الإخفاق العسكري يدفع إلى البحث عن إنجاز سياسي../ كتب: هاشم حمدان

الإخفاق العسكري يدفع إلى البحث عن إنجاز سياسي../ كتب: هاشم حمدان

كان قد كتب زئيف شيف، يوم أمس الأحد، قبل إنكشاف مجزرة قانا أمام وسائل الإعلام، أن وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، نجحت في مواجهة الضغط الدولي لوقف إطلاق النار، وهي بحاجة إلى أوراق عسكرية لمواصلة القيام بهذا الدور، إلا أنه و"لسوء الحظ"، فإن إسرائيل لم تستطع حتى الآن تزويدها إلا بـ"معاقبة" لبنان كلها، في حين أن الأوراق العسكرية الموجودة بيد إسرائيل تتجلى في احتلال قريتين قرب الحدود!

ويضيف أنه في حال عدم حصول أي تحسن في الأوراق الموجودة بحوزة إسرائيل مع استمرار الحرب، لن يكون هناك مفر من الحل السياسي، وعندها ستبقى الصواريخ بحوزة حزب الله في جنوب لبنان، وسيعكس الحل السياسي الواقع العسكري في الميدان.

وحتى بالنسبة لسورية، فقد ظهر تناقض بين الإستراتيجية الأمريكية وبين الخطوات التي لجأت إليها إسرائيل مقابل سورية. فبموجب خطة الولايات المتحدة، فإن فشل الخطة السياسية الأمريكية اللبنانية، يجب أن يثير مخاوف دمشق، بحسب شيف. إلا أن تأكيدات إسرائيل بأنها لن تفتح جبهة قتالية مع سورية، جعلت سورية تعمل بكل الطرق الممكنة لتشويش الخطة. وبذلك لم يبق أمام إسرائيل سوى خيارات محدودة لمواصلة الحرب. ولكونها لم تتمكن حتى الآن من وقف حرب الاستنزاف التي يشنها حزب الله عن طريق إطلاق الصواريخ التي وصلت العفولة، فإن الطريقة الوحيدة هي عملية سريعة لاحتلال جنوب لبنان، من أجل تدمير منظومة الصواريخ في المنطقة قبل وصول القوات الدولية. من الممكن أن تكون هناك خيارات أخرى، إلا أنها لن تؤثر على منظومة الصواريخ الخاصة بحزب الله.

ومع التقدم في العملية السياسية، فإن ذلك يعنى المزيد من الضغط الدولي على إسرائيل، بما في ذلك الأمريكي، لوقف قصف البنى التحتية في لبنان. ويتابع أنه لا يوجد أية فائدة من تجنيد وحدات الإحتياط طالما لم يتم تفعيلها كما يجب من الناحية الإستراتيجية مع اقتراب نهاية الحرب. وأما الإدعاءات بأن هذه الوحدات ليست مدربة كما يجب، بسبب التقليص في الميزانيات، فهي ليست مقبولة في الوضع الذي وصلت إليه إسرائيل. وليس هذا هو الوقت المناسب لتوجيه الإتهام لوزارة المالية، كما أن المالية ليست العنوان الوحيد لتوجيه الإتهام.



وهنا نشير إلى أنه من الواضح مع تقلص الوقت أمام إسرائيل، وزيادة الضغط الدولي من أجل وقف الحرب، فقد وقع المستوى السياسي في إسرائيل في أزمة جدية، في ظل إجماع على الحرب، خاصة بعد التدرج من هدف القضاء العسكري على حزب الله، إلى استصعاب المهمة ومن ثم الإعلان عن استحالة ذلك، وبالتالي الفشل في تحقيق نصر عسكري على حزب الله. كل ذلك دفع إلى البحث عن أي إنجاز عسكري سريع على الأرض قبل وقف إطلاق النار.

إلا أنه وعلى ضوء المعارك الجارية على الأرض، وفي ظل صمود المقاومة اللبنانية، فإن ذلك على ما يبدو دفع في الاتجاه نحو البحث عن إنجاز سياسي من وراء الحرب، بالإستفادة من ماكنة الضغط الأمريكية، طالما ليس بالإمكان تحقيق أي إنجاز عسكري. ومن هنا فليس من قبيل الصدفة أن يتناول عدد من المقالات اليوم في الصحافة الإسرائيلية مسألة المسار السوري.

ففي مقال هيئة تحرير "هآرتس" اليوم، الإثنين، جاء أنه يجدر أن نتمنى ألا توقف مجزرة قانا المسيرة التي بدأت ببلورة التسوية الدبلوماسية لإنهاء الحرب. فزيارة وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، للمنطقة، وجدول الأعمال المزدحم الذي ينتظر قرار مجلس الأمن، يوم الأربعاء، ستؤدي، في ظل قصف قانا، إلى طي الخارطة العسكرية، بينما يحارب الجيش في هذه الأثناء لتحسين شروط إنهاء الحرب، على اعتبار أن كل إنجاز سيتم تحقيقه في الميدان مقابل حزب الله سيساهم في صياغة التسوية. إلا أنه من الصعب رؤية القوات البرية، بالنظر إلى مجريات الحرب حتى الآن، تصل إلى حسم قاطع في الحرب.

