لا يوجد أي دليل يربط الحادث بحرس الحدود.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العائلة رفضت إجراء تشريح للجثة، ومن جهتها لم تتوجه وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحاش) إلى المحكمة لإستصدار أمر بالتشريح.

في الحادث الثاني المماثل، في أحد الأحياء جنوب مدينة بيت لحم، حيث يعمل مأمون أبو علي الذي لا يزال يحمل على وجهة ندوباً عميقة تعود إلى يوم لقائه برجال حرس الحدود بالقرب من قرية النعمان...

خرج أبو علي من بيته في قرية عبدية ظهر أحد أيام شهر رمضان الأخيرة، قبل شهرين، يركب على حماره، في طريقه إلى وادي الحمص لشراء طعام الإفطار.

وفي الطريق فاجأه أفراد حرس الحدود بسيارتين عسكريتين، ولدى التحقيق معه تبين أن بطاقته الشخصية ليست زرقاء وبالتالي فهو يمكث في البلاد بشكل غير قانوني!!

قام أفراد حرس الحدود بربط يدي أبو علي خلف ظهره برسن الحمار، وطرحوه أرضاً على بطنه ووجهه إلى الأرض، وقاموا بوضع حجر على ظهره، ومن ثم بدأوا بضرب الحمار بالسوط لحمله على الركض بسرعة، إلا أن أبو علي أخذ بشد الحبل إلى الخلف لمنع الحمار من السير.

وضع أحد أفراد حرس الحدود قدمه على ظهر أبو علي، في حين وضع القدم الأخرى على الحجر للمزيد من الضغط.

واستمرت أعمال التنكيل قرابة ربع ساعة، ولما يئس أفراد حرس الحدود من دفع الحمار إلى الركض، أمروا أبو علي بالوقوف، وكانوا يتحدثون بالعربية، وقام أحدهم بتغطية عينيه، في حين تناول آخر حجراً وضربه على وجهه، ووجهوا له تحذيراً بعدم الدخول ثانية إلى المنطقة وإلا فسيقومون بقتله!!

لم يقدم أبو علي شكوى لوحدة التحقيق مع أفراد الشرطة، وعندما توجه إلى أحد أفراد الشرطة الفلسطينية لتقديم شكوى قال له الأخير:" الناس هنا تقتل، عليك أن تقول شكراً لأنك لا تزال على قيد الحياة"!!

ويقول أحد المشاركين في تشييع جثمان شواورة "ماذا يفعلون بنا؟ تحت أي احتلال قذر نحن نعيش؟!!

وبينما بدأت الجنازة تتفرق بصمت بين أشجار الزيتون، وفي طرف القرية كانت البغلة مربوطة إلى شجرة، وعندما اقتربنا منها لتصويرها، أجفلت وحولت رأسها جانباً وتراجعت إلى الخلف!!!


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018