وتبرز الأسئلة الصعبة بشأن الاستعدادات العسكرية التي كانت، والفهم الأمني المستقبلي على ضوء التحدي الصاروخي والجهات غير السياسية التي تهدد إسرائيل.

وبحسب المقال فإن الإنجاز المعين الذي تم انجازه في أسابيع الحرب، من الممكن أن يجد تعبيراً له بالذات في العملية السياسية التي يجري نسجها: تسوية لن تفرض فقط شكل الدفاع الدولي على الحدود بين إسرائيل ولبنان، وإنما من الممكن أن تشكل الأساس لحوار سياسي بين إسرائيل وسورية.

أحد الأسس الجوهر للتسوية المتبلورة تعتمد على إعادة مزارع شبعا إلى لبنان، وذلك على اعتبار أن حكومة فؤاد سنيورة تستطيع أن تسحب إحدى الذرائع من حزب الله بشأن مواصلة حمل السلاح وتخلق الأساس الشعبي للمطالبة بنزع سلاحه. إلا أن إعادة مزارع شبعا إلى لبنان بحاجة إلى اعتراف رسمي سوري بأن الحديث هو عن أرض لبنانية وليست سورية.

وبحسب "هآرتس" هنا تكمن الفرصة التي تحدث عنها الرئيس بوش، في المرة الأخيرة يوم الجمعة، عندما طالب سورية بأن تكون شريكة فاعلة في التوصل إلى سلام في الشرق الأوسط!



وكتب عكيفا إلدار في صحيفة "هآرتس"، أنه قبل أن تغطى المفارق في إسرائيل بلافتات "سننتصر"، كان حزب الله قد أعلن عن انتصاره. فللمرة الأولى منذ قيام الدولة اختبأت جماهير غفيرة في الملاجئ، وذاق عشرات الآلاف من المواطنين الطعم المر للجوء. كانت هزيمة الجيوش العربية عام 67 بحاجة إلى ستة أيام، أما اليوم فقد مضى ثلاثة أسابيع، والجيش الإسرائيلي، القوي والمتطور بأضعاف مضاعفة، لا يستطيع حسم المعركة مع "ميليشيا" لبنانية، بل إن حزب الله أصبح يسمي قرية مارون الرأس بـ "مرفوع الرأس"، في حين منح مقتل أكثر من 50 لبنانياً، نصفهم من الأطفال، نصراً ملموساً لحزب الله في المعركة على الرأي العام العالمي.

ويتابع إلدار، كيفما ستنتهي الحرب، سيكون لها مكان في ألبوم الانتصارات العربية. وعلى المستوى السياسي الإسرائيلي فقد بدأوا يدركون أن القضاء على حسن نصر الله لا يعني القضاء على حزب الله. ومن المتوقع، وبحسب خطة رايس أيضاً!، أن يخرج حزب الله من الحرب مع إطلاق سراح الأسرى واستعادة مزارع شبعا وكميات كبيرة من ترسانته العسكرية لا تزال بحوزته.

وحتى المقابل الأهم الذي تستطيع إسرائيل الحصول عليه، وهو تطبيق القرار 1559 ونشر قوات الجيش اللبناني بدلاً من قوات حزب الله في الجنوب، لا تجعل نصر الله يسارع إلى التنازل عن السيطرة على جنوب لبنان. فالوحدات المنظمة من حزب الله ستنضم إلى الجيش اللبناني، وبمساعدة سورية، يصبح حزب الله هو القوة الدولية الجديدة التي ستنتشر في الجنوب!

ويشير إلدار إلى "الرسالة الحادة" التي وجهتها رايس لأولمرت بالتوقف عن قصف البنى التحتية في لبنان والتي من شأنها أن تزعزع مكانة رئيس الحكومة اللبنانية المهتزة أصلاً، بالضبط مثل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. لقد بدأ يدرك الأمريكيون، بتأخير كبير، أن البديل لسلطة مركزية علمانية ضعيفة هو حكم إسلامي أو فوضى شاملة.

ويتابع، حقاً يجب على الجيران أن يدركوا أن العنف لا يحقق مكاسب، وأن حل الصراعات يكمن في قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي ونشر قوات سلام في مناطق الصراع. إلا أن اتفاق السلام مع مصر، الذي تضمن إعادة سيناء، بما في ذلك طابا، كان الإنجاز الاستراتيجي الأهم لإسرائيل خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، ولذلك فإن إعادة مزارع شبعا، كمقدمة على حساب الجولان، من الممكن أن تعيد إنتاج هذا الإنجاز في الشمال!

ويوافق مع رايس أنه لا جدوى من وقف إطلاق النار إذا كان ذلك لا يضمن الإستقرار ويعيد الوضع إلى سابق عهده مثلما كان قبل الثاني عشر من تموز/يوليو. ومن أجل تغيير هذا الوضع، ومن أجل حسم المعركة مع حماس أيضاً، وعزل إيران، يتحتم على الولايات المتحدة أن تقترح على سورية مسار خروج من قائمة "الإرهاب" إلى المسار السياسي، وإذا كانت إسرائيل تريد الإنتصار ليس فقط في الإعلانات على مفارق الطرقات، يجب وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار.




وفي صحيفة "يديعوت أحرونوت" كتب باروخ كيمرلينغ، بروفيسور في علم الإجتماع في الجامعة العبرية، تحت عنوان "زلزال سياسي" أنه مهما كانت نتائج كارثة قانا، فللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل منذ العام 1948، لن تستطيع إسرائيل الإنتصار بشكل حاسم، سواء على المدى القريب أو على المدى البعيد، حتى لو هدمت لبنان كلها. وهي لن تكون قادرة على ضمان أمن قطاعات واسعة من سكانها في الجبهة الداخلية، ولا شكل أنها ستجد صعوبة في تقليص الأضرار الشديدة والمعنوية التي تعرضت وستتعرض لها.

الزلزال السياسي الذي مرت به إسرائيل في أعقاب حرب عام 1973 سيكون لا شيء بالمقارنة مع الزلزال السياسي الذي سيحصل في أعقاب حرب 2006. ومن الممكن الإفتراض أن مصطلحات "يمين" و"يسار" و"مركز" ستفقد دلالاتها الحالية، والتي ثبت من الناحية الأيديولوجية أنها لم تعد ذات صلة بالإضافة إلى غياب الفوارق بينها قبل أن تبدأ الحرب. ومن الممكن الإفتراض أن غالبية الأحزاب الحالية ستنهار. ولا يمكن التنبؤ سلفاً كيف سيبدو الجهاز السياسي والحزبي بعد هذه الحرب، ومن الممكن الإفتراض أن الجمهور سيمنح الأفضلية لهيئات قادرة على الإقناع بقدرتها ونيتها على إعادة بناء الدولة من الدمار المادي والمعنوي.

ويتابع، تم إعادة بناء ألمانيا (الغربية) واليابان من ناحية مادية وأخلاقية بسرعة كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، بمساعدة الولايات المتحدة، إلا أن ذلك تطلب شرطاً مسبقاً ملزماً، التخلي عن العسكرة. وفي هذا السياق فإن إسرائيل بحاجة إلى حل فوري للصراع بينها وبين الفلسطينيين والسوريين، بحيث يمكن لجميع الأطراف العيش معه.

ويتابع إن الحرب مع حماس والفلسطينيين تكمل الحرب مع حزب الله وتساهم في الدمار المادي والثقافي والأخلاقي للدولة، وحتى هذه الجبهة لا يمكن الإنتصار فيها عن طريق القوة.

ويتساءل في نهاية مقالته: من سيقيم هذه المرة خيمة الإحتجاج الأولى مقابل مكتب رئيس الحكومة ليتدفق إليها عشرات الآلاف؟



وفي المقابل، كتب د.شموئيل غوردون، وهو طيار سابق في سلاح الجو، ويترأس برنامجاً للتكنولوجيا والأمن القومي في المعهد التكنولوجي في حولون، في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أنه يجب توفير الحماية لسكان الشمال، ومن أجل تحقيق هذا الهدف يجب استخدام كافة الوسائل، ويجب تحديد أهداف سياسية لضمان "شمال آخر"، ولكن يجب عدم إضاعة البوصلة!

لا يعنينا الكثير من تنظيره وحرصه على "أخلاقيات الجيش الإسرائيلي" المزعومة، ولكن تجدر الإشارة إلى عدة نقاط ترشح من حديثه. أولها "أنصاف" الإعترافات التي تشتق من مقالته، فهو يشير إلى أن أكثر من نصف القتلى اللبنانيين هم من المدنيين، ويتساءل هنا فيما إذا كان قتل المدنيين يخدم الأهداف الإسرائيلية أو يمنع قتل مدنيين إسرائيليين!!

النقطة الثانية هي "أخلاق الحرب" فهي بالنسبة له ليست قيمة بحد ذاتها، وإنما، وبحكم تجربته الطويلة في سلاح الطيران، فهي ذات قيمة لكونها تخدم المصلحة القومية لإسرائيل أولاً، وثانياً من أجل عدم إثارة الرأي العام العالمي حتى لا يتقلص الزمن اللازم لإسرائيل لتنفيذ أهداف الحرب.

وبينما يخلص إلى النتيجة أنه يجب الحفاظ على "أخلاق الحرب" للأسباب المذكورة، تشير "يديعوت أحرونوت" إلى أن هذه المقالة التي نشرت اليوم، كانت قد كتبت قبل مجزرة قانا..


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